تمهيد:
تمثل الوصايا الشرعية من أغنى الوثائق التاريخية؛ لأنها لا تقتصر على بيان التصرفات المالية بعد الوفاة، بل تكشف جوانب من الحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية، وتبرز حرص أصحابها على أداء الحقوق، وتنفيذ القربات، وتنظيم شؤون من يخلفونهم. وتتميز هذه الوثيقة بأنها جمعت بين الوصية بالحج والأضحية، وتنظيم بعض الحقوق المتعلقة بالوالدين، وتعيين من يتولى تنفيذ الوصية، مع المحافظة على الصيغة الشرعية والوثائقية المتداولة في وصايا نجد.
وتزداد أهمية الوثيقة من اتصالها المباشر بأسرة راشد بن عبدالله بن ناصر بن دباس، المعروف بـ”أبي دباس”، صاحب القصيدة المشهورة؛ فالموصي عبدالله هو ابنه، ومن هنا تتجاوز قيمتها موضوع الوصية إلى تقديم شاهد وثائقي جديد يمكن الإفادة منه في دراسة زمن قصيدة “أبو دباس”، والظروف الأسرية والاجتماعية التي أحاطت بالشاعر، ومقارنة ما حفظته الوثيقة بما تناقله الأدباء والنقاد.
نص الوثيقة:
“بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد فهذا ما أوصى به الحر المكلف الرشيد جايز التصرف عبدالله بن راشد بن دباس بعد أن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه وأن الجنة حق والنار حق والموت حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور أوصى أهله وبنيه أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم إن كانوا مؤمنين أوصى له بحجة فيما خلَّف من ماله وأوصى بالنخلتين الذي اشترى من أمه له في ضحية وأمه فإذا فذ من الضحية شيء فهو لوالديه كذالك أنا يا عبدالله مسترفع والدي أمي وأبوي عن جميع ما خلَّفت برضا منهما فاسترفعوا رحمهم الله إلى انقضتا ي الحجة وثمن الضحية والحجة قادمة وتحجج انشاء الله أول سنة والوكيل على الجميع أبوي على الحجة والضحية والبنت فإن عدم ولا حول ولا قوة إلا بالله فليوكل من راى فيه اصلاح شهد على ذلك حمد بن مشاري بن دباس وأخيه عبدالله وشهد به كاتبه عبدالعزيز بن عيسى بن خريف 25 ربيع تالي سنة13؟؟ (1313) وصلى الله على محمد”
مكان كتابة الوثيقة:
لم يرد في الوثيقة نص صريح يحدد موضع كتابتها، إلا أن الأشخاص الواردين فيها، وفي مقدمتهم الموصي عبدالله بن راشد بن دباس، والشاهدان حمد بن مشاري بن دباس وأخوه عبدالله، وكاتب الوثيقة الشيخ عبدالعزيز بن عيسى بن خريف، جميعهم من أهل عودة سدير، ولم يثبت انتقالهم إلى موضع آخر وقت تحريرها؛ وهو ما يرجح أنها كتبت في عودة سدير.
تاريخ الوثيقة:
ثبت في خاتمة الوثيقة أنها حُررت في الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر، إلا أن سنة التحرير لم تظهر كاملة في الأصل؛ إذ ظهرت خانتا الآحاد والعشرات، في حين طُمست خانتا المئات والآلاف. وبالاستناد إلى دراسة الإطار الزمني للموصي والشاهدين وكاتب الوثيقة، يُرجح أن تاريخ تحريرها يعود إلى سنة 1313هـ، الموافق تقريبًا لسنة 1895م.
وبناءً على هذا الترجيح، تُعد الوثيقة من وثائق أوائل القرن الرابع عشر الهجري، وتكتسب أهمية إضافية لكون هذا التاريخ يمثل نقطة زمنية يمكن الإفادة منها في دراسة تاريخ أسرة آل دباس والأحداث المتصلة بقصيدة “أبو دباس”.
وصف الوثيقة:
الوثيقة عبارة عن ورقة واحدة، والنسخة المتاحة منها صورة فوتوغرافية، كتبت بالمداد الأسود بخط نسخي واضح، وتضم خمسة عشر سطرًا. وقد أصاب أطرافها شيء من التلف والاهتراء، إلا أن معظم النص بقي مقروءًا، وختمت بإثبات الشهود، واسم الكاتب، وتاريخ تحريرها.
الأشخاص الواردون في الوثيقة:
- عبدالله بن راشد بن دباس: الموصي وصاحب الوثيقة، وهو عبدالله بن راشد بن عبدالله بن ناصر بن دباس، من أهل عودة سدير، وابن راشد المعروف بـ”أبي دباس” صاحب القصيدة المشهورة. وكان عند تحرير الوصية رجلًا بالغًا رشيدًا، وله بنت كما يثبت نص الوثيقة.
- راشد بن عبدالله بن دباس: والد الموصي، وهو راشد بن عبدالله بن ناصر بن دباس، المعروف بـ”أبي دباس”، صاحب القصيدة المشهورة التي وجه فيها وصاياه إلى ابنه دباس.
- والدة الموصي: لم يرد اسمها في الوثيقة، وذكرت بوصفها مالكة النخلتين اللتين اشتراهما منها الموصي.
- ابنة الموصي: لم يرد اسمها في الوثيقة، وإنما ورد ذكرها عند تعيين الموصي والده على شؤون وصيته بقوله: “والوكيل على الجميع أبوي على الحجة والضحية والبنت”.
- حمد بن مشاري بن دباس: الشاهد الأول، وهو حمد بن مشاري بن علي بن دباس، من فرع آل مشاري من الدباس.
- عبدالله بن مشاري بن دباس: الشاهد الثاني، وهو عبدالله بن مشاري بن علي بن دباس، من فرع آل مشاري من الدباس.
- الشيخ عبدالعزيز بن خريف: كاتب الوثيقة، وهو الشيخ عبدالعزيز بن عيسى بن محمد بن عبدالحميد بن عيسى بن خريف، من كتّاب الوثائق في عودة سدير خلال أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الهجري. وهو والد الشيخ عيسى بن خريف، من الكتّاب الشرعيين في عودة سدير، المولود أوائل القرن الرابع عشر الهجري، والمتوفى أواخر سنة 1382هـ عن عمر يناهز ثمانين سنة.
مصطلحات وردت في الوثيقة:
- الحر المكلف الرشيد جايز التصرف: صيغة اصطلاحية متداولة في مطالع الوثائق، يقصد بها إثبات أهلية الموصي للتصرف؛ فالحرية والتكليف والرشد وجواز التصرف أوصاف تتصل بأهلية الشخص وصحة تصرفاته المالية، ولذلك كان إثباتها من الصيغ التي يعتني بها كتبة الوثائق.
- الحجة: المراد بها أداء الحج عن الموصي بعد وفاته من ماله. وقد نصت الوثيقة على ذلك بقولها: “أوصى له بحجة فيما خلَّف من ماله”، ثم أكد الموصي رغبته في المبادرة إلى تنفيذها بقوله: “والحجة قادمة، وتحجج انشاء الله أول سنة”.
- الضحية: ما يذبح من بهيمة الأنعام تقربًا إلى الله تعالى في أيام النحر. وقد ربط الموصي الأضحية بالنخلتين اللتين اشتراهما من والدته، وإن كانت بعض تفاصيل العبارة الواردة في هذا الموضع تحتاج إلى مزيد من التحقيق في قراءة الأصل لتحديد كيفية التصرف فيهما ومصرف قيمتهما على وجه الدقة.
- مسترفع والدي: يظهر من سياق الوثيقة أن العبارة متصلة بحقوق والدي الموصي في تركته، وقد وردت مقيدة بقوله: “برضا منهما”. ويحتمل أن لفظ “مسترفع” يفيد نوعًا من رفع الحق أو الاستثناء أو التراضي على تصرف معين، إلا أن تحديد معناه الاصطلاحي وأثره الفقهي بدقة يحتاج إلى تتبع نظائر هذا اللفظ في الوثائق النجدية المعاصرة، ولذلك لا يصح الجزم بمدلوله اعتمادًا على هذه الوثيقة وحدها.
- فذ: المراد به ما فضل أو بقي، كما في قوله: “فإذا فذ من الضحية شيء فهو لوالديه”.
- الوكيل: الشخص الذي يعهد إليه الموصي بتنفيذ ما أوصى به والقيام بالشؤون التي أسندها إليه بعد وفاته. وقد جعل الموصي والده وكيلًا على ما سماه بقوله: “على الحجة والضحية والبنت”، ثم احتاط عند تعذر قيامه بذلك بالنص على اختيار من يرى صلاحه.
- ربيع تالي: المراد به ربيع الآخر، وهو من الاستعمالات المحلية الواردة في وثائق نجد وتقاويمها.
موضوع الوثيقة:
تتضمن الوثيقة وصية شرعية لعبدالله بن راشد بن دباس، بدأها بالوصية بتقوى الله وإصلاح ذات البين، ثم أوصى بحجة عنه “فيما خلَّف من ماله”، وذكر نخلتين اشتراهما من والدته وربطهما بالأضحية، ونص على أن يكون ما يفضل منها لوالديه.
كما ورد في النص استرفاع والديه “برضا منهما”، وهي عبارة يحتمل أن تكون متصلة بتنظيم حقوقهما في التركة، إلا أن معناها الاصطلاحي الدقيق وأثرها الفقهي يحتاجان إلى مزيد من التحقيق.
ثم عيّن الموصي والده قائمًا على تنفيذ ما أوصى به وعلى أمر ابنته، واحتاط لاحتمال تعذر قيامه بذلك، فنص على أن يختار من يراه صالحًا للقيام بهذه المهمة.
الأحكام الفقهية المتصلة بالوثيقة:
تتصل بهذه الوصية جملة من المسائل الفقهية التي يثيرها نصها وسياقه، مع ضرورة التفريق بين ما صرح به الموصي وما يستنبط من عباراته.
- حد الثلث: الأصل أن الوصايا والتبرعات المضافة إلى ما بعد الموت تكون في حدود الثلث، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الثلث، والثلث كثير”. ولم تتضمن الوثيقة بيانًا حسابيًا لمقدار التركة أو نسبة ما أوصى به منها، ولذلك لا يمكن من نصها وحده تحديد مقدار ما استغرقته الوصية من مجموع المال. كما أن عبارة “مسترفع والدي” وما اتصل بها من ذكر رضاهما تحتاج إلى تحرير معناها قبل بناء حكم فقهي عليها.
- الوصية للوارث: جاء في الوثيقة قوله: “فإذا فذ من الضحية شيء فهو لوالديه”، وهو ما قد يفهم في ظاهره على أنه تخصيص شيء للوالدين بعد وفاة الموصي، وهما من ورثته. والأصل أن الوصية للوارث لا تنفذ إلا وفق أحكامها الشرعية وما يتصل بإجازة بقية الورثة. غير أن النص نفسه يشتمل على عبارة “برضا منهما” ولفظ “مسترفع”، مما يدل على وجود ترتيب أو تراضٍ يتعلق بحقوق الوالدين، دون أن تكون دلالة العبارة واضحة بما يكفي للجزم بطبيعة هذا الترتيب أو أثره الفقهي. ولذلك يبقى هذا الموضع بحاجة إلى مزيد من التحقيق والمقارنة بوثائق مماثلة.
- صفة الحجة: لم تبين الوثيقة صراحة ما إذا كانت الحجة الموصى بها حجة الإسلام الواجبة أم حجة تطوع؛ ومن ثم لا يمكن الجزم بأحد الاحتمالين اعتمادًا على النص وحده. ويقتصر الثابت على أن الموصي أوصى بحجة عنه، وأكد رغبته في المبادرة إلى تنفيذها في أول سنة ممكنة.
- حجب الإخوة: وجود الأب يحجب الإخوة والأخوات حجب حرمان في الميراث، فلا يكون لهم نصيب مع وجوده. ومن ثم فإن عدم ذكر إخوة الموصي في سياق الحقوق المتعلقة بالتركة لا يثير إشكالًا من هذه الناحية، أما دلالة غياب أسمائهم عن بقية شؤون الوصية فتندرج ضمن الاستنباط التاريخي، لا الحكم الفقهي.
البناء العام للوصية:
جاءت هذه الوصية على نمط معروف في الوصايا النجدية؛ فافتتحت بالحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الشهادتين والإقرار بجملة من أصول الاعتقاد، تلا ذلك الوصية بالتقوى وإصلاح ذات البين، ثم بيان ما أوصى به من الحج والأضحية وتنظيم بعض الحقوق، وتعيين من يتولى التنفيذ، وختمت بإثبات الشهود واسم الكاتب وتاريخ التحرير.
ويعكس هذا الترتيب وجود بناء وثائقي منظم في تحرير الوصية، يجمع بين المقدمة الشرعية ومضمون التصرف وخاتمة الإثبات.
الصيغة العقدية في مطلع الوصايا النجدية:
يلفت النظر في هذه الوثيقة أن مقدمتها تشتمل على صيغة عقدية تتكرر، بصور متقاربة، في عدد من الوصايا النجدية؛ إذ تبدأ بالإقرار بالشهادتين، ثم الإيمان بعيسى عليه السلام، والجنة والنار، والموت، والساعة والبعث، قبل الانتقال إلى بنود الوصية.
ولا تمثل هذه الصيغة اقتباسًا حرفيًا من نص شرعي واحد، وإنما تجمع بين ألفاظ مأخوذة من نصوص شرعية متعددة؛ فجاء في الوثيقة وصف عيسى عليه السلام بأنه “عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه”، والإقرار بأن “الجنة حق، والنار حق”، ثم جاء قوله: “وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور”، وهو موافق للفظ القرآن الكريم، وأضيف إلى ذلك الإقرار بأن “الموت حق”.
ويظهر من ذلك أن كاتب الوثيقة لم يقصد وضع متن عقدي يستوعب جميع أصول الإيمان، وإنما استخدم صيغة شرعية تؤدي وظيفة افتتاحية في الوصية، يجدد فيها الموصي إقراره بالتوحيد والرسالة والبعث والدار الآخرة قبل بيان ما يتعلق بماله وحقوقه.
وتكشف مقارنة مثل هذه الصيغة بنظائرها في الوصايا النجدية عن وجود تقليد كتابي تناقل فيه الكتبة أنماطًا وصيغًا متقاربة، مع اختلافات يسيرة في التقديم والتأخير والزيادة والحذف. وهذا التشابه لا يعني التطابق الحرفي بين الوثائق، وإنما يدل على المحافظة على البناء العام والمعاني الأساسية.
ومن هنا يمكن التمييز بين النص الشرعي والصيغة الوثائقية؛ فالنص الشرعي هو ما ورد في القرآن الكريم والحديث النبوي، أما الصيغة الوثائقية فهي الطريقة التي جمع بها كتبة الوثائق تلك الألفاظ ورتبوها لتؤدي وظيفة معينة في افتتاح الوصية. ويجعل ذلك هذه المقدمات مادة جديرة بالدراسة المقارنة لتتبع تطور أساليب تحرير الوثائق وانتقال تقاليد الكتابة بين الكتبة والأجيال.
الحالة الاقتصادية والمعيشية في زمن الوصية:
تفتح هذه الوثيقة نافذة صغيرة، لكنها مؤثرة، على جانب من أحوال المعيشة في نجد في ذلك الزمن. فالمال الذي برز بصورة واضحة في وصية هذا الرجل المتزوج، الذي له والدان وبنت، تمثل في نخلتين اشتراهما من والدته، وجعلهما جزءًا أساسيًا من ترتيب ما يريد إنفاذه بعد موته. ولا تكفي الوثيقة وحدها للجزم بأن النخلتين كانتا جميع ما يملكه، ولا سيما أنه استعمل عبارة “فيما خلَّف من ماله”، إلا أن مجمل النص يوحي بمحدودية موارده، ويكشف عن المكانة الاقتصادية التي كان يمكن أن يمثلها عدد قليل من النخيل في حياة بعض الناس آنذاك. ومثل هذه الصورة، وإن كانت تخص صاحب الوثيقة ولا يصح تعميمها على المجتمع كله، تقدم شاهدًا إنسانيًا على بساطة الملكية ومحدودية الموارد لدى شريحة من الناس في تلك المرحلة.
ولعل قراءة هذه الوصية اليوم تمنحها بعدًا إنسانيًا يتجاوز ألفاظها الفقهية؛ فبين صاحبها وبين القارئ المعاصر أكثر من قرن تغيرت خلاله مقاييس المعيشة، واتسعت أسباب الرزق، وتعددت الممتلكات ووسائل الراحة والخدمات. ومع قلة ما يظهر من مال هذا الرجل في الوثيقة، ظل يفكر فيما بعد موته: حجة تؤدى عنه، وأضحية، ووالدان يريد أن يصل إليهما ما يفضل، وبنت يحرص على ألا يترك أمرها دون من يتولاه. ومن هنا تصبح الوثيقة تذكيرًا هادئًا بحجم التحول الذي طرأ على حياة الناس، وبالنعم التي اتسعت للأجيال اللاحقة؛ إذ تكفي المقارنة بين بساطة ما تكشفه الوثيقة من حياة صاحبها وبين ما تيسر للناس اليوم من مساكن ومراكب وخدمات ووسائل عيش لإدراك جانب من النعمة التي قد يحجب الاعتياد الشعور بها.
القيمة التاريخية وفوائد الوثيقة:
لا تقتصر أهمية هذه الوثيقة على كونها وصية فردية، بل تقدم شاهدًا على جانب من الممارسات الشرعية والاجتماعية والاقتصادية وأساليب التوثيق في عودة سدير في مطلع القرن الرابع عشر الهجري. ويكشف نصها عن عدد من الجوانب التي تفيد في دراسة التاريخ المحلي والاجتماعي والوثائقي لنجد، ومن أبرزها:
- المحافظة على صيغة شرعية ووثائقية منظمة في تحرير الوصية، بما تضمنته من الإقرار بالعقيدة، ثم بيان الوصية، وتعيين من يتولى تنفيذها، وإثبات الشهود، والكاتب والتاريخ.
- العناية بالحج ضمن الوصايا، وحرص الموصي على المبادرة إلى تنفيذه، كما يظهر من قوله: “والحجة قادمة، وتحجج انشاء الله أول سنة”.
- العناية بتنظيم تنفيذ الوصية وعدم الاكتفاء بتحديد ما أوصى به؛ إذ عيّن الموصي والده قائمًا على الحجة والأضحية والبنت، ثم احتاط لتعذر قيامه بذلك بالنص على اختيار من يراه صالحًا.
- إثبات تصرف مالي بين الموصي ووالدته، تمثل في شرائه منها نخلتين، وهو شاهد على تملك المرأة للنخيل وتصرفها فيه بالبيع، كما يقدم مثالًا على المعاملات المالية الواقعة بين أفراد الأسرة.
- اشتمال النص على ألفاظ ومصطلحات محلية ووثائقية، من أبرزها لفظ “مسترفع”، الذي يستحق مزيدًا من التتبع والمقارنة بنظائره في الوثائق النجدية للوقوف على دلالته الدقيقة واستعمالاته.
- توثيق أسماء عدد من أفراد أسرة آل دباس والمتصلين بهم، بما يوفر مادة يمكن الإفادة منها عند دراسة تاريخ الأسرة وتسلسل أجيالها وعلاقاتها الاجتماعية.
- توثيق اسم كاتب الوثيقة، الشيخ عبدالعزيز بن عيسى بن خريف، بما يضيف شاهدًا يفيد في دراسة كتبة الوثائق في عودة سدير، وتتبع الصيغ التي كانوا يستعملونها وتقاليد الكتابة والتوثيق في المنطقة.
وبذلك تكتسب الوثيقة قيمتها من تعدد مستويات المعلومات التي تحملها؛ فهي، إلى جانب مضمونها الشرعي، مصدر يفيد في دراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والأسري واللغوي والوثائقي، وتتيح عند مقارنتها بغيرها من الوثائق المعاصرة بناء صورة أدق عن المجتمع المحلي في عودة سدير ونجد في تلك المرحلة.
استنباطات تاريخية من نص الوصية:
تتيح الوثيقة استخلاص عدد من الاستنباطات التاريخية التي لا يصرح بها النص صراحة، وإنما تقوم على قراءة القرائن الواردة فيه وربطها بما هو معروف من أخبار الأسرة. ولذلك ينبغي التعامل مع هذه الاستنباطات بوصفها احتمالات وترجيحات تحتاج إلى ما يؤيدها من مصادر أخرى، مع التفريق بينها وبين صلة الموصي بأبي دباس، التي يؤكدها التوثيق الأسري والمشجرة.
ويثير إسناد أمر البنت إلى والد الموصي احتمال أن تكون زوجة الموصي متوفاة عند تحرير الوثيقة؛ إذ جعل ابنته ضمن ما أوكله إلى والده بقوله: “والوكيل على الجميع أبوي، على الحجة والضحية والبنت”. إلا أن النص لا يصرح بوفاة أم البنت، كما أن إسناد بعض شؤون البنت إلى جدها لا يستلزم بذاته وفاة أمها؛ ومن ثم يبقى ذلك احتمالًا يحتاج إلى شاهد آخر قبل اعتماده حقيقة تاريخية.
ويلاحظ كذلك أن الموصي لم يذكر أحدًا من إخوته، ولم يعهد بتنفيذ الوصية إلى أحد منهم، وإنما جعل والده قائمًا عليها، ثم نص على اختيار شخص آخر عند تعذر قيامه بذلك. ولا يكفي هذا الغياب وحده لإثبات حال إخوته وقت تحرير الوثيقة، إلا أنه يصبح ذا دلالة عند مقارنته بما تذكره الروايات الأسرية عن وفاة أخيه محمد وغياب أخيه دباس وانقطاع خبره؛ فتغدو الوثيقة في هذه الحال قرينة مساندة لتلك الروايات، لا دليلًا مستقلًا عليها.
كما لم يرد في الوثيقة ذكر أحد من ذرية الموصي سوى بنت واحدة، وهو ما يفتح احتمال أن تكون ابنته الوحيدة، أو أن تكون الوحيدة ممن اقتضى سياق الوصية ذكرهم. غير أن مجرد عدم ذكر أبناء أو بنات آخرين لا يكفي للجزم بانحصار ذريته فيها.
الوثيقة وإعادة تأريخ قصيدة “أبو دباس“:
تكتسب هذه الوثيقة أهمية تتجاوز موضوع الوصية ذاتها؛ إذ تقدم شاهدًا وثائقيًا مؤرخًا يتعلق مباشرة بأسرة راشد بن عبدالله بن ناصر بن دباس، المعروف بـ”أبي دباس”، صاحب القصيدة المشهورة التي وجهها إلى ابنه دباس. فالموصي عبدالله هو ابن الشاعر، وهو ما تؤكده مشجرة الأسرة، كما تؤيده الملاحظة التعريفية التي أثبتها أفراد الأسرة أسفل صورة الوثيقة، ونصها: “وصية ابن الشاعر أبو دباس (عبدالله)”. وبذلك لا تقوم الصلة بين صاحب الوثيقة والشاعر على مجرد تشابه الأسماء أو الاستنتاج، وإنما على توثيق أسري صريح متوافق مع تسلسل النسب في المشجرة.
وتنبع أهمية ذلك من أن زمن قصيدة “أبو دباس” ظل موضع اختلاف في الروايات، كما وقع تفاوت في بعض ما نقل عن زمنها وظروفها، بل وفي تحديد قائلها في بعض الروايات المتأخرة. وتأتي هذه الوثيقة، المرجح تحريرها في 25 ربيع الآخر سنة 1313هـ، لتضع أمام الباحث نقطة زمنية ثابتة في حياة أسرة الشاعر؛ فهي تثبت أن ابنه عبدالله كان حيًا في ذلك التاريخ، بالغًا رشيدًا، وله بنت، وأن أباه راشدًا كان حيًا كذلك، حتى جعله ابنه وكيلًا على تنفيذ وصيته وعلى أمر ابنته. ومن ثم فإن أي رواية تتعلق بزمن القصيدة أو بأحداث أسرة أبي دباس ينبغي أن تقرأ في ضوء هذا التاريخ الوثائقي.
ولا تحدد الوصية بنفسها تاريخ نظم القصيدة، ولكنها تضيق الإطار الزمني الذي يمكن أن تدرس فيه أحداثها، وتقدم مع المشجرة والرواية الأسرية والشعر مجموعة من الشواهد التي يمكن بالمقارنة بينها إعادة ترتيب بعض أحداث حياة أبي دباس وأبنائه. وهنا تظهر إحدى أهم وظائف الوثيقة التاريخية؛ فقد لا تكون كتبت أصلًا لتسجيل حادثة أدبية أو تأريخ قصيدة، ثم يأتي العثور عليها بعد أكثر من قرن ليمنح الباحث تاريخًا ثابتًا يستطيع أن يعيد في ضوئه النظر في روايات تناقلتها الأجيال دون تاريخ مكتوب.
ولعل في ذلك ما يدعو إلى التأمل في تاريخ عودة سدير خاصة، والتاريخ المحلي في نجد عامة؛ فإذا كانت قصيدة بهذه الشهرة، وقائلها من أسرة معروفة، وزمنها قريب نسبيًا، قد اختلف في تاريخها وظروفها، وضاع جانب من تفاصيلها، بل وقع الاختلاف في نسبة قائلها، فما الذي يمكن أن يكون قد فُقد من أخبار أحداث أخرى لم تحفظها قصيدة مشهورة، ولم تتناقلها أسرة، ولم يعثر بعد على وثائقها؟ إن هذه الوثيقة تقدم مثالًا عمليًا على أن كثيرًا مما استقر في الذاكرة المحلية قد يحتاج إلى إعادة فحص متى ظهرت وثيقة معاصرة، وأن وثيقة خاصة صغيرة قد تغير تأريخ حادثة ظلت تتناقل لأجيال.
ومن هذه الزاوية تظهر القيمة الكبرى للوثائق الخاصة؛ فقد تبدو الوصية عند النظر إليها منفردة سجلًا لتصرف مالي وأسري محدود، لكنها حين توضع بجوار الرواية الشفهية والشعر والمشجرات والمعلومات الأسرية تتحول إلى نقطة زمنية يمكن أن يعاد حولها ترتيب أحداث لم تؤرخ عند وقوعها. وهي في الوقت نفسه تذكر بأهمية ألا ترد الرواية الشفهية لمجرد ما دخلها من اختلاف، وألا تقبل على إطلاقها، بل تقارن بالوثائق المعاصرة ويستفاد من كل منهما في موضعه.
البعد الإنساني والنفسي في قصيدة “أبو دباس“:
تمنح هذه الوثيقة قصيدة “أبو دباس” بعدًا إنسانيًا أشد عمقًا؛ فهي لا تقدم لنا أسماء مجردة في مشجرة أسرة، بل تقربنا من بيت أصابته سلسلة من الفواجع. فهذا عبدالله الذي نقرأ وصيته اليوم لم يكن طفلًا حين فقده أبوه، بل كان رجلًا مكتمل الحياة، له بنت، وله مال يتصرف فيه، ويكتب وصيته، ثم يجعل أباه راشدًا مسؤولًا عن تنفيذها وعن أمر ابنته من بعده. وحين مات عبدالله، لم يفقد راشد ابنًا فحسب، وإنما فقد رجلًا من أبنائه كان قد أسس حياته وترك وراءه طفلة أصبحت أمانة عند جدها.
وإذا أضيف إلى فقد عبدالله ما تذكره أخبار الأسرة من وفاة أخيه محمد، بينما كان دباس غائبًا منقطع الخبر، بدت أمامنا صورة أكثر إيلامًا لحال ذلك الأب. أبناء ثلاثة تفرقوا أمامه بين موت وغياب؛ عبدالله رحل وترك وصيته وابنته، ومحمد فارق الحياة، ودباس غاب وانقطع خبره. وبقي الأب يحمل حزن من وارى من أبنائه، وقلق من لا يعرف مصير الغائب منهم. وليس من السهل، عند استحضار هذه الصورة، أن تقرأ شعره كما لو كان مجرد حكم ووصايا مجردة من ظروفها الإنسانية.
وعند قراءة القصيدة في ضوء هذه الأحداث، تكتسب وصايا راشد لابنه دباس معنى أعمق. فلا تعود كلمات أب يلقي على ابنه مجموعة من الحكم فحسب، بل تصبح كلمات رجل عرف مرارة الفقد، وأصبح يخشى أن يأخذ الغياب منه من بقي. فقوله:
“يا دباس أنا أوصيك عن درب الأدناس
ترى الذي مثلك يناظر مسيره”
يمكن أن يقرأ في هذا السياق بوصفه صوت أب يحاول أن يصل بالكلمة إلى ابنه الغائب؛ أب لا يملك أن يعيده إليه، لكنه يملك أن يرسل وراءه نصيحته، وأن يضع بين يديه خلاصة ما يؤمن به وما يرجوه له. فالنصيحة هنا تمتزج بالأبوة، والحرص بالخوف، والوصية بالشوق إلى غائب لا يعلم الأب متى يراه.
وتزداد هذه الصورة أثرًا حين نعود إلى الوثيقة نفسها ونقرأ كلمات عبدالله: “والوكيل على الجميع أبوي، على الحجة والضحية والبنت”. إنها في ظاهرها عبارة قانونية قصيرة تحدد من يتولى تنفيذ الوصية، لكنها في سياق ما جرى للأسرة تحمل معنى إنسانيًا أكبر؛ فالابن يضع آخر شؤونه في يد أبيه، ويأتمنه على حجته وأضحيته وابنته، ثم يموت، فيبقى الأب بعده حاملًا أمانة ابنه وذاكرته ومسؤولية حفيدته.
ولعل أشد ما في هذه الصورة الإنسانية أن الوثائق لا تخبرنا بما فعله الحزن في نفس راشد. لا تخبرنا كيف تلقى موت عبدالله، ولا كيف عاش فقد محمد، ولا كم طال انتظاره لدباس، ولا كم مرة ترقب خبرًا يأتيه عنه. هذه التفاصيل سكت عنها الورق، كما تسكت عنها معظم الوثائق. لكن حين تجتمع الوصية مع القصيدة والرواية الأسرية، يقترب منا الإنسان الذي تقف خلف اسمه تلك الأحداث؛ فنفهم أن “أبا دباس” لم يكن مجرد اسم ارتبط بقصيدة متداولة، بل أبًا عاش الفقد والانتظار والقلق على أبنائه.
وهنا يكمل الشعر ما سكتت عنه الوثيقة؛ فالوثيقة تحفظ لنا الأسماء والحقوق والتاريخ، لكنها لا تحفظ الدموع ولا الخوف ولا الشوق، بينما يحمل الشعر شيئًا من صوت صاحبه ووجدانه. وبين جفاف العبارة الوثائقية وحرارة الكلمة الشعرية تظهر صورة أكثر اكتمالًا لراشد بن عبدالله بن دباس: رجل شهد تفرق أبنائه بين الموت والغياب، ثم بقيت كلماته لابنه الغائب تتناقلها الأجيال بعد أن غابت كثير من تفاصيل حياته.
ومع ذلك، فإن القراءة التاريخية تقتضي الفصل بين ما ثبت وما يستنبط؛ فكون عبدالله ابن أبي دباس ثابت في التوثيق الأسري والمشجرة، ووجود عبدالله ووالده راشد على قيد الحياة عند تحرير الوصية تثبته الوثيقة نفسها، أما ترتيب وفيات الأبناء، ومدة غياب دباس، وتحديد الصلة الزمنية الدقيقة بين تلك الأحداث ونظم القصيدة، فينبغي أن يستند كل منها إلى مصدره، ولا ينسب إلى هذه الوثيقة ما لم تنص عليه.
خاتمة:
تمثل هذه الوثيقة نموذجًا مهمًا للوصايا الشرعية في نجد في مطلع القرن الرابع عشر الهجري؛ إذ جمعت بين الإقرار بالعقيدة، والوصية بالتقوى وإصلاح ذات البين، والحج والأضحية، وتنظيم بعض الحقوق الأسرية، وتعيين من يتولى تنفيذ الوصية، مع إثبات ذلك بحضور الشهود والكاتب.
وتتجاوز قيمتها حدود مضمونها الفقهي المباشر؛ فهي تكشف جانبًا من الحياة الاجتماعية والاقتصادية في عودة سدير، وتوثق معاملة مالية بين ابن ووالدته، وتبرز المكانة التي كان يمثلها النخيل في حياة الفرد، كما تحفظ أسماء عدد من أفراد أسرة آل دباس وأحد كتبة الوثائق في البلدة.
وتكشف الوثيقة كذلك عن عدد من السمات الوثائقية المهمة، من أبرزها انتظام البناء العام للوصية، واستعمال صيغة عقدية ذات أصول شرعية في مقدمتها، وورود بعض الألفاظ المحلية التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة، وفي مقدمتها لفظ “مسترفع”. وتتيح مقارنتها بغيرها من الوثائق تتبع تقاليد الكتابة الشرعية وانتقال الصيغ والأساليب بين كتبة نجد.
غير أن القيمة الأبعد لهذه الوثيقة ربما لا تكمن فيما أخبرتنا به وحده، بل فيما نبهتنا إلى أننا فقدناه. فبين سنة 1313هـ ويومنا هذا زمن ليس بالبعيد في عمر التاريخ، ومع ذلك اضطرب تاريخ قصيدة مشهورة، واختلف في بعض ظروفها ونسبتها، وغابت تفاصيل من حياة أسرة بقي شعرها حاضرًا في الذاكرة. ثم تظهر ورقة واحدة، لم تكتب أصلًا لتؤرخ للقصيدة ولا لصاحبها، فإذا بها تمنحنا تاريخًا وأسماء وعلاقات أسرية تعيد فتح باب البحث في الرواية كلها.
وهذا يدفع إلى سؤال يتجاوز أسرة آل دباس وقصيدة “أبو دباس”: كم من حادثة في تاريخ عودة سدير، وكم من قصة في تاريخ بلدان نجد وأسرها، نعرفها اليوم بصورة تختلف عما وقع فعلًا، لا لأن الرواية تعمدت تغييرها، وإنما لأن الزمن أسقط منها تاريخًا، أو اسمًا، أو ظرفًا، ثم أكملت الذاكرة ما غاب عنها؟ وكم من وثيقة لا تزال محفوظة في بيت أو صندوق أو بين أوراق أسرة، يمكن إذا ظهرت أن تعيد اسمًا إلى صاحبه، أو تضبط تاريخ حادثة، أو تصحح رواية ظلت تتناقل أجيالًا؟
ومن هنا تظهر أهمية الوثيقة التاريخية مهما بدا موضوعها صغيرًا؛ فوصية رجل في نخلتين وحجة وأضحية وبنت قد تبدو لأول وهلة شأنًا عائليًا خاصًا، لكنها بعد أكثر من قرن أصبحت شاهدًا على حياة مجتمع، ومصدرًا لتاريخ أسرة، وقرينة في تأريخ قصيدة، ونافذة على الحالة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية لجيل مضى.
وفي قلب هذه المعاني كلها يبقى المشهد الإنساني هو الأشد حضورًا: عبدالله يكتب وصيته ويضع ابنته وأمره بعد موته في يد أبيه، ثم يغيب عبدالله، ويموت محمد، ويظل دباس بعيدًا، ويبقى الأب بين أمانة من مات وانتظار من غاب. ثم تمضي السنون، ويغيب الأشخاص جميعًا، وتبقى قصيدة الأب ووصية الابن؛ واحدة حفظت شيئًا من صوت القلب، والأخرى حفظت شيئًا من واقع الحياة. وبعد أكثر من قرن تجتمعان من جديد لترويا، كل واحدة بطريقتها، جانبًا من قصة أسرة وبلدة وزمن كامل كاد كثير من تفاصيله أن يضيع.
مصدر الوثيقة:
من وثائق أسرة الدباس.