وتتابع الآيات الكريمة:
{حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) ۞ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42)} سورة هود
{فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ (14)} سورة القمر
{ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) } سورة هود
وجاء في معجم معالم الحجاز بأنه قيل إن ابن نوح عندما قال: {قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)} كان يعني موضعاً اسمه ركبة، وهو أرفع الأراضي كلها، وقال أبو داود في كتاب الشهادات : ركبة موضع بالطائف، ولعل المقصود بالجبل هنا جبل حضن.
لا يحدثنا القرآن عن طول فترة الطوفان، الذي توقف في نهاية الأمر: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)} سورة هود
وادي وراط وسفينة نوح:
مسار الانحدار الجغرافى للمياه من سراة الحجاز يسير بحسب قانون الجاذبية؛ فمن المنطقي أن تسيل المياه شرقاً عبر عالية نجد فاليمامة وإقليم البحرين القديم وصولا إلى الخليج العربي! ومن الطبيعي أن يكون أول حاجز طبيعي تصطدم به سلسلة من الجبال العالية؛ وليس مثل جبل طويق الذي كان يسمى بعارض اليمامة ما يضاهيه في ذلك. ومن عند الدرعية بجانب جبل العارض يخرج درب الجودي بعد أن يقطعه من الغرب إلى الشرق ليسير شرقاً وصولاً إلى قرية جودة على أطراف منخفض حرض . وبتفصيل من صحف إبراهيم (ع) وهي سفر التكوين من التوراة
(النص من سفر التكوين: “واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال اراراط” الاصحاح الثامن من سفر التكوين الآية الرابعة).
نعلم أنه بعد أربعين يوماً من الطوفان رسا التابوت على جبل (ءررط) الذي قد يكون مرتبطاً بوادي أراط الواقع تحت سفوح طويق الشرقية بمركز عودة سدير باليمامة 150 كيلاً شمال غرب الرياض. وبالنسبة إلى اسم أرارات الأرمني فلا يعرف أحد أصل هذه التسمية! فلا الجغرافيون اليونان ولا الرومان أتوا على ذكرها، وأول ما ظهرت كانت على لسان موسى الحراني (of chorene) وقد أطلقها على المقاطعة الوسطى بأرمينيا، أما الجبل الذي يسميه الأوروبيون اليوم جبل أرارات فالأرمن يسمونه جبل «ماسيس». والأتراك يطلقون عليه اسم أغري – داغ (Agri-Dagh).
روى ابن عوف: قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (أربعة جبال من جبال الجنة، وأربعة أنهار من أنهار الجنة، وأربع ملاحم من ملاحم الجنة، قيل: فما الأجبل؟ قال: جبل أحد: يحبنا ونحبه، والطور: جبل من جبال الجنة، ولبنان: جبل من جبال الجنة، والجودي: جبل من جبال الجنة) لكن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ توقف عن تحديد المكان.
فمن أراد البحث عن فلك نوح فلينطلق من عودة سدير ويدرس المنطقة ما بين البلدة القديمة التي بوادي سدير (المعروف قديماً بوادي الفقي) ووادي أراط وصولاً لجبل طويق المحاذي من الغرب، وأسطورة غيلان هناك على اسم (ع ى ل م) ابن شام / سام / ثام / تام ومنه ربما اشتقاق الثمامة وتميم.
التوراة الحجازية: تاريخ الجزيرة المكنوز/ محمد منصور. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2020. ط 1. ص ص 74 – 75
لا يوجد في المصادر التاريخية المعتبرة، ولا في الدراسات الأثرية المعروفة، ما يحدد على وجه القطع مكان رسو سفينة نوح عليه السلام، ولذلك فإن جميع الآراء التي تحاول تعيين موضع السفينة أو ربطها بمواقع جغرافية محددة تبقى في دائرة الاجتهاد والاحتمال، لا في دائرة الحقائق التاريخية المقطوع بها.
وما أورده المؤلف في هذا الموضع يمثل رؤية اجتهادية شخصية تقوم على الربط بين بعض الأسماء الجغرافية والتشابه اللفظي والاستنباط من طبيعة التضاريس ومسارات المياه، وهي أمور قد تصلح لطرح فرضيات بحثية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وقائع تاريخية بهذا الحجم والأهمية.
كما أن بناء النتائج على تشابه الأسماء بين مواضع معاصرة أو معروفة في الجزيرة العربية وبين أسماء وردت في نصوص دينية أو تاريخية قديمة لا يعد دليلاً كافياً في الدراسات التاريخية، ما لم تؤيده نصوص صريحة أو شواهد أثرية واضحة أو قرائن قوية متضافرة.
ومن ثم فإن ما ورد في هذا الطرح ينبغي أن يُفهم بوصفه اجتهادًا قابلًا للنقاش والقبول والرد، لا حقيقة تاريخية ثابتة. والإنصاف العلمي يقتضي التفريق بين ما ثبت بدليل صريح، وبين ما يقوم على الظن والاستنباط، مهما بدا لبعض الباحثين أنه راجح أو محتمل.