alomran alomran alomran
أخر الإضافات:
آفة الأخبار رواتها وادي سدير بين التاريخ والآثار وقفة أمام مسمى «سدير الإقليم» و «سدير التويم» التويم: مكانتها التاريخية في إقليم سدير وثيقة لأسرة آل نفيد (آل مفيد) في سدير خلال القرن الثالث عشر الهجري ناصر بن مرضي البدراني في وقعة الخرج سنة 998هـ الحركة العلمية في المحمل ودور البدارين الدواسر في بنائها وتطورها الشيخ محمد بن عبدالمحسن الخيال (1318هـ - 1413هـ) قراءة في كتاب "الشماسية والإنسان: الاستيطان لا التأسيس" كتاب بعنوان: (الحوكمة في القطاع غير الربحي) لأبن العم الشيخ عبدالرحمن بن إبراهيم العمران (رحمه الله) قصر العيسى وقليب المليحة أنواع الإبل تحليل الحمض النووي والأنساب: قراءة في حدود الاستدلال الجيني والامتدادات القبلية إجازة بيع (فيد مهنا) بالقصب: دراسة تحليلية لوثيقة لأسرة الحماد في القرن الثالث عشر الهجري وثيقة بيع الصبيحية على عثمان بن عمران بن محمد بن عامر (المطوع) وثيقتين تخص عمر بن عبدالله بن عمران بن محمد بن عامر وورثته كتاب بعنوان: (المُيَسَّر في فقه وإدارة الوقف) لأبن العم الشيخ عبدالرحمن بن إبراهيم العمران (رحمه الل... ملامح التحضر في نجد قبل 1139هـ (سدير نموذجًا) شعيب الجوفاء ومشروع الدواجن النصرانية في نجد قبل الإسلام بين الشواهد التاريخية والآثار الجغرافية لويس بيلي وتقرير رحلته إلى الرياض: وقفة مع ترجمات التقرير مشاركة أهل سدير في حرب الدرعية ما لم يذكره التاريخ عن حرب الدرعية بعض أشكال وسوم الإبل وأسماؤها وصفاتها وسوم الأبل لبعض أهالي عودة سدير قصر المصمك: معلم تاريخي يجسد حقبة محورية في تاريخ المملكة الدرعية: أرض عاصمة التأسيس الهجر: مشروع الملك عبدالعزيز لتوطين البادية قضاة أئمة الدولة السعودية الأولى أمراء البلدات في عهد الدولة السعودية الأولى تاريخ العملة السعودية الشيخ عيسى بن عبدالعزيز بن خريف قصر العوجا: رمز التراث والهوية التاريخية السعودية مراحل تطور علم المملكة العربية السعودية الدولة السعودية في مراحلها الثلاث
آفة الأخبار رواتها
آفة الأخبار رواتها

تمهيد:

من المشكلات التي يواجهها القاريء في التاريخ وجود من يسعى إلى ملء فراغات الرواية التاريخية بتصورات شخصية لا تستند إلى مصادر أو شواهد معتبرة. فبعض الكتّاب يمتلكون خيالًا واسعًا، فيتخيلون أحوال شخصيات عاشت قبل مئات السنين، ثم يروون تفاصيل حياتها وكأنهم عاصروها؛ فيحدثونك عن نشأتهم، وشبابهم، وطموحاتهم، وأفكارهم، وعلاقاتهم، وأحداث حياتهم اليومية، بينما لا يجد الباحث عند الرجوع إلى المصادر التاريخية إلا إشارات مقتضبة لا تتجاوز بضعة أسطر.

وقد لا يزيد ما نعرفه عن بعض الشخصيات التاريخية على اسمها أو نسبها أو حادثة وقعت لها، ومع ذلك نجد من ينسج حولها قصصًا طويلة ويملأ بها الصفحات والمجلدات. وحين يحاول القارئ التحقق من مصدر تلك المعلومات لا يجد لها أصلًا في المصادر المعروفة، بل يكتشف أن معظمها نتج عن تخمينات وتحليلات تحولت مع الزمن إلى روايات يتداولها الناس على أنها حقائق تاريخية.

مثال:

من الشخصيات التي كثر الحديث حولها مسيلمة الذي ظهر في اليمامة في صدر الإسلام. ومع أن الأخبار المتفق عليها عنه محدودة نسبيًا، فإن الروايات والكتابات أضافت إلى سيرته تفاصيل كثيرة يصعب التحقق من صحتها.

بل إن الخلاف يبدأ من اسمه نفسه؛ فقد قيل: أبو ثمامة، وقيل: أبو ثمالة، وقيل: مسلمة بن ثمامة بن كبير، وقيل: كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث الحنفي، المعروف برحمان اليمامة، وقيل غير ذلك من الأقوال. وهذا التباين في أبسط المعلومات المتعلقة بالشخصية يكشف حجم الصعوبة التي تواجه الباحث عند محاولة إعادة بناء سيرتها التاريخية.

وقبل فترة اطلعت على مقال كتبه أحد المهتمين بالنقود القديمة، حمل البيانات التالية:

عنوان المقال: نوادر شرقية من مجموعتي النقدية (Curiosités Orientales de mon Cabinet Numismatique).

المؤلف: الكونت ثيودور رود (Comte Théodore Rhode).

المجلة: المجلة البلجيكية لعلم النقود (Revue Belge de Numismatique).

تاريخ النشر: السنة السابعة والأربعون، 1891م.

الصفحات: من الصفحة 309 إلى الصفحة 319 من ترقيم المجلة.

وتناول المقال عددًا من القطع النقدية التي رأى المؤلف أنها تعود إلى صدر الإسلام، وبنى عليها سلسلة من الاستنتاجات التاريخية الجريئة.

وقد توزعت مادته على النحو الآتي:

– الصفحة 309: بداية عرض العملة المنسوبة إلى مسيلمة.

– الصفحة 310: وصف قطعة قال إنها لمحمد ﷺ .

– الصفحتان 311–312: قراءة نقش رأى المؤلف أنه يخص مسيلمة، وفيه عبارة ترجمها إلى ما معناه: “بأمر أبي ثمامة مسيلمة، رسول الله، أمير المؤمنين”.

– الصفحات 314–318: مناقشة المؤلف لمسألة مسيلمة وعلاقته بالنبي ﷺ وبناء استنتاجاته التاريخية.

– الصفحة 319: خلاصة رأيه حول العملة المنسوبة إلى مسيلمة.

ملخص ما يقوله المقال:

عرض المؤلف قطعة ذهبية رأى أنها ذات أصل موثوق، وذهب إلى أن إحدى هذه القطع تحمل نقشًا يشير إلى مسيلمة. وانطلاقًا من هذه القراءة افترض أن مسيلمة كان يمارس سلطة سياسية وسيادية مشابهة لما كان يمارسه النبي ﷺ، وأنه اتخذ لقب “رسول الله”، وأن سك النقود كان دليلًا على ممارسته لسلطة الحكم.

ثم تجاوز ذلك إلى استنتاج أوسع، فذهب إلى أن الصراع بين النبي ﷺ ومسيلمة لم يكن صراعًا دينيًا فحسب، بل كان أيضًا صراعًا سياسيًا على السلطة والسيادة.

بل صرح المؤلف بما معناه: “إن هذه العملات الذهبية تجعلنا ندرك أن الصراع بين محمد ومسيلمة لم يكن قائمًا على مسائل عقدية دقيقة، بل كان في جوهره صراعًا على السلطة.”

من قطعة نقدية واحدة إلى رواية تاريخية كاملة:

ومن الملاحظ أن المؤلف لم يكتف بقراءة نقشٍ اقترحه على قطعة نقدية واحدة، بل بنى على تلك القراءة سلسلة من الاستنتاجات التاريخية والسياسية المتتابعة. فانتقل من تفسير نقش مختلف في قراءته إلى الحديث عن سلطة مسيلمة، ثم إلى طبيعة علاقته بالنبي ﷺ، ثم إلى تفسير الصراع بينهما بوصفه صراعًا على السلطة. وهنا يبرز السؤال المنهجي: هل تكفي قطعة نقدية واحدة، محل اجتهاد في قراءتها أصلًا، لبناء هذا القدر من النتائج التاريخية؟

أسألكم بالله، كيف انتقل الأمر من قطعة نقدية غامضة وجدها الكاتب في مجموعته الخاصة إلى رواية تاريخية كاملة بُنيت عليها استنتاجات تتعلق بأحداث من صدر الإسلام؟ أترك للقارئ الحكم بعد الاطلاع على صورة القطعة النقدية:

آفة الأخبار رواتها

لكن ما الحقيقة؟

الحقيقة أن ما طرحه المؤلف لا يعدو كونه فرضية تاريخية بناها على قراءته الخاصة لنقوش تلك العملة. والمقال نفسه يقدم هذه الأفكار بوصفها اكتشافًا جديدًا يحاول صاحبه إثباته، لا بوصفها حقائق تاريخية مستقرة أو محل اتفاق بين الباحثين.

بل إن المقال يتضمن استنتاجات أخرى لا تقل جرأة، مثل القول بأن النبي ﷺ ومسيلمة سكّا نقودًا ذهبية، وأن بينهما تفاهمات سياسية معينة، وأن جوهر الصراع كان سياسيًا أكثر من كونه دينيًا. وجميع هذه النتائج اعتمدت على تفسير المؤلف لتلك العملات، لا على نصوص تاريخية صريحة أو شواهد متفق عليها بين المؤرخين.

ولو سلمنا جدلًا بصحة قراءة النقش، فإن صحة قراءة نقش أثري لا تستلزم صحة جميع النتائج التاريخية المترتبة عليه؛ إذ قد يختلف الباحثون في تفسير دلالة الأثر، وفي مدى ارتباطه بالسياق التاريخي العام، وفي حجم الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها منه.

الفرق بين “نشر فرضية” و”إثبات حقيقة تاريخية”:

من المهم التمييز بين الفرضية التاريخية والحقيقة التاريخية. فالفرضية هي تفسير أو احتمال يطرحه الباحث اعتمادًا على قراءة معينة للأدلة المتاحة، وتبقى بطبيعتها قابلة للنقاش والمراجعة والتعديل. أما الحقيقة التاريخية فهي ما تؤيده مجموعة من الشواهد المتوافقة والمصادر المعتبرة بما يسمح بالاطمئنان إلى ثبوتها.

والمشكلة تبدأ عندما تنتقل الفرضية من إطار البحث العلمي إلى التداول العام دون بيان طبيعتها الحقيقية. فالقارئ قد يطالع رأيًا طرحه باحث على سبيل الاحتمال، ثم يجده بعد سنوات يتداول على أنه حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش. وهكذا يتحول الاجتهاد الشخصي إلى معلومة شائعة، مع أن الأساس الذي بني عليه لم يتغير.

كيف تتحول الترهات إلى معلومات يتم تناقلها؟

كثير من الأخبار الضعيفة لا تنتشر لقوة أدلتها، وإنما لما تحمله من عناصر الإثارة والغرابة. فالناس تميل بطبيعتها إلى القصص غير المألوفة، ولذلك تجد الرواية المثيرة طريقها إلى الانتشار أسرع من الرواية الموثقة الهادئة.

وتبدأ القصة غالبًا بافتراض أو استنتاج شخصي، ثم ينقله آخر دون ذكر تحفظات صاحبه، ثم يأتي ثالث فيختصره، ورابع يحذف منه ألفاظ الشك والاحتمال، حتى تصبح الفرضية بعد عدة حلقات من النقل خبرًا مسلّمًا به. وبعد سنوات قد يجد الباحث نفسه أمام “معلومة” شائعة لا أصل لها إلا اجتهادًا فرديًا قيل في مناسبة معينة ثم فقد سياقه الأصلي.

ويزيد الأمر تعقيدًا عندما تُقتطع النصوص من سياقها أو تُنقل عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي دون العودة إلى مصادرها الأصلية. فكم من رأي شاذ أو فرضية مهجورة أعيد إحياؤها وتداولها على أنها من المسلمات التاريخية، مع أن المختصين لا يعولون عليها أو يعدونها من الآراء المرجوحة.

كيف نتعامل مع مثل هذه الفرضيات؟

الواجب على الباحث والقارئ على حد سواء أن يتعامل مع الأخبار التاريخية بروح نقدية قائمة على التحقق والتثبت. فليس كل ما يرد في كتاب أو مجلة أو حساب إلكتروني يعد حقيقة تاريخية، كما أن شهرة الكاتب أو مكانة الناشر لا تغني عن فحص الأدلة التي استند إليها.

كما ينبغي العودة إلى المصادر الأصلية كلما أمكن ذلك، والنظر في طبيعة الأدلة التي بنيت عليها النتائج المطروحة، والتمييز بين ما ثبت بالنصوص والوثائق والشواهد المتعددة، وبين ما هو مجرد استنتاج أو قراءة شخصية. فالتاريخ علم يقوم على الأدلة والقرائن، لا على الخيال وسد الفراغات بما يستحسنه الكاتب.

الخلاصة:

خلاصة الأمر أن كثيرًا من الأخطاء التاريخية لم تبدأ باعتبارها أكاذيب متعمدة، وإنما بدأت بوصفها فرضيات أو تخمينات، ثم تكررت حتى اكتسبت مظهر الحقيقة. ومن هنا جاءت حكمة السلف في قولهم: “آفة الأخبار رواتها”. فليست المشكلة دائمًا في فقدان المعلومة، بل قد تكون في إضافة ما ليس منها إليها. وما أكثر الفرضيات التي وُلدت صغيرة في هامش كتاب أو مقال، ثم تكررت حتى ظن الناس أنها من حقائق التاريخ التي لا تقبل النقاش.