تمهيد:
تُعد النقوش والرسوم والوسوم الصخرية من أهم الشواهد الأثرية التي يعتمد عليها الباحثون في دراسة تاريخ الاستيطان البشري والطرق القديمة، إذ تمثل سجلًا تاريخيًا تركه الإنسان على الصخور عبر فترات زمنية متعاقبة. وتزداد أهمية هذه النقوش عندما ترتبط بمواقع عرفت بالاستقرار البشري أو مرور القوافل والمسافرين، لأنها تسهم في رسم صورة أوضح عن تاريخ المنطقة وسكانها.
وقد عُثر في عودة سدير على عدد من الوسوم والكتابات الصخرية المنقوشة على بعض الحجارة بالقرب من تلعة العبادية، وهو ما يعد مؤشرًا على قِدم الموقع وارتباطه بتاريخ موغل في القدم، ويستدعي مزيدًا من الدراسة العلمية المتخصصة للكشف عن أبعاده التاريخية والحضارية.
وصف الموقع:
توجد هذه النقوش والوسوم على عدد من الصخور الواقعة بالقرب من تلعة العبادية في عودة سدير، وتتنوع أشكالها بين رموز وعلامات وخطوط محفورة على واجهات صخرية مستوية نسبيًا، وقد تعرضت لعوامل التجوية الطبيعية عبر فترات زمنية طويلة.
الإشارة إلى الموقع في الدراسات الحديثة:
أشار الأستاذ نايف بن علي القنور إلى هذه النقوش في كتابه “الرسوم الصخرية في سلسلة جبال ثهلان بمحافظة الدوادمي”، حيث ذكر عند حديثه عن موقع حصاة العبادية:
“كذلك كشف في موقع حصاة العبادية عن رسوم صخرية لأشكال آدمية نفذت بطريقة الحفر الغائر” (1432هـ، ص 93).
آراء الباحثين والمتخصصين:
تعددت آراء الباحثين والمتخصصين حول طبيعة هذه النقوش والوسوم وتاريخها، وهو أمر معتاد في الدراسات الأثرية الأولية التي تسبق أعمال التوثيق والتحليل المتخصصة.
فقد ذكر الأستاذ الدكتور سليمان بن عبدالرحمن الذييب أن هذه العلامات تمثل وسومًا ورموزًا بالقلم الثمودي.
أما الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن سعود الغزي فيرى أن هذه النقوش قديمة جدًا، مستندًا في ذلك إلى ملاحظة تحول لون الأحرف المحزوزة إلى اللون نفسه الذي اكتسبته الصخور المحيطة بها نتيجة عوامل التجوية عبر الزمن، وهو ما يدل على مرور فترة طويلة منذ نحتها. ويرى أن عمرها قد يسبق الفترة المسيحية، كما يرجح أن يكون بالقرب من الموقع موضع استيطان قديم أو بئر أو قلتة ماء أو محطة على أحد طرق المسافرين، ويؤكد أن دراسة البيئة المحيطة بالموقع قد تسهم في تحديد عمر هذه النقوش ووظيفتها بصورة أدق.
أما الأستاذ الدكتور سالم بن أحمد بن طيران فيرى مبدئيًا أنها رسوم وعلامات تمثل وسومًا قديمة، وليست نصوصًا ثمودية مكتملة، وإن كانت بعض أشكالها تتشابه مع بعض حروف الخط الثمودي.
في حين يرى الدكتور سلام الموجري أنها حروف من خط المسند الحميري، ويقدر عمرها بنحو ألفي سنة تقريبًا.
أما الأستاذ خالد القحصي فيصنفها ضمن النقوش الثمودية المكتوبة بالمسند البدائي.
قراءة النقوش الصخرية:
تُنفذ النقوش الصخرية عادة من خلال إزالة جزء من سطح الصخر باستخدام أدوات حادة، مثل الإزميل أو ما يقوم مقامه، ويحرص الناقش غالبًا على اختيار واجهات صخرية كبيرة ومستوية نسبيًا لتسهيل عملية النقش وإبراز العلامات بوضوح.
ولا تقتصر هذه النقوش على الكتابات فقط، بل قد تشمل وسومًا قبلية، أو رموزًا دلالية، أو إشارات مرتبطة بأشخاص أو جماعات أو طرق ومسارات قديمة.
وتحتاج قراءة هذه النقوش إلى خبرة علمية متخصصة، إذ تمر عملية تفسيرها بعدة مراحل تبدأ بتحديد الأشكال والحروف المحتملة، ثم جمعها ومقارنتها بالنماذج المعروفة من الخطوط القديمة، ثم محاولة استنباط المعنى، وأخيرًا دراسة النقش في سياقه التاريخي والجغرافي للوصول إلى تفسير أقرب للصواب.
الخلاصة:
تؤكد هذه النقوش والوسوم الصخرية أن منطقة عودة سدير ليست موقعًا حديث النشأة، بل تحمل شواهد أثرية تشير إلى نشاط بشري قديم في محيطها. ورغم اختلاف آراء المختصين حول طبيعة هذه العلامات وتاريخها، فإن اتفاقهم على قدمها يمنحها أهمية خاصة، ويجعلها من المواقع الجديرة بمزيد من الدراسة والتوثيق العلمي، لما قد تكشفه من معلومات جديدة عن تاريخ المنطقة وطرق الاستيطان والتنقل فيها عبر العصور.
صور لهذه الوسوم:
