
تمهيد:
تمثل هذه الرحلة واحدة من النصوص النادرة التي دوّنها أحد علماء نجد وقضاتها بعد زيارة ميدانية للأهواز في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري؛ إذ حفظت لنا وصفًا مباشرًا لجماعات عُرفت بالنواصر في الأهواز والبصرة وبر فارس، وما كان لهم من أحوال اقتصادية واجتماعية، كما تضمنت رواية عن أنسابهم وفروعهم كما رواها أصحابها للشيخ عثمان بن منصور.
نص الرحلة كما نقله الشيخ إبراهيم بن عيسى من مخطوط الشيخ عثمان بن منصور:
“قال كاتبه عثمان بن عبدالعزيز بن منصور بأني سافرت سنة 1236هـ من البصرة مع شط كارون الذي يهوي على شط البصرة من عند المحمرة مع ناس في سفينة، فلما وصلنا الأهواز ووصلنا إلى القرية المسماة بمعاوية بأرض الباوية من ربيعة مع شط كارون النازل من جبال رامز بأرض العجم الذي به زبيد وجدت النواصر قد جاءوا من فارس من شط بني تميم بمحرمهم وبيوتهم للأهواز أيام الصيف نازلين على فلاليح لهم بالأهواز، فأتيتهم وبردوا السفينة التي جئت فيها عن عشر شيخ الباوية الشيخ سلمان لأن على الباوية للنواصر الإخاوة ألف قرش عين كل سنة يأخذونها إذا نزلوا الأهواز أيام الصيف ولهم عليهم نهر أبوجذيع أرضه ونخله شمالي الشط عند المحمرة، وأقمت عندهم نحو عشرين يوماً، وسألت النواصر المذكورين كم قدر ما معهم من الخيل؟
فقالوا: نحو سبعمائة، وسألتهم عن فرقانهم؟ وقالوا: آل عيادة وآل رحمة والحمران وآل رومي وآل أبو حسين وفريق آخر جيران لهم وآل أبو حسين فريق ما هم بكثير، ما يقولون عليهم النواصر المذكورين إلا بالملوى لأنهم من أهل الحوطة بني العنبر بن عمرو بن تميم، والنواصر المذكورين إلا بالملوى لأنهم من أهل الحوطة بني العنبر بن عمرو بن عمرو بن تميم، والنواصر بنو الحارث الحبط بن عمرو بن تميم، وسألت كبار النواصر المذكورين عن نسبهم؟ فقالوا: الذي نعرف عن كبارنا أننا من بني عباد بن الحصين صاحب عبادان البصرة الذي به النواصر إلى الآن من آل عيادة الذين كبيرهم اليوم ابن مسلم بن عيادة والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
قال عيادة منهم: آل عيادة أهل البصرة وبر فارس، وآل عيادة أهل بلد قفار، وآل حماد من عيال فرج من ذريه عيادة الذين منهم أهل بر فارس والبصرة، وآل رحمه منهم: الحسنا والذين بالروضة اليوم بداخل الروضة آل سلامه وآل حوقل وآل سويدان الذين بضرما الذين منهم محمد بن مقبل – و – منهم آل عضيب وهم آل عيبان والحمران منهم حمران قفار وآل رومي منهم آل جراد أهل حائل وآل دخيل أهل الداخلة ومن تعلق بهم ومن النواصر مغير وانقطعوا إلا أنه يقال منهم آل ابن نصار وأما آل سيف بن سيف والصغير وآل مطلق والبحارى بالمذنب وآل ابن ناصر الذين بالروضة وهم آل عمير بن ناصر والحصنان والشقارى هؤلاء من النواصر الذين عليهم الاسم ويلحقوننا يا آل رحمه والحمران فهم يلحقون رومي. فهؤلاء الذين عليهم الناصرية باقية والحميضية الآن الحميضية باقية في النواصر إلى اليوم في الحماضا أهل القصب والذين بالمدينة، ثم بعد ذلك المزروعية تجمع أهل الروضة والذين اسمها باقي فيهم إلى اليوم في آل عمير وأهل جلاجل ويدخل في المزروعية جميع من ذكرنا من النواصر وأهل قفار ومزاريع العارض مزاريع عمان الكل من بني الحارث بن عمرو بن تميم، كذلك المناعات أهل عشيرة كل هؤلاء بنو الحارث الحبط بن عمرو بن تميم وأما آل أبو حسين الذين ذكرنا أنهم داخلين في الناصرية بالملوى فهم أهل حوطة سدير وآل حديثة وهم بنو العنبر بن عمرو بن تميم إخوة بني الحارث الحبط بن عمرو بن تميم، ومن النواصر آل ماجد أهل ثادق المعروفون اليوم، والله سبحانه أعلم وهو حسبنا ونعم الوكيل.”

نبذة عن الشيخ عثمان بن منصور:
هو الشيخ عثمان بن عبدالعزيز بن منصور بن حمد بن إبراهيم بن حمد بن محمد بن حسين الحسيني، من آل رحمة، الناصري العمري التميمي، ولد مطلع القرن الثالث عشر للهجرة، في بلدة الفرعة بإقليم الوشم، ونشأ في سدير، ويذكر أن أول انتقال أسرته إليها كان في روضة سدير. تلقى العلم على عدد من علماء الوشم والدرعية والرياض وسدير، ثم رحل إلى العراق فأخذ عن علماء بغداد والبصرة والزبير، كما حج إلى بيت الله الحرام وأخذ عن علماء الحرم.
تولى القضاء في عدد من بلدان نجد، فعيّنه الإمام تركي بن عبدالله قاضيًا لجلاجل، ثم ولاه الإمام فيصل بن تركي قضاء حائل وما حولها سنة 1256هـ، قبل أن يتولى قضاء سدير. وكان محبًا للعلم واقتناء الكتب، فكوّن مكتبة كبيرة، وخلّف عددًا من المؤلفات، من أشهرها: فتح الحميد شرح كتاب التوحيد، والرد الدافع على الزاعم أن شيخ الإسلام ابن تيمية زائغ، والتحفة الوضية في الأسانيد العالية المرضية المتصلة بصفوة الأمة المرحومة المحمدية. وتوفي رحمه الله في حوطة سدير في شهر ربيع الأول سنة 1282هـ الموافق أغسطس 1865م.
نبذة عن الشيخ إبراهيم بن عيسى:
هو الشيخ العالم المؤرخ النسابة إبراهيم بن صالح بن إبراهيم بن محمد بن عبدالرحمن بن حمد بن عبدالله بن عيسى، من أسرة آل عيسى من بني زيد، ولد في بلدة أشيقر يوم الأربعاء 12 شعبان سنة 1270هـ الموافق 10 مايو 1854م، ونشأ بها، وحفظ القرآن الكريم، وطلب العلم على عدد من علماء نجد والأحساء والزبير والهند والحجاز، ورحل في سبيل ذلك إلى عدد من البلدان. ويعد من أبرز مؤرخي نجد في القرن الرابع عشر الهجري، ومن أشهر مؤلفاته: عقد الدرر فيما وقع في نجد من الحوادث، وتاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد. وتوفي رحمه الله في مدينة عنيزة ضحى يوم السبت 8 شوال سنة 1343هـ الموافق 2 مايو 1925م.
مسار الرحلة:
يمكن تتبع مسار الرحلة الوارد في النص على النحو الآتي:
حوطة سدير ← البصرة ← المحمرة ← شط كارون ← الأهواز ← قرية معاوية بأرض الباوية من ربيعة ← الإقامة بين النواصر نحو عشرين يومًا ← العودة إلى حوطة سدير.

المواقع الجغرافية الواردة في النص:
تكشف رحلة الشيخ عثمان بن منصور عن عدد من المواضع والمدن والأنهار الواقعة في جنوب العراق وإقليم الأهواز، كما تعكس معرفة دقيقة بالبيئة الجغرافية التي جرت فيها الرحلة، ومن أبرز هذه المواضع:
وتساعد هذه المواضع في تتبع خط سير الرحلة وربط النص ببيئته الجغرافية، كما تحفظ لنا أسماء عدد من المواطن والأنهار والقرى التي كانت معروفة في إقليم الأهواز خلال أوائل القرن الثالث عشر الهجري. ويلاحظ أن أكثر المواضع الواردة في الرحلة تقع على امتداد مجرى نهر كارون أو بالقرب منه، مما يؤكد أهمية النهر بوصفه طريقًا للملاحة والتنقل ومحورًا للاستقرار الزراعي والقبلي في تلك الفترة. ولم يتيسر تحديد موضعي قرية معاوية وشط بني تميم على وجه الدقة، في حين أمكن التعرف على بقية المواضع الرئيسة الواردة في النص.
مصطلحات وألفاظ وردت في النص:
الأسر والفروع الواردة في النص:
أ. الأهواز والعراق وبر فارس:
ب. نجد:
الفوائد التاريخية المستفادة من النص:
خاتمة:
تمثل هذه الرحلة وثيقة تاريخية مبكرة كُتبت سنة 1236هـ، وتستمد أهميتها من كونها سجلت مشاهدات مباشرة ومعلومات جمعها الشيخ عثمان بن منصور من أصحابها أثناء إقامته بينهم. ومهما يكن من أمر بعض الروايات النسبية الواردة فيها، فإنها تظل مصدرًا مهمًا لدراسة تاريخ الجماعات العربية في العراق والأهواز وصلاتها بنجد خلال القرن الثالث عشر الهجري، فضلًا عما تتضمنه من مادة نافعة في الجغرافيا التاريخية والبلدانية.
قراءة في النص:
تكتسب هذه الرحلة أهمية خاصة لكونها من النصوص المبكرة التي دُوّنت سنة 1236هـ، كما أنها كُتبت بقلم شاهد عيان أقام بين القوم مدة تقارب عشرين يومًا، وسألهم عن أحوالهم وأنسابهم وقوتهم ومواطنهم، وذكر بعض رؤسائهم وأعيانهم الذين تلقى عنهم المعلومات. كما أن النص لم يصل إلينا بطريق الرواية الشفوية المجردة، بل حفظه المؤرخ الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى بنقله من أصل ما كتبه الشيخ عثمان بن منصور.
ويلاحظ أن الشيخ عثمان بن منصور كان حريصًا على تحديد مصدر معلوماته؛ إذ نص على أنه سأل النواصر المذكورين، ثم سأل كبارهم عن نسبهم، كما ذكر بعض رؤسائهم وأعيانهم، مثل الشيخ سلمان شيخ الباوية، وابن مسلم بن عيادة الذي وصفه بأنه كبير آل عيادة يومئذ.
ولا شك أن ما ورد في هذه الرحلة من أخبار الأنساب والفروع والعلاقات بين الجماعات المختلفة يحتاج إلى مزيد من الدراسة والاستقصاء والمقارنة بالمصادر التاريخية والوثائق والروايات الأخرى. كما أن وجود بعض المعلومات التي قد يختلف الباحثون في تفسيرها أو الحكم عليها لا يقتضي رد النص كله أو إسقاط قيمته التاريخية؛ فالنصوص التاريخية كثيرًا ما تشتمل على معلومات متفاوتة القوة والثبوت، ويكون دور الباحث التمييز بينها ودراستها في ضوء القرائن والشواهد المتاحة.
وقد انتقد بعض الباحثين والنسابين المتأخرين ما ورد في الرحلة من أخبار النواصر في الأهواز والعراق، لعدم موافقتها لما استقر عندهم من أنساب بعض الجماعات المعاصرة. غير أن الإنصاف يقتضي التفريق بين ما أورده الشيخ عن النواصر في الأهواز والعراق وبين ما ذكره عن فروع نجد؛ فالشيخ في شأن النواصر المقيمين في الأهواز والعراق كان ناقلًا لما سمعه منهم، وقد صرح بذلك بقوله: “وسألت كبار النواصر المذكورين عن نسبهم فقالوا…”. ومن ثم فإن قيمة النص لا تنحصر في الحكم على صحة كل ما ورد فيه أو بطلانه، وإنما تكمن أيضًا في حفظ رواية تاريخية مبكرة وتوثيق ما كانت تقوله تلك الجماعات عن نفسها سنة 1236هـ.
أما التحقق من تلك الروايات ومناقشتها من الناحية التاريخية أو النسبية فمسألة تبقى مجالًا للبحث والدراسة، وقد تسهم الدراسات الحديثة، بما فيها الدراسات الجينية عند توافر عينات موثقة ومعروفة الأنساب، إلى جانب المصادر التاريخية والوثائقية، في إلقاء مزيد من الضوء على بعض القضايا التي أثارها هذا النص.
ولا يقصد من نشر هذا النص تبني جميع ما ورد فيه من روايات نسبية أو التسليم بصحتها، وإنما نشره بوصفه وثيقة تاريخية مبكرة تستحق الدراسة والمقارنة والتحقيق، لما تتضمنه من معلومات جغرافية واجتماعية وأنسابية دوّنها شاهد عيان سنة 1236هـ.