نص الوثيقة:
بسم الله الرحمن الرحيم
مضمون ذلك بأن عبدالرحمن بن محمد بن فيد (نفيد) اصلح لخالته تركية بنت عبدالرحمن بن نفيد نايبا لعبدالله بن منصور عما تدعيه في الحواسية بزرين وصلن اليها في صحه من عقلها شهد بذلك تركي بن رشد (رشيد) ومحمد الوهيبي وكتبه محمد بن صلطان.
وصف الوثيقة:
كُتبت الوثيقة بالمداد الأسود على ورقة متوسطة الحجم نسبيًا، بخط واضح، وجاءت عباراتها متتابعة دون فواصل بين الجمل، وهو أسلوب مألوف في الوثائق النجدية. وتظهر فيها صيغة الإصلاح والإثبات، مع توثيق الشهادة في خاتمتها.
تاريخ الوثيقة:
لم يرد في النص تاريخ صريح، إلا أن أسماء الأعلام الواردة فيها يرجّح أنها تعود إلى الربع الثاني من القرن الثالث عشر الهجري تقريبًا. ويؤيد هذا الترجيح ورود تركية بنت عبدالرحمن بن نفيد في الوثيقة، وهي والدة عمران بن محمد بن عمران بن محمد بن عامر، المتوفى سنة 1256هـ، كما أنني اطلعت على وثيقة كتبها سليمان بن عبدالله بن منصور سنة 1261هـ، مما يضع الوثيقة في الإطار الزمني نفسه تقريبًا.
مكان كتابة الوثيقة:
يرجّح أنها كُتبت في جلاجل، إحدى بلدات إقليم سدير، بالنظر إلى أسماء الأعلام والمواقع الواردة فيها.
مكان موضوع الوثيقة:
الحواسية: موضع زراعي يقع في الجزء الجنوبي الغربي من بلدة جلاجل.
موضوع الوثيقة:
تتضمن هذه الوثيقة توثيق صلحٍ في دعوى، حيث قام عبدالرحمن بن محمد بن نفيد بالإصلاح لخالته تركية بنت عبدالرحمن بن نفيد، بصفته نائبًا عن عبدالله بن منصور، وذلك فيما تدّعيه من حق في موضع يُعرف بالحواسية.
وتشير العبارة إلى أن المبلغ محل الدعوى أو الصلح قد وصل إليها وهي في حال صحة وسلامة عقل، وهو ما يفيد توثيق استلامها للحق وإثبات أهليتها الشرعية للتصرف فيه، وقد أُثبتت الواقعة بشهادة شاهدين، مع توثيق الكاتب لها.
الفوائد التاريخية:
– تكمن أهمية هذه الوثيقة في أنها لا تقتصر على إثبات صلحٍ في دعوى مالية، بل تحفظ عددًا من العلاقات الأسرية التي يصعب الوقوف عليها لولا النص نفسه. فقد نصت الوثيقة صراحة على أن عبدالرحمن بن محمد بن نفيد هو ابن أخت تركية بنت عبدالرحمن بن نفيد، وهو ما يثبت صلة القرابة بينهما ويعين على فهم عدد من الروابط الأسرية الواردة في وثائق أخرى.
– تبرز الوثيقة كذلك استمرار حضور النساء في المعاملات المالية والحقوقية، حيث ظهرت تركية بنت عبدالرحمن بن نفيد بصفتها صاحبة دعوى تطالب بحقها في موضع الحواسية، مع النص على أهليتها للتصرف بعبارة “في صحة من عقلها”، وهي من العبارات المتكررة في الوثائق النجدية عند إثبات استحقاق الحقوق والتصرفات المالية.
– تمثل الوثيقة شاهدًا مبكرًا على وجود آل نفيد في إقليم سدير خلال النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، وتوثق جانبًا من علاقاتهم الأسرية ومصاهراتهم مع عدد من أسر المنطقة.
فائدة اجتماعية:
تبرز هذه الوثيقة صلة القرابة بين تركية بنت عبدالرحمن بن نفيد (زوجة محمد بن عمران بن محمد بن عامر) وعبدالرحمن بن محمد بن نفيد، إذ يتبين أن عبدالرحمن هو ابن أختها، وتكتسب هذه المعلومة أهمية إضافية عند ربطها بما هو معروف لدينا نقلًا عن أجدادنا، وكذلك من خلال وثائق الأسرة، من المصاهرات بين العمران وآل نفيد، حيث تزوج عمران بن محمد بن عمران بن محمد بن عامر – وهو ابن تركية بنت عبدالرحمن بن نفيد – من مضاوي بنت عبدالرحمن بن محمد بن نفيد، ابنة عبدالرحمن المذكور، فعمران المذكور تزوج ابنه ابن خالته.
ويُستأنس بهذه الحالة في إثارة تساؤل حول أثر الروابط الأسرية في تشكيل المصاهرات داخل المجتمع النجدي، إذ يظهر من خلالها استمرار الصلة بين أسرة المرأة وأسرتها الأصلية عبر جيل لاحق، وربما كان لذلك أثر في تجدد المصاهرة بين الطرفين. غير أن تحديد العوامل الاجتماعية المؤثرة في ذلك على وجه الدقة يحتاج إلى دراسة أوسع تتجاوز حدود هذه الوثيقة وما يتصل بها من روايات ووثائق أسرية.
نبذة عن أسرة آل نفيد :
ينتسب آل نفيد إلى بني العنبر من بني عمرو من قبيلة بني تميم. وتذكر المصادر المحلية أن نفيد التميمي قدم إلى سدير من بلدة قفار بمنطقة حائل بصحبة مزروع التميمي جد المزاريع، واستقر هو وذريته في روضة سدير، وربما انتقلوا لاحقًا إلى بعض بلدات إقليم سدير، ومن ذلك عودة سدير.
وتؤكد هذه الوثيقة وجود الأسرة في سدير خلال النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، من خلال ورود عبدالرحمن بن محمد بن نفيد وخالته تركية بنت عبدالرحمن بن نفيد ضمن أطراف الوثيقة.
وقد اشتهرت الأسرة في بعض المصادر المتأخرة باسم “آل مفيد”، ومن ذلك ما أورده الشيخ حمد الجاسر في كتاب “الأسر المتحضرة في نجد”، إلا أن الوثائق القديمة لدى أسرتنا تورد الاسم لنفس الأسرة بصيغتين: “بن نفيد” و “بن مفيد”، ولا يتضح سبب هذا الاختلاف على وجه القطع، إلا أن ثبوت الصيغتين في المصادر والوثائق يجعل المسألة جديرة بالمزيد من الدراسة والمقارنة، ولربما الأصل ” بن نفيد” وللتخفيف تحولت إلى “بن مفيد”.
الأعلام الواردون في الوثيقة:
– عبدالرحمن بن محمد بن نفيد: القائم بالإصلاح في الدعوى، ونائب عن عبدالله بن منصور. وهو ابن أخت تركية بنت عبدالرحمن بن نفيد، ووالد مضاوي زوجة عمران بن محمد بن عمران بن محمد بن عامر.
– تركية بنت عبدالرحمن بن نفيد: صاحبة الدعوى، وخالة عبدالرحمن بن محمد بن نفيد، وزوجة محمد بن عمران بن محمد بن عامر.
– عبدالله بن منصور: أحد أطراف الدعوى، وقد ناب عنه عبدالرحمن بن محمد بن نفيد، وربما أنه من أسرة المنصور في جلاجل.
– تركي بن رشيد: أحد الشهود، ويبدو أنه من أسرة الرشيد في جلاجل.
– محمد الوهيبي: أحد الشهود.
– محمد بن سلطان: كاتب الوثيقة. ولم يتضح على وجه اليقين المقصود به، إلا أن اسم “آل أبي سلطان” من الأسماء المعروفة في الكتابة والقضاء بسدير منذ القرن الحادي عشر الهجري، ومنهم محمد بن عبدالله بن محمد أبي سلطان الذي ذكره البسام ضمن علماء نجد، مما قد يشير إلى استمرار نشاط هذه الأسرة في أعمال الكتابة والتوثيق في الإقليم.
المصطلحات الواردة في الوثيقة:
– أصلح: أي قام بالصلح بين الأطراف المتنازعة، وهو إجراء يُثبت به إنهاء النزاع.
– نائبًا: أي وكيلًا عن طرف آخر في الخصومة أو الدعوى.
– في صحة من عقلها: تعبير يُستخدم لإثبات أهلية التصرف، أي أنها كانت سليمة العقل عند استلام الحق أو الإقرار به.
– الزر: عملة عثمانية ذهبية، يبلغ وزنها نحو 2.35 جرام، وعيارها يقارب 21، ضُربت في مصر سنة 1143هـ. وقد ورد ذكرها في عدد من الوثائق النجدية خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، مما يدل على شيوع تداولها في الجزيرة العربية آنذاك. ويعود أصل تسميتها إلى الفارسية، حيث تعني كلمة “زر” الذهب. وتُقدَّر قيمتها بنحو تسعة عشر محموديًا، ومن فئاتها: الزر الكامل ونصف الزر. وقد أجاز الشيخ محمد بن عبدالوهاب دفعها مقابل “المشخّص” لتماثلهما في الجنس والقيمة. وتحمل في نقوشها العثمانية العبارة: “سلطان البرّين وخاقان البحرين السلطان ابن السلطان”.
