تمهيد:
تعد حريملاء من أقدم المواضع المعروفة في إقليم الشعيب، وقد ارتبط اسمها بتاريخ المنطقة منذ عصور مبكرة، إلا أن تاريخها قبل استقرار آل أبي رباع سنة 1045هـ ما زال من الموضوعات التي تحتاج إلى جمع النصوص المتفرقة وربطها ببعضها. وتدل المصادر الجغرافية والتاريخية على أن موضع حريملاء لم يكن أرضاً خالية عند نزول آل أبي رباع، بل سبقته مراحل من الاستيطان والعمران تعود إلى أزمنة مختلفة.
حريملاء في المصادر القديمة:
يرى عدد من الباحثين أن اسم حريملاء قد يكون امتداداً لاسم “حرملاء” الوارد في الشعر العربي القديم، فقد ذكر البكري موضعاً يسمى حرملاء، واستشهد بقول أوس بن حجر:
تجلل غدر حرملاء وأقلعت
سحائبه لما رأى أهل ملهما
كما ذهب العلامة حمد الجاسر إلى أن حريملاء الحالية تمثل تصغيراً للاسم القديم “حرملاء”، مما يدل على قدم التسمية واستمرارها عبر القرون.
حريملاء والسحيمية:
طرح الباحث عبدالله الضراب رأياً مفاده أن حريملاء قد تكون هي الموضع المعروف في المصادر الجغرافية القديمة باسم “السحيمية” أو “بئر بني سحيم”، وهي محطة معروفة على طريق اليمامة القديم. واستند في ذلك إلى أوصاف الهمداني وياقوت الحموي وغيرهما، وإلى مطابقة عدد من المعالم الجغرافية المذكورة في تلك المصادر لموقع حريملاء وواديها المعروف قديماً بوادي قران.
ورغم أن هذا الرأي لا يزال محل نقاش بين الباحثين، إلا أنه يلفت النظر إلى احتمال وجود استيطان في موضع حريملاء يعود إلى القرون الإسلامية الأولى، وربما إلى ما قبل ذلك.
آل أبي ريشة في حريملاء:
اختلف الباحثون في تحديد هوية آل أبي ريشة المذكورين في النصوص النجدية.
فذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أنهم آل عيسى من آل فضل الطائيين، وهم الأسرة التي عرفت في بادية الشام بلقب “آل أبي ريشة”، وكان لها نفوذ واسع في القرنين السابع والثامن الهجريين.
كما تحتفظ الذاكرة المحلية في حريملاء بروايات تنسب بعض الآبار والأسوار القديمة إلى آل أبي ريشة، ومن أشهرها “سور أبي ريشة” و”آبار أبي ريشة”.
إلا أن المصادر النجدية القديمة لم تذكر زمن قدومهم إلى حريملاء، ولا المدة التي أقاموا فيها، ولا سبب استيطانهم للموضع، وإنما اكتفت بالإشارة إلى أنهم استوطنوه ثم ضعف أمرهم ورحلوا عنه.
انتقال الحوطة إلى ابن معمر:
يفهم من نص ابن لعبون أن حوطة آل أبي ريشة آلت بعد رحيلهم إلى ابن معمر رئيس العيينة، وذلك في الفترة التي أعقبت دمار بلدة ملهم وانتقال كثير من أهلها إلى العيينة.
وبذلك أصبحت حوطة حريملاء ضمن نفوذ ابن معمر قبل انتقال آل أبي رباع إليها.
شراء حوطة حريملاء واستقرار آل أبي رباع:
أقدم نص تاريخي واضح يتعلق بحريملاء قبل سنة 1045هـ هو ما أورده المؤرخ حمد بن لعبون، ثم نقله بعده إبراهيم بن عيسى، إذ ذكر أن علي بن سليمان بن حمد آل أبي رباع مر بأرض حريملاء أثناء انتقاله من التويم، وكانت فيها: “حوطة لآل أبي ريشة الموالي قد استوطنوها قبل ذلك ثم ضعف أمرهم وذهبوا”. ويعد هذا النص من أهم النصوص المتعلقة بتاريخ حريملاء المبكر؛ لأنه يثبت وجود استيطان سابق في الموضع قبل انتقال آل أبي رباع إليه.
وفي سنة 1045هـ قدم علي بن سليمان بن حمد آل أبي رباع من التويم، ففاوض ابن معمر رئيس العيينة في حوطة حريملاء، واشترى الموضع منه بست مئة أحمر. وقد أورد هذه الحادثة كل من ابن لعبون وابن عيسى، بينما عبّر عنها ابن بسام بقوله: “وفي سنة 1045هـ نزل آل أبي رباع بلد حريملاء وعمروها وغرسوها”.
وتدل قيمة الثمن المدفوع، البالغة ستمائة أحمر، على أن حوطة حريملاء كانت ذات شأن وقيمة، وليست موضعاً مهجوراً لا أهمية له. وتمثل هذه الحادثة بداية مرحلة جديدة من تاريخ حريملاء، إذ ارتبط بها استقرار آل أبي رباع وبدء عمران البلدة وغرسها، لتستمر بعد ذلك حاضرةً رئيسةً في إقليم الشعيب حتى يومنا هذا.

خاتمة:
تشير النصوص المتوافرة إلى أن حريملاء لم تكن أرضاً خالية قبل سنة 1045هـ، بل كانت موضعاً معروفاً منذ زمن أقدم، وربما ارتبط ببعض المواضع الواردة في كتب البلدان القديمة. كما تدل الروايات التاريخية على وجود استيطان سابق فيها لآل أبي ريشة، قبل أن تؤول الحوطة إلى ابن معمر، ثم تنتقل إلى آل أبي رباع سنة 1045هـ، لتبدأ منذ ذلك التاريخ مرحلة العمران والاستقرار التي استمرت حتى يومنا هذا.