تمهيد:
تعد قصيدة السيد عيسى بن محمد الرميحي من النصوص الشعرية المهمة التي وثقت مرحلة تاريخية بارزة من تاريخ الدواسر في البحرين، وهي مرحلة هجرة عدد منهم من بلدة البديع إلى الدمام في المنطقة الشرقية. وتمثل هذه القصيدة شهادة شعرية معاصرة أو قريبة العهد بالأحداث التي تصفها، إذ تجمع بين تصوير المعاناة التي سبقت الهجرة، ووصف الرحيل، والإشادة بالمهاجرين، وذكر عدد من الشخصيات التي كان لها حضور في تلك المرحلة.
الشاعر:
السيد عيسى بن محمد الرميحي، من أهالي البحرين، ويعد من الشعراء الذين عاصروا مرحلة هجرة عدد من الدواسر من البديع إلى الدمام، وقد حفظت قصيدته هذه جانباً من مشاعر تلك المرحلة وأحداثها، مما أكسبها قيمة تاريخية إلى جانب قيمتها الأدبية.
مناسبة القصيدة:
قال الشاعر هذه القصيدة في مناسبة هجرة عدد من الدواسر من البديع بالبحرين إلى الدمام، وهي هجرة ارتبطت بظروف سياسية واجتماعية شهدتها البحرين في تلك الفترة. ويظهر من أبيات القصيدة أن الشاعر ينظر إلى تلك الهجرة بوصفها انتقالاً من واقع صعب إلى واقع أكثر استقراراً، كما تعكس الأبيات شعوراً بالحنين إلى الديار التي تركها المهاجرون، مع الاعتزاز بما اتخذوه من قرار.
صورة الأوضاع قبل الهجرة:
يفتتح الشاعر قصيدته بشكوى الهموم وتقلب الأحوال، ثم ينتقل إلى وصف ما يراه من تغير الزمان واختلال الموازين، فيقول:
أشوف في هالوقت دنيا تغيرت
صكت على الأجواد تنشل شلايل
ويستحضر الشاعر زمناً سابقاً يصفه بالاستقرار والطمأنينة في عهد الحاكم عيسى، بقوله:
ويلاه من عصر مضى من قديم
راعي الحكم عيسى وحنا له قبايل
ويبدو أن المقصود بذلك حاكم البحرين الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، الذي حكم البحرين مدة طويلة وشهدت البلاد في عهده تحولات سياسية كبيرة.
كما يشير الشاعر إلى النفوذ البريطاني في البحرين بقوله:
واليوم يا حكم الانجليز علينا
نطلب من الله ما الحكمة طوايل
وهو نص مهم يعكس نظرة الشاعر وجماعته إلى الأوضاع السياسية التي كانت قائمة آنذاك.
وصف الهجرة وترك الديار:
من أبرز ما في القصيدة تصويرها لمشهد الرحيل، إذ يصف الشاعر المهاجرين بأنهم تركوا منازلهم وما فيها من عمران ونخيل رغم تعلقهم بها، فيقول:
بالعز يا ربع من الذل عانوا
خلوا منازلهم قصور طوايل
ثم يقول:
خلوا منازلهم على جال سيف
ما همهم بنيانهم والنخايل
وتبرز هذه الأبيات حجم التضحيات التي قدمها المهاجرون، إذ تركوا مساكنهم وممتلكاتهم في سبيل ما رأوه مصلحة لهم ولأبنائهم.
الدمام وجهة المهاجرين:
ينتقل الشاعر بعد ذلك إلى الحديث عن الوجهة الجديدة للمهاجرين، وهي الدمام، ويصفها بأنها موطن الأمن والاجتماع، فيقول:
ونصوا أهل الدمام لاشطروهم
زبن مخيف وملتقى كل عايل
كما يربط هجرتهم بقيام الدولة السعودية الحديثة بقيادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، فيقول:
ساروا لديرة راعي المجد والثنا
عبدالعزيز اللي من آل وايل
ثم يعدد الشاعر اتساع رقعة الدولة السعودية وما تحقق فيها من وحدة واستقرار، وهو ما يعكس المكانة التي كان يحتلها الملك عبدالعزيز في وجدان كثير من أبناء الجزيرة العربية في ذلك الوقت.
القصيدة:
| جرى مدمعـي مـن مقلـة الـعـيـن سـايـل | ودارت دوالـيـب الـفـكـر بـالـمـثـايـل |
| وأفضيت أنا من قاصي القلب ما زهی | قـبيل ولأني فـيـه بـالـعـون عـايـل |
| يـــــا الله يالـمـطـلـوب يـا والـي الأمـر | طـالـبـك يـاراعـي الـعـطـا والـفـضـايـل |
| تفرج لمـن قـلـبـه لغدا الـهـم دونـه | هـمٍ ثـقـيـلٍ مـا حـدٍ لـه شـايـل |
| أشـوف فـي هـالـوقـت دنـيـا تغيرت | صكت على الأجـواد تنـشل شـلايـل |
| دنيا كفانا الله سـوهـا لـو تـزخـرفـت | لابـد يـاتي درب الـعـدل مـايـل |
| ويـلاه مـن عصر مـضـى مـن قـديـم | راعي الحكم عيسى وحنـا لـه قـبـايـل |
| الـكـل مـنـا مـسـتـريح وهـاجـع | ولا عـرفـنـا الـبـاس وش قـايل |
| والـيـوم يـا حـكـم الانجليز علينا | نطـلـب مـن الله مـا الحكمة طـوايـل |
| أهـل العهد مـا صـدقوا فـي أقوالهم | خـلـو عـهـدهـم والـعـهـد لـه دلايل |
| بـالـعـز يـا ربـع مـن الـذل عـانـو | خـلـوا مـنـازلـهـم قـصـور طـوايل |
| خلو منـازلـهـم عـلـى جـال سـيـف | ما همهم بـنـيانـهـم والـنـخـايل |
| مــدوريـن الـمـدح والله عـانـهـم | ويسـتـاهـلـون الـمـدح بـيـن الـقـبـايل |
| سـاروا لـديـرة راعـي الـمـجـد والـثـنـا | عـبـدالـعـزيـز الـلـي مـن آل وايل |
| شيـخ مـشـت لـه كـل الأقـطـار | غـصـب بأمر الله راعـي الـفـضـايـل |
| مـن سـاحـل عـمـان إلـى حـد رنـيه | ونـجـد تلاهـا قـصـاير وحـايـل |
| ومـن عقـبـهـا الـطـايف ومـكـة ولاهـا | وجـده دخلهـا بأمر منشي المخـايل |
| مـع لابـةٍ فـي طـاعـة الله جـاهـدوا | أهـل الافرنج ومـرصـفـات السـجـايل |
| أيـضـا ويـا ركـب على الأكـوار زمـر | هـجـنٍ هـجـاهـيـج خـبـار أصـايل |
| فـج الـنـحـور وبالـتـواصـيـف كأنهم | مثل القطا طاروا ليا القيـض حـايل |
| انـصـوا بـلادٍ قـديـم غدا لـهـا | وهـي الـبـديـع دار درب الـنـعـايل |
| ابـن حـسـن الله يـجـازيـه رحـمـة | والله بـقـوا حـاشـوا درب الـمـراجـل |
| ودنـوا لـكـل مـا يـطـري الـبـال سـيـرة | مـاشـور سـبـر وخـطـفـوا بـرسـايـل |
| ونـصـوا أهـل الـدمـام لاشـطـروهـم | زبـن مـخـيـف ومـلـتـقـى كـل عـايـل |
| عـدوا سلامي لابن شاهـيـن وأحـمـد | فروخ الأحـرار إلـى تـيـد الفصايل |
| وثـنـوا لـلـي يـكـرم الـضـيـف لا لفى | أبـو مـهـنـا لافـتـه الـمـنـايـل |
| وثنوا سلامـي صـوب شـخـص أوده | ابـن بـطـي سـلـمـان زيـن الخـصـايل |
| يسـتـاهـلـون الـمـدح بـالـعـون كـلـهـم | أفـعـالـهـم مـا تـنسـى والـجـمـايل |
| وصلاة ربـي عـد مـا طـاف طـايف | وعـدد مـا غنـى حـمـام الـرسـايل |
الشخصيات الواردة في القصيدة:
تكتسب القصيدة أهمية إضافية لما تضمنته من ذكر عدد من الشخصيات المعروفة بين الدواسر وأهل الدمام، وهم:
– ابن حسن: الشيخ عبدالله بن حسن آل حسن الدوسري.
– أحمد: الشيخ أحمد بن عبدالله بن حسن آل حسن الدوسري.
– شاهين: الشيخ شاهين بن خميس البنوادي الدوسري.
-أبو مهنا: من أسرة المهنا بالدمام.
– ابن بطي: سلمان من أسرة المانع بالدمام.
وتمثل هذه الأسماء قرائن تاريخية مهمة تساعد في فهم البيئة الاجتماعية التي قيلت فيها القصيدة وربطها بأحداث تلك المرحلة.
القيمة التاريخية للقصيدة:
لا تقتصر أهمية هذه القصيدة على جانبها الأدبي والشعري، بل تتجاوز ذلك إلى كونها وثيقة تاريخية تعكس مشاعر أصحابها تجاه الأحداث التي عاصروها. فهي تسجل موقفاً من التحولات السياسية في البحرين، وتصور هجرة الدواسر من البديع إلى الدمام، وتذكر شخصيات بارزة ارتبطت بتلك المرحلة، مما يجعلها مصدراً مكملاً للروايات التاريخية والوثائق المعاصرة.
ومع أن القصيدة تعبر عن وجهة نظر الشاعر وجماعته، فإنها تبقى شاهداً مهماً على واحدة من أبرز الهجرات التي شهدها تاريخ الدواسر في الخليج العربي خلال القرن الرابع عشر الهجري.
خاتمة:
تمثل قصيدة السيد عيسى بن محمد الرميحي إحدى الشهادات الشعرية المهمة على مرحلة هجرة عدد من الدواسر من البديع إلى الدمام، إذ حفظت جانباً من مشاعر المهاجرين وتصوراتهم تجاه الأحداث التي عاصروها، كما وثقت أسماء شخصيات ومواضع ارتبطت بتلك المرحلة.
وتبرز أهمية القصيدة في أنها لا تقتصر على الجانب الأدبي، بل تعد مصدراً تاريخياً مكملاً للروايات والوثائق المعاصرة، بما تضمنته من إشارات إلى الأوضاع السياسية والاجتماعية في البحرين آنذاك، ووصفها لرحلة الانتقال إلى الدمام والاستقرار فيها. ومن هنا تأتي قيمتها بوصفها نصاً يجمع بين التوثيق التاريخي والتعبير الشعري، ويسهم في حفظ جانب من ذاكرة الدواسر في الخليج العربي خلال تلك الفترة.