نموذج لخط الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله
تمهيد:
تكشف هذه الرسالة جانبًا من مراسلات الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى أهل سدير، وتبرز عنايته بتوجيه الناس إلى ما يجمع الكلمة ويحفظ الألفة بينهم. كما تُعد من الوثائق المهمة التي تعكس جانبًا من الحياة العلمية والاجتماعية في سدير خلال القرن الثاني عشر الهجري.
نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبدالوهاب، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فيجري عندكم أمور تجري عندنا من سابق، وننصح إخواناً إذا جرى منها شيء حتى فهموها؛ وسببها أن بعض أهل الدين ينكر منكراً وهو مصيب، لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوجب الفرقة بين الإخوان، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا …} (آل عمران، آية: 102-103) ، وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم ” (مسلم: الأقضية 1715، وأحمد 327/2، 360/2، 376/2، ومالك: الجامع 1863)، وأهل العلم يقولون: “الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، ويكون رفيقاً فيما يأمر به وينهى عنه، صابراً على ما جاء من الأذى”.
وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا والعمل به؛ فإن الخلل إنما يدخل على صاحب الدين من قلة العمل بهذا أو قلة فهمه. وأيضاً، يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق، لم يجز إنكاره.
فالله الله في العمل بما ذكرت لكم والتفقه فيه؛ فإنكم إن لم تفعلوا صار إنكاركم مضرة على الدين، والمسلم ما يسعى إلا في صلاح دينه ودنياه. وسبب هذه المقالة التي وقعت بين أهل الحوطة، لو صار أهل الدين واجباً عليهم إنكار المنكر، فلما غلظوا الكلام صار فيه اختلاف بين أهل الدين، فصار فيه مضرة على الدين والدنيا. وهذا الكلام وإن كان قصيراً فمعناه طويل، فلازم تأملوه وتفقهوا فيه واعملوا به؛ فإن عملتم به صار نصراً للدين واستقام الأمر إن شاء الله.
والجامع لهذا كله: أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره، أن يُنصح برفق خفية، ما يشترف أحد، فإن وافق وإلا استلحق عليه رجلاً يقبل منه يخفيه، فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهراً، إلا إن كان على أمير ونصحه ولا وافق، واستلحق عليه ولا وافق، فيرفع الأمر يمّنا خفية.
وهذا الكتاب كل أهل بلد ينسخون منه نسخة، ويجعلونها عندهم، ثم يرسلونه لحرمة والمجمعة ثم للغاط والزلفي. والله أعلم.
مناسبة الرسالة:
تدل هذه الرسالة على وقوع خلاف بين بعض أهل حوطة سدير حول مسائل تتعلق بإنكار بعض المنكرات، وما ترتب على ذلك من اختلاف وتنازع بين عدد من أهل البلدة. ويظهر من مضمون الرسالة أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب رأى بوادر هذا الخلاف وآثاره، فكتب إلى إخوانه من أهل سدير مبينًا جملة من القواعد الشرعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مؤكدًا أهمية الرفق والحكمة ومراعاة المصالح والمفاسد، ومحذرًا من أن يؤدي الإنكار غير المنضبط إلى الفرقة والاختلاف بين المسلمين.
كما يتضح من طلبه نسخ الرسالة وإرسالها إلى عدد من بلدات سدير أنه لم يقصد معالجة حادثة محلية فحسب، بل أراد تعميم هذه التوجيهات على أهل المنطقة؛ حفاظًا على وحدة الصف ومنعًا لانتشار أسباب النزاع والخلاف.
تعليق:
تُعد هذه الرسالة من النصوص المهمة في تاريخ سدير؛ إذ تُظهر وجود تواصل مباشر بين الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأهالي المنطقة، كما تكشف عن حرصه على معالجة الخلافات التي قد تنشأ بين الناس وفق الأصول الشرعية. وتزداد أهمية الرسالة من الناحية التاريخية لكونها تضمنت توجيهًا بنسخها وتداولها بين عدد من بلدات سدير، مما يجعلها شاهدًا على انتشار المراسلات العلمية بين بلدات الإقليم في ذلك العصر.
المصدر:
الكتاب: الرسائل الشخصية
المؤلف: محمد بن عبدالوهاب بن سليمان آل مشرف (ت 1206هـ)
الجزء: السادس
الصفحات: 296-297
الرسالة: الرابعة والأربعون (رسالتة إلى الأخوان من أهل سدير)
المحقق: صالح بن فوزان بن عبدالله الفوزان، ومحمد بن صالح العيلقي
الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية