مقدمة:
تعد الوثائق الخاصة والمراسلات الشخصية من المصادر المهمة في دراسة تاريخ الأسر والبلدان النجدية، إذ تكشف في كثير من الأحيان عن جوانب اجتماعية واقتصادية لا تتناولها كتب التاريخ العام. ومن هذا القبيل هاتان الوثيقتان اللتان عثرت عليهما ضمن وثائق أسرة العمران، ويجمع بينهما ورود اسم أسرة البكر؛ إحداهما وثيقة إقرار وشهادة يظهر فيها تركي بن بكر شاهدًا، والأخرى رسالة من ابنه عمر بن تركي البكر إلى عبدالله بن محمد بن حسين من عودة سدير.
وعلى الرغم من اختلاف موضوع الوثيقتين؛ فالأولى تتعلق بإقرار يخص عيال الصانع، والثانية رسالة ذات طابع شخصي، إلا أن اجتماعهما في ذكر أسرة البكر يضفي عليهما أهمية خاصة، ولا سيما أنهما تسهمان في إلقاء الضوء على وجود الأسرة في عودة سدير، واستمرار صلاتها بالبلدة حتى بعد انتقالها منها.
أولًا: نص الوثيقتين:
الوثيقة الأولى:
بسم الله الرحمن الرحيم
مضمون ذلك بانه اقروا عيال الصانع فوزان وبراهيم وسعود والغائب منهم بانه بلغهم جميعا على الصغير وشهد على ذلك عثمان بن جلاجل وتركي بن بكر.
الوثيقة الثانية:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عمر ابن تركي البكر الا جناب الاجل الامجد المكرم المحترم عبدالله ابن محمد ابن حسين حفظه الله وتولاه واسعده ولا اشقاه آمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على دوام مع اسؤل عن حالك واحوالنا من فضل الله جميلة بعد ذالك لا عدمنا جنابك ساعة ما تقبضون البروت تكرون عليها في ما يكون وان حصل معها زياده مشترا كان هي قاصره عن الحمل لا تذخر والفرق فل عجله الله لا يعدمنا وجود هذا ما لازم مهما يبدي من لازم اخوك ممنون تسلم لنا لوالدة وجميع عيالكم ولاحمولة ومن لدينا العيالنا والبكر يخصونكم سلام والباري يحرسكم وسلام 17 شوال 1362.
ثانيًا: وصف الوثيقتين
الوثيقة الأولى عبارة عن إقرار وشهادة مختصرة كتبت بأسلوب الوثائق النجدية الموجزة، وتضمنت إقرار يخص عيال الصانع، وأثبت ذلك شاهدان هما عثمان بن جلاجل وتركي بن بكر.
أما الوثيقة الثانية فهي رسالة شخصية كتبها عمر بن تركي البكر إلى عبدالله بن محمد بن حسين، واشتملت على التحية والسؤال عن الأحوال، ثم تناولت موضوعًا يتعلق بقبض “البروت” وما يتصل به من شراء وزيادة وحمل، ثم اختتمت بالدعاء وإبلاغ السلام، وقد ذيلت بتاريخ السابع عشر من شهر شوال سنة 1362هـ.
وتتميز الرسالة بأنها تمثل نموذجًا للمكاتبات النجدية المتأخرة التي تجمع بين الأسلوب الودي والعلاقات الاجتماعية، كما أن لغتها وألفاظها تحمل عددًا من المصطلحات المحلية التي تعكس البيئة التي نشأت فيها.
ثالثًا: المصطلحات الواردة في الوثيقتين
أ. الوثيقة الأولى:
ب. الوثيقة الثانية:
رابعًا: مكان كتابة الوثيقتين
أ. مكان كتابة الوثيقة الأولى:
لم يرد في الوثيقة الأولى نص صريح يحدد موضع كتابتها، غير أن جملة من القرائن ترجح أنها كُتبت في عودة سدير. فمن أبرز هذه القرائن ورود اسم تركي بن بكر شاهدًا فيها، وآل بكر كانوا يقيمون في عودة سدير قبل خروجهم منها. كما أن الأشخاص الواردين في الوثيقة ينتمون إلى أسر من البلدة، لذا فغالبًا يكون تحريرها في موضع إقامة أصحاب الشأن والشهود. ولذلك يغلب على الظن أن الوثيقة كتبت في عودة سدير.
ب. مكان كتابة الوثيقة الثانية:
لم يصرح كاتب الرسالة بمكان كتابتها، إلا أن أسلوبها، وخصوصًا افتتاحيتها من عبارات التبجيل – وهي غير معتادة في وثائق سدير – إلا أن الروايات المتوارثة تشير إلى انتقال آل بكر إلى الرياض وفرع منهم إلى حائل.
