بقلم: خالد بن برغش البرغش – تمير بسدير
لا تعد المساجد في المجتمع الإسلامي بشكل عام والمجتمع النجدي بشكل خاص مراكز عبادة فقط، فهي كذلك مراكز مجتمعية وثقافية وتعليمية وسياسية، ففيها تتم مناقشة كل القضايا التي تهم المجتمع، وتقام فيها معظم الأنشطة التي تتعلق بحياة الناس بشكل عام، وتعقد فيها حلقات التدريس والتعليم، ويفصل فيها بين الناس، وتجرى فيها عقود النكاح، وتناقش فيها أمور العامة بين أهل العقد والحل.
وهذا الدور المحوري للمسجد جعله من أول مصارف الأوقاف، كونه عام الفائدة، وفي هذه المقالة سنتناول جامع العودة، والمساجد الأخرى فيها، وكذلك من تولى إمامتها، والأذان فيها، وأوقافها.
بلدة العودة:
تقع عودة سدير في منطقة نجد وتحديداً في إقليم سدير بأرض اليمامة على خط طول وعرض N 25,32,49,3 وE 45.40.45.7 على ضفاف وادي الفقي (وادي سدير) في أسفل الوادي، وتبعد عن مدينة الرياض 150 كم من الناحية الشمالية الغربية.
ومسمى العودة قديم، ولا يعرف متى سميت بذلك، فقد وردت في وثائق أهل العودة في أواخر القرن العاشر للهجرة، ومنها وثيقة وقف عامر رئيس العودة (1)، كما ذكرت في مواقع مختلفة في رد الشيخ محمد بن ربيعة العوسجي البدراني على أحمد بن منقور في مسألة الحكم على المدعى عليه غيابياً سنة 1116هـ (2)، وذلك حول قضية دارت أحداثها في عودة سدير، كما وردت في كتاب مخطوطة كتاب “جهان نما” لحاجي خليفة المتوفى عام 1067هـ، حيث ورد النص باللغة العثمانية، وترجمته كما يلي: “عودة سدير يكثر فيها النخيل، وهي ناحية مستقلة، ويوجد فيها زروع وماشية ونخيل”.
وقبل ذلك ذكرها الحسن بن أحمد الهمداني (ت 344هـ) مطلع القرن الرابع الهجري في كتابه الجغرافي “صفة جزيرة العرب” ضمن قرى وادي الفقي حيث قال: “ثم تسند في عارض الفقي فأول قراه جماز، وهي ربابية ملكانية عدوية من رهط ذي الرمة، ثم تمضي بطن الفقي وهو وادي كثير النخل والآبار”، ثم ذكر بعد ذلك: “وكذلك جماز سوق في قرية عظيمة أيضاً”. فقد ذكر هنا أن جماز هي سوق ضمن قرية عظيمة، وهذه الصفة للقرية لم يعطها الهمداني لبقية قرى سدير، مما يدل على مساحتها، ومكانتها تلك الفترة، إلا أنه لم يوضح اسمها ذلك الزمان، هل كان العودة أم غيره.
وحالياً يوجد موقع بقايا بناء يسمى جماز بجانب بلدة العودة من جهة الجنوب الشرقي، وبه بعض آثار البنيان، ويقع فوق تلة أقل ارتفاعاً من الحصن الذي بجانبه، والذي يطلق عليه “قصر غيلان”، والاثنان قريبان من موقع مسافر، وهو موقع قرية كاملة ما زالت آثار حدود مبانيها ووظايمها موجودة حتى الآن (3)، وربما مجموع هذه المواقع الثلاثة بالإضافة لموقع قرية العودة القديمة، كان يشكل القرية العظيمة التي أشار لها الهمداني.
المسجد الجامع:
في العودة مسجد جامع واحد لكل أهل البلدة تقام فيه الفروض بالإضافة لصلاة الجمعة، ومساجد متفرقة تقام فيها الفروض، ويقع المسجد الجامع في وسط البلدة على خط طول وعرض N 25,32,48,5 وE 45,40,44,3، وهو قديم ولا يعرف تاريخ بنائه، ويوجد بجانب الجامع مدرسة ملاصقة لجداره الجنوبي، كذلك يوجد بجانبه مسقات فيها دلو تقع في زاوية الجامع الشمالية الشرقية، وآخر تجديد للجامع بالطين كان في عام 1347هـ، ويوجد فيه خلوة تحت سرحة الجامع.
وبجانبه منارة أسطوانية الشكل، وبنيت على شكل مخروطي بقاعدة أسفل قطرها 5م وأعلى قطرها 1م، ويبلغ ارتفاعها حوالي 23 متراً، وتعد من أطول المنارات في سدير، بناها إبراهيم بن سعد بن سلامة العوسجي البدراني الدوسري، من أهل الصفرات، وهو بنى عدداً من منارات المساجد في حريملاء (4)، وعاونه في ذلك الاستاد حسين التمامي.
وفي عام 1394هـ تم هدم المسجد وبناؤه بالمسلح، وفي عام 1430هـ هدمت المنارة المستحدثة وتم بناؤها على شكل طرازها القديم، وأعيد ترميم المسجد على شكله القديم.
وللمسجد أوقاف متعددة جمعت في بيان كتبه الشيخ منصور ابن الشيخ عبدالرحمن بن عبدالمحسن أباحسين (ت 1246هـ)، ونقلها الشيخ عثمان بن منصور قاضي سدير (ت 1282هـ)، ثم نقلها صقر بن علي سنة 1300هـ، ثم كتب عليها عدد من المشايخ وإضافة أسبال عليها استجدت بعد ذلك، منهم الشيخ عبدالعزيز بن مرشد (ت 1324هـ)، قاضي سدير من سنة 1274هـ إلى سنة 1302هـ، والشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى (ت 1329هـ) سنة 1314هـ، تولى قضاء سدير من سنة 1314هـ إلى 1325هـ، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري (ت 1373هـ)، تولى قضاء سدير من سنة 1324هـ إلى 1360هـ، ونقل جميع القائمة محمد بن حسين الحسين إمام الجامع سنة 1340هـ، ثم نقلها عثمان بن عبدالله بن عمر إمام جامع العطار سنة 1360هـ، ثم نقلها بعد ذلك عيسى بن عبدالعزيز بن خريف، وآخر جمع ونقل لها كان سنة 1371هـ بخط إمام جامع العودة عبدالعزيز بن إبراهيم بن عمران.
الأئمة الذين تولوا إمامة الجامع:
حاولنا في هذا الجزء من المقال جمع بعض المعلومات عمن تولى إمامة الجامع، والخطابة فيه، ورغم نقص المعلومات وندرتها، فقد حرصنا بقدر ما نستطيع أن نجمع مجتهدين ما نستطيع من المعلومات، التي ربما يكون في بعضها عدم دقة في التواريخ، والترتيب، ولكنه محاولة نأمل أن تجد من يحسنها، ويزيد عليها، عند ظهور وثائق ومصادر لم نصل إليها، وممن تولى إمامة الجامع التالية أسماؤهم:
ولد في بلدة عودة سدير (5)، ونشأ فيها، من علماء أول القرن الحادي عشر للهجرة، ويعد من علماء سدير البارزين في زمنه، فقد أخذ العلم من عدد من العلماء، ومنهم: الشيخ محمد أحمد بن إسماعيل قاضي أشيقر (ت1059هـ)، والشيخ سليمان بن علي بن مشرف جد الشيخ محمد بن عبدالوهاب قاضي سدير والعيينة (ت1079هـ)، ثم رحل إلى القاهرة للدراسة في الأزهر، فقرأ على عدد من علمائه، ومنهم: الشيخ مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد ابن بكر بن يوسف بن أحمد الكرمي النابلسي المقدسي (ت1033هـ)، وبعد عودته من الأزهر جلس للتدريس والإفتاء وربما القضاء، تخرج على يده عدد من المشايخ من أشهرهم الشيخ خميس بن سليمان الوهيبي أحد قضاة بلدة أشيقر، وصنف منسكاً باسم: “دليل الناسك لأحكام المناسك”، قال في آخره: فرغتُ من تبييض هذا المنسك عام 1014هـ.
من آل عامر البدارين الدواسر، رأيت في وثائق ناصر العمران وثيقة ورد فيها مقابل اسمه لقب المطوع، والمرجح أنه تولى الإمامة في الربع الأخير من القرن الثاني عشر الهجري، ومن الوثائق التي ورد فيها اسمه وثيقة بيع ملك الصبيحية بثلاث محمديات على عثمان بن عمران، التي شهد عليها سعود بن شويش نقلاً عن محمد بن سلطان، وعبدالله بن وحيمد نقلاً عن صالح البذار، وكتبها حسن بن ضبيب، والمحمدية عملة قديمة استعملت في نهاية القرن الحادي عشر والثاني عشر الهجري، وربما عاصر أمير بلدة عودة سدير منصور بن عبدالله بن حماد (1181هـ – 1191هـ).
من آل محمد بن علوي بن وهيب الحنظلي التميمي، ولد في بلدة أشيقر في منتصف القرن الثاني عشر الهجري تقريباً، ونشأ فيها وتعلم على يد والده الذي كان إماماً لمسجد سوق الشمال في أشيقر، ثم أخذ عن علمائها وكان من أشهرهم في ذلك الوقت الشيخ عثمان بن عقيل السحيمي (ت1182هـ)، والشيخ عبدالله بن أحمد بن بسام، والشيخ عثمان بن عبدالله بن عثمان بن بسام، والشيخ إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن إسماعيل (ت1285هـ)، والشيخ المؤرخ محمد بن عبدالله بن يوسف (ت1225هـ تقريباً)، ثم بعد ذلك رحل إلى المجمعة لطلب العلم فأخذ الفقه عن قاضيها الشيخ أحمد بن محمد التويجري (ت1194هـ)، ثم رحل إلى الدرعية وكانت آهلة بالعلماء فأخذ عن الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب، وابنه الشيخ عبدالله، حتى أدرك إدراكاً تاماً وصار من العلماء المعدودين، تولى القضاء في إقليم سدير وسكن بلدة العودة، وهو قاضيها، ثم عينه الإمام سعود بن عبدالعزيز آل سعود (ت1229هـ) في قضاء حريملاء وملهم، ثم انتقل إلى الزلفي قاضياً زمن الإمام عبدالله بن سعود، وقد تتلمذ عليه عدد من طلاب العلم من أشهرهم الشيخ محمد بن عبدالعزيز العوسجي، والشيخ محمد بن مقرن بن سند الودعاني (ت1267هـ)، وأخوه الشيخ عثمان بن عبدالمحسن أبا حسين (ت1252هـ)، وأخوه الآخر عبدالكريم، والشيخ محمد بن عبداللطيف الباهلي (ت1278هـ) إمام جامع أشيقر، وابنه الشيخ منصور بن عبدالرحمن أبا حسين (ت1246هـ)، توفي الشيخ عبدالرحمن في سنة 1236هـ كما ذكره المؤرخ محمد بن عمر الفاخري، وقد خلف المترجم ستة من الذكور هم: منصور، ومحمد، وعبدالمحسن، وصالح، وحسين، وعبدالعزيز، وأربع بنات هن: سلما، ورقية، وشايعة، ومضاوي، عاصر أمير العودة سلطان بن حسين آخر القرن الثاني عشر الهجري، رحمهم الله.
ولد في بلدة أشيقر في الربع الأخير من القرن الثاني عشر الهجري، تعلم فيها مبادئ القراءة والكتابة ثم طلب العلم في بلدة أشيقر على علماء أسرته، وكان من أشهرهم في ذلك الوقت والده وعمه عثمان بن عبدالمحسن أباحسين، تولى الإمامة في جامع العودة على وقت قاضي سدير الشيخ علي بن ساعد (ت1229هـ)، وذلