تمهيد:
لا بد في دراسة التاريخ والأنساب من الاعتماد على الوثائق والمصادر التاريخية الواضحة والصريحة، فلا يصح بناء التسلسل التاريخي أو إثبات الوقائع والأحداث بمجرد النقل المجرد دون مستند تاريخي معتبر.
غير أن تاريخ نجد مرَّ بمراحل لم تُدوَّن فيها كثير من الوقائع تدوينًا تفصيليًا، مما جعل الروايات الشفهية جزءًا من المادة التاريخية المتداولة. ولهذا يُستأنس بهذه الروايات مع التنبيه على أنها روايات متناقلة تحتاج إلى تمحيص ومقارنة، إلى حين ظهور ما يثبتها أو ينفيها من الوثائق أو الدراسات العلمية المعتبرة.
وعند ظهور وثائق تاريخية صحيحة، فإن الواجب أن تُعرض عليها تلك الروايات؛ فما وافقته الوثائق قُبل وذُكر، وما خالفها رُدَّ ونُفي، وقد يثبت بعض تلك الروايات دون بعض بحسب قوة الدليل وصراحته.
وما سيُذكر هنا عن البدارين الدواسر يدخل في هذا الباب؛ إذ إن جانبًا منه قائم على روايات متناقلة، وورد بعضه في مصادر متأخرة، ولذلك يُذكر على سبيل الطرح البحثي والاستئناس التاريخي، لا على سبيل الجزم القطعي، إلى حين ظهور دراسات علمية موثقة أو وثائق تاريخية صريحة تؤيده أو تعيد النظر فيه.
أولًا: هجرة البدارين الدواسر إلى شمال نجد
أ. الروايات التاريخية حول الاستيطان الأول:
يرتبط أول استيطان للبدارين الدواسر في شمال نجد – بحسب ما تذكره الروايات التاريخية والموروثات المتناقلة – بالحملة التي قادها الأمير سدير بن عامر بن بدران في أواخر القرن التاسع الهجري، حين خرج بجيش والده شيخ الدواسر الأمير عامر بن بدران لمطاردة بني عائذ بن سعد العشيرة بعد وقعة وادي العرين، في الحادثة التي عُرفت باسم «نجد الدم». وتذكر الروايات أن الأمير سدير استطاع التغلب عليهم والاستيلاء على وادي الفقي، ليُعرف بعد ذلك باسم وادي سدير. (1)
ولمزيد من التفصيل حول هذه المرحلة يمكن الرجوع إلى كتاب “وادي سدير: دراسة في المصادر البلدانية والتاريخية”.
وتشير مجموعة من المصادر التاريخية، إلى جانب الروايات الشفهية المتناقلة، إلى وجود البدارين الدواسر – ومنهم آل عامر، وآل بن خميس، وآل راجح – في عودة سدير منذ القرن العاشر الهجري، ثم انتقل آل بن خميس وآل راجح بعد ذلك إلى جلاجل، وانتقل السدارى لاحقًا إلى الغاط.
كما يَرِد في الموروث المتداول لدى بعض الأسر أن فرع «العمر» انتقل من عودة سدير إلى روضة سدير في حدود منتصف القرن الحادي عشر الهجري تقريبًا.
ويُلاحظ أن جانبًا من هذه الأخبار يعتمد على الروايات المتناقلة والمصادر المتأخرة، ولذلك يُتعامل معها في إطار الطرح التاريخي والاستئناس البحثي، إلى حين ظهور وثائق تاريخية صريحة أو دراسات علمية موثقة تؤكد تلك الروايات أو تعيد النظر فيها.
ب. روايات النزوح إلى سدير والمحمل:
ويذكر بعض مؤرخي البدارين الدواسر – استنادًا إلى روايات شفهية متناقلة لا تسندها حتى الآن وثائق تاريخية صريحة – أن للبدارين نزوحين رئيسيين إلى شمال نجد؛ أولهما في أواخر القرن التاسع الهجري تقريبًا، والثاني في أواخر القرن العاشر الهجري، حيث اجتمع المتأخرون منهم بأبناء عمومتهم الذين سبق انتقالهم إلى إقليمي سدير والمحمل.
ج. السدارى وانتقالهم إلى الغاط:
ومن جهة أخرى، أشار هاري سانت جون فيلبي في كتاب “الذكرى العربية” إلى أن راجح بن عامر يُعد أول من هاجر من أسرة السدارى من وادي الدواسر إلى عنيزة، ثم انتقل ابنه محمد من القصيم ليستقر في بلدة العودة بسدير. ويُذكر أنه أول من لُقّب بالسديري، كما أن ابنه علي كان أول من استقر في بلدة الغاط في حدود سنة 968هـ، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الغاط موطنًا لأسرة السديري ومقرًا لإمارتها. (2)
د. البدارين في مذكرات سليمان الكمالي:
كما أورد أحمد بن حسن بن عبدالله النعمي – محقق مذكرات متصرف عسير الفريق سليمان شفيق باشا الكمالي – في كتاب “عسير في مذكرات سليمان الكمالي”، عند حديثه عن نجد، أن البدارين كانوا في أواخر القرن العاشر الهجري في عودة سدير، وذكر منهم حمدان بن بدر بن خميس السديري، كما أشار إلى انتقال آل بن خميس وآل راجح من عودة سدير إلى جلاجل والغاط. (3)
ثانيًا: مناطق استيطان البدارين الدواسر
أ. موجات النزوح المبكرة للبدارين:
وتذكر بعض الروايات الشفهية المتناقلة لدى عدد من أبناء البدارين الدواسر أن النزوح الأول للبدارين إلى شمال نجد كان باتجاه ثلاث مناطق رئيسية استقروا فيها في مراحل مبكرة، وهي:
- إقليم المحمل: البير، ثم انتقلت بعض الأسر لاحقًا إلى ثادق وأسهمت في عمرانها والاستقرار فيها.
- إقليم سدير: عودة سدير، والخيس ومنه إلى الغاط وجلاجل.
- منطقة القصيم: النبقية.
غير أن هذه الروايات ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والمقارنة بالوثائق والمصادر التاريخية؛ لتحديد دقتها الزمنية، وطبيعة مراحل النزوح والاستقرار، وما طرأ عليها من انتقالات لاحقة بين بلدان نجد المختلفة.
كما يجدر التنبيه إلى أن الحديث عن مواضع الاستيطان الأولى لا يمنع وقوع انتقالات متعددة لاحقة بين بلدان نجد عبر القرون، وهو أمر معروف في تاريخ الأسر النجدية وتحركاتها بين الأقاليم والبلدات.
ب. انتقالات فروع البدارين في القصيم:
أما في منطقة القصيم، فتشير الوثائق والروايات إلى وقوع موجات انتقال لاحقة لبعض فروع البدارين خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، ويمكن ترتيب تلك الانتقالات على النحو الآتي:
1. خروج شتوي وإخوته أبناء محمد بن حمود بن غزي:
أورد الشيخ عبدالله البسام في كتاب “علماء نجد” (ج4، ص491) عند حديثه عن بلدة المذنب ما نصه: “وتولى الإمارة فيه عبد الله الخريدلي، ثم بعده ابنه إبراهيم، وطالت مدة إمارة إبراهيم، واتسع العمران في زمنه، ونزل عليه لفيف من الجيران، منهم: شتوي الدوسري من أهل الشماسية، نزل فداويًّا عند إبراهيم مدة، ثم أعانه على عمارة عين نبعة، وطلب منه الإعانة فأعانه على عمارتها”.
ومما يُستأنس به في تأريخ هذه الحادثة أن الأمير إبراهيم بن عبدالله الخريدلي توفي سنة 1193هـ، مما يدل على أن انتقال شتوي وإخوته إلى المذنب كان قبل هذا التاريخ.
كما تذكر بعض الروايات الشفهية المتناقلة لدى أهل الشماسية أن خروج شتوي كان في حدود سنة 1156هـ تقريبًا، أي بعد منتصف القرن الثاني عشر الهجري.
2. انتقال آل غزي أهل الزلفي:
وتدل بعض الوثائق على أن انتقالهم وقع في زمن جدهم محمد بن صالح بن حمود بن غزي، ومن ذلك وثيقة بيع حمد وحمود ابني سبهان بن محمد بن صالح بن حمود بن غزي لقاع محمد بن صالح بن حمود غزي، وهي وثيقة غير مؤرخة، إلا أن زمنها يُستدل عليه بوصية سبطه عبدالعزيز بن محمد الحماد المحررة سنة 1263هـ، إذ إن أمه شما بنت سبهان بن محمد بن صالح بن حمود بن غزي.
فإذا قُدِّر أن عبدالعزيز الحماد كتب وصيته وهو في حدود الستين من عمره، فإن ميلاده يكون تقريبًا سنة 1203هـ، وبذلك يكون جده محمد بن صالح قد عاش قبل القرن الثالث عشر الهجري، مما يدل على أن خروجهم من الشماسية وانتقالهم إلى الزلفي كان في أواخر القرن الثاني عشر الهجري.
وتذكر بعض الروايات أن الانتقال وقع في زمن صالح بن حمود بن غزي، إلا أن ما تشير إليه الوثائق يبدو أقرب إلى وقوعه في زمن ابنه محمد بن صالح.
3. انتقال الشمسان:
وهم ذرية شمسان بن عثمان بن غزي، وتشير الروايات الشفهية المتناقلة إلى أن خروجهم كان في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، في حدود سنة 1200هـ تقريبًا.
ومن أقدم ما وُقف عليه من وثائقهم رسالة تتعلق بملك جدهم عثمان بن غزي في الشماسية، وهي وثيقة غير مؤرخة، إلا أن كاتبها محمد العبدالله بن شبل عُرف له عدد من الوثائق المؤرخة في سنتي 1258هـ و1268هـ، مما يُقوّي احتمال كون هذه الرسالة من وثائق القرن الثالث عشر الهجري القريبة العهد بزمن الانتقال.
ثالثًا: التوزع الجيني ومسارات الاستيطان التاريخية
يجدر التنبيه إلى أن القراءة الجينية لا تُستخدم منفردة في دراسة التاريخ والأنساب، بل تُقرأ ضمن سياق تاريخي ووثائقي وموروثي متكامل، بحيث تُقارن نتائجها بالوثائق والمصادر والروايات المتداولة، دون الاكتفاء بها بوصفها دليلًا مستقلًا أو حاسمًا في جميع المسائل التاريخية.
أ. التوزع الجيني:
ويُعد من أبرز ما يلفت النظر توافق التوزع الجيني الحالي مع الروايات المتناقلة حول مسارات الاستيطان القديمة؛ إذ ظهرت التكتلات الوراثية الكبرى متقاربة مع مواضع الاستقرار التاريخية المنقولة في الموروث المحلي. فقد ظهر لأهل البير تكتل جيني خاص، كما تكتلت أسرة العمران من آل عامر في عودة سدير ضمن مسار أبوي متمايز، وكذلك ظهر لأهل جلاجل تكتل يجمع عددًا من فروعهم، كما برز لأهل النبقية فرع وراثي مستقل، إضافة إلى تكتل خامس يرتبط بأسر المنيع.
وتلتقي هذه التكتلات جميعها في تحور جيني أعلى جامع بينها، بما يوحي بوجود أصل أبوي مشترك قديم لهذه الفروع.
ويُفسَّر هذا التقارب بين التكتلات الجينية ومسارات الاستيطان التاريخية بطبيعة المجتمعات النجدية القديمة، التي كانت تقوم في الغالب على استقرار الأسر المتقاربة نسبًا في نطاقات جغرافية متجاورة، مع استمرار التواصل والمصاهرة والانتقال داخل الفروع ذات الامتداد العائلي الواحد، مما يؤدي عبر الزمن إلى ظهور تكتلات وراثية يغلب ارتباطها ببعض المواطن التاريخية.
ومع ذلك، فإن هذا لا يمنع من وقوع انتقالات لاحقة، أو دخول فروع أخرى، أو حدوث تحالفات ومصاهرات بين الأسر عبر المراحل التاريخية المختلفة، وهو ما يستوجب التعامل مع النتائج الجينية في إطارها العلمي والتاريخي دون تحميلها ما لا تحتمله من القطع أو الجزم.
خاتمة:
تبقى دراسة هجرات البدارين الدواسر واستيطانهم في شمال نجد موضوعًا مفتوحًا للبحث والمراجعة، في ظل ما قد يظهر مستقبلًا من وثائق تاريخية، أو نتائج جينية، أو دراسات أكاديمية أكثر تفصيلًا. كما أن الجمع بين الرواية الشفهية، والوثيقة التاريخية، والقراءة الجينية، يتيح تصورًا أقرب لفهم الامتدادات التاريخية لهذه الفروع، متى ما قُرئت هذه المعطيات ضمن إطار علمي متزن يراعي طبيعة المصادر التاريخية وحدود الاستدلال بها.
ويظهر أن جانبًا من الموروث المتناقل لدى عدد من أسر البدارين قد وجد ما يسانده – إلى حدٍّ ما – في التوزع الجيني الحالي لبعض الفروع، وهو ما يمنح بعض الروايات المتداولة قيمة بحثية تستحق الدراسة والمقارنة، دون أن يعني ذلك الجزم القطعي بكل ما ورد فيها.
كما أن التحورات الجينية تعبّر عن خطوط أبوية وراثية قديمة قد تتقاطع أحيانًا مع الامتدادات القبلية المعروفة تاريخيًا، إلا أن فهمها يبقى مرتبطًا بقراءة الوثائق والمصادر والموروثات المعتبرة ضمن سياقها التاريخي والاجتماعي العام، بعيدًا عن المبالغة في تفسير النتائج أو تحميلها ما لا تحتمله من القطع واليقين.
المراجع:
- إمتاع السامر بتكملة متعة الناظر/ شعيب بن عبدالحميد بن سالم الدوسري؛ تحقيق عبدالرحمن الرويشد وعبدالله الحميد. دارة الملك عبدالعزيز، 1419هـ .
- هــاري سانت جــون فيلبي. الذكرى العربية للمملكة العربية السعودية. مكتبة العبيكان، الرياض، 1424هـ.
- أحمد بن حسن بن عبد الله النعمي. عسير في مذكرات سليمان الكمالي.
- روايات منقولة عن بعض كبار السن في هذه البلدات.
- وثائق الأسر البدارنية.