خامسًا: تاريخ الوثيقتين
أ. تاريخ الوثيقة الأولى:
لم يرد في الوثيقة الأولى تاريخ صريح، إلا أن ورود اسم تركي بن بكر شاهدًا فيها يتيح تأريخها تأريخًا نسبيًا؛ إذ تدل الروايات المتوارثة على أن آل بكر كانوا يقيمون في عودة سدير قبل خروجهم منها، وهو حدث معروف الزمن. وعليه، فإن الوثيقة كُتبت – على الأرجح – في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، قبل خروج الأسرة من عودة سدير.
إلا أنه يلاحظ أن الفارق الزمني بين الوثيقتين يبدو كبيرًا نوعًا ما، ولا سيما أن الوثيقة الأولى تتعلق بتركي بن بكر، في حين أن الثانية مؤرخة وتتعلق بابنه عمر بن تركي البكر. ومع ذلك، فإن هذا الفارق ليس مستحيلًا. وعليه، يبقى تأريخ الوثيقة الأولى في دائرة الترجيح.
ب. تاريخ الوثيقة الثانية:
امتازت الرسالة الثانية بأنها مؤرخة في ختامها بتاريخ 17 شوال سنة 1362هـ، الموافق تقريبًا 16 أكتوبر 1943م.
سادسًا: أهمية الوثيقتين والعلاقة بينهما
تكتسب الوثيقتان أهميتهما من كونهما تمثلان نوعين مختلفين من المصادر الخاصة؛ فالأولى وثيقة إثبات حق، والثانية رسالة شخصية، ويؤدي الجمع بينهما إلى إلقاء الضوء على جانب من تاريخ أسرة البكر وصلاتها الاجتماعية واستمرار تواصلها مع عودة سدير.
إلا أنه لا توجد صلة موضوعية مباشرة بين الوثيقتين؛ فالأولى وثيقة إقرار وشهادة خاصة بأسرة الصانع، والثانية رسالة شخصية ذات طابع اجتماعي وشخصي. غير أن الرابط بينهما يتمثل في ورود اسم أسرة البكر في كلتيهما.
فالوثيقة الأولى تثبت وجود تركي بن بكر في عودة سدير زمن كتابتها، إذ ورد اسمه شاهدًا على الإقرار، ومعلوم أن اختيار الشهود في الوثائق النجدية كان يقع غالبًا على رجال معروفين بين أهل البلد ومقبولي الشهادة.
أما الوثيقة الثانية فتثبت استمرار صلة أسرة البكر بعودة سدير بعد انتقالها؛ إذ كتب عمر بن تركي البكر رسالته إلى عبدالله بن محمد بن حسين من عودة سدير، وهو من أسرة أخواله، كما تعكس الرسالة استمرار التواصل الاجتماعي بين الأسرة المهاجرة وأهل بلدتهم الأولى.
سابعًا: الأعلام الواردون في الوثيقتين
ثامنًا: تحليل الوثيقتين
تحليل الوثيقة الأولى:
تتمثل أهمية الوثيقة الأولى في أنها تقدم نموذجًا مختصرًا من وثائق الإقرار والإشهاد في المجتمع النجدي، وتبرز العناية بإثبات الحقوق المتعلقة بالقاصرين، وكذلك الغائبين، ثم جرى إثبات ذلك بشهادة شاهدين، كما أن ورود اسم تركي بن بكر في هذه الوثيقة يمنحها قيمة إضافية؛ لأنها تعد شاهدًا وثائقيًا على زمن وجود أسرة البكر في عودة سدير آنذاك قبل انتقالها منها.
تحليل الوثيقة الثانية:
تكشف هذه الرسالة عن عدد من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية المهمة؛ إذ تعكس استمرار التواصل والمراسلات بين أفراد الأسر النجدية رغم انتقال بعضهم إلى بلدان أخرى، كما تُظهر وجود تعاملات مالية وتجارية تتعلق بقبض (البروة) وما يرتبط بها من زيادة في المشتريات وأجور الحمل والنقل، وهو ما يلقي الضوء على طبيعة الحركة التجارية آنذاك.
ومن الجانب الاجتماعي، تبرز الرسالة ما كان يسود المراسلات النجدية من قيم أصيلة، مثل افتتاح الرسائل بالسلام والدعاء، والسؤال عن الأحوال، وإبلاغ السلام للأهل والعيال، بما يعكس قوة الروابط الأسرية وحرص المتراسلين على صلة الرحم رغم بُعد المسافات.
وقد قادتنا هاتان الوثيقتان إلى التعرف على أسرة البكر، التي ورد اسمها فيهما، ولذلك يحسن قبل ختام المقال التعريف بالأسرة ونسبها وأبرز رجالاتها.
تاسعًا: أسرة البكر
أ. أسرة البكر ونسبها:
آل بكر من آل أبو سعيد، من المزاريع، من بني العنبر، من بني عمرو، من بني تميم. وكان انتقالهم من عودة سدير بعد حادثة مشهورة، إذ انتقلوا أولًا إلى العيينة في عهد ابن معمر، وأقاموا فيها مدة من الزمن، ثم انتقلوا إلى الرياض، ومنها خرج فرع من الأسرة إلى حائل.
ب. الأسرة في عودة سدير:
وتدل الوثائق على أن للأسرة استقرارًا قديمًا في عودة سدير، حيث كانت تمتلك عددًا من الأملاك الزراعية، من أشهرها البكرية والعلواني، وهو ما يعكس ارتباطها بالنشاط الزراعي وامتلاك النخيل والمزارع.
ج. مختصر النسب:
وللتعريف بتسلسل نسب الأسرة حتى الوصول إلى آل بكر الذين استقروا في عودة سدير، يمكن تلخيصه فيما يأتي:
ترجع تسمية الأسرة إلى جدها بكر، وهو: بكر بن علي بن عمر بن حمد بن عمر بن حمد بن غشام بن مسلط بن رميزان بن سعيد بن مزروع بن رفيع بن حميد بن حماد، من بني العنبر بن عمرو بن تميم.
ولتبسيط تسلسل النسب حتى الوصول إلى آل بكر في عودة سدير، وهم محور المقال، فإن جد بكر وهو عمر بن حمد – وكانت زوجته مريم السياري – أعقب ابنين هما: حمد وعلي.
أما حمد فأعقب عبدالله، وهو جد أسرة آل حمد.
وأما علي فأعقب محمد، وحمد، وهديب، وراشد، وبكر. ولم يكن لحمد وهديب وراشد عقب، أما بكر فهو الجد الذي تنتسب إليه أسرة آل بكر في عودة سدير.
وأعقب بكر أربعة أبناء، هم:
د. من رجال أسرة البكر:
وكان لعدد من رجال أسرة البكر إسهامات في تاريخ الدولة السعودية، ومن أبرزهم:
كما برز من الأسرة الأستاذ عبدالله بن تركي بن عمر البكر، المولود في حائل سنة 1356هـ/1937م، ويُعد من رواد التعليم في منطقة حائل، إذ عمل مدرسًا، ثم مديرًا للمدرسة المتوسطة والثانوية، ثم مفتشًا وموجهًا تربويًا، قبل أن ينهي مسيرته خبيرًا للتعليم في إدارة تعليم حائل. وقد عُرف بمكانته العلمية والأدبية، وكان لسان أهالي حائل في استقبال الملوك والأمراء وكبار الزوار، لما امتاز به من قوة البيان وفصاحة اللسان وحسن الارتجال. ومن أبرز أعماله العلمية مشروع موسوعي في إعراب القرآن الكريم وبيان إعجازه البلاغي، تجاوز خمسة آلاف صفحة، وأمضى سنوات طويلة في تأليفه ومراجعته، كما ألّف كتاب «إطلالة على المجتمع»، إلى جانب عدد من المقالات والبحوث الأدبية والاجتماعية.
هـ. من مآثر الأسرة:
ومن المواقف التي حفظتها المصادر عن رجال أسرة البكر ما كان من موقف تركي بن بكر بن عمر البكر أثناء انتشار وباء الحمى الذي اجتاح حائل سنتي 1355–1356هـ، حتى إن حفاري القبور كانوا لا يغادرون المقابر لكثرة الموتى. وفي تلك الظروف العصيبة عُرف بشجاعته وإقدامه في خدمة المرضى، إذ كان يحمل قرب الماء على حماره، وبرفقته خادمه سويلم، ويتنقل بين البيوت المصابة في لبدة بحائل لسقي المرضى ومن حولهم. وكانت الأسر آنذاك، من رجال ونساء وأطفال، طريحة الفراش لا تقوى على الخروج لجلب الماء، في وقت كان كثير من الناس يتجنبون دخول تلك البيوت خشية العدوى. وظل يؤدي هذا العمل حتى انحسر الوباء، فكان مثالًا في الإيثار والتضحية وخدمة المجتمع في أوقات الشدائد.
خاتمة:
تكشف هاتان الوثيقتان جوانب مهمة من تاريخ أسرة البكر وعلاقتها بعودة سدير؛ فالوثيقة الأولى تثبت وجود تركي بن بكر في البلدة قبل خروج الأسرة منها، في حين تؤكد الرسالة الثانية استمرار صلة الأسرة بأهل عودة سدير بعد انتقالها منها، مما يمنح الوثيقتين قيمة تاريخية تتجاوز مضمونهما المباشر لتصبحا شاهدين على جانب من الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع النجدي.
كما أسهمت الوثيقتان في حفظ جانب من تاريخ أسرة البكر، وأتاحتا التعرف على بعض رجالها، وإبراز صلاتهم الاجتماعية بعودة سدير، وما كان لهم من حضور في الحياة الوطنية والعلمية، الأمر الذي يؤكد أهمية الوثائق الخاصة والمراسلات الشخصية في استكمال صورة التاريخ المحلي، وإحياء جوانب قد لا تتناولها المصادر التاريخية العامة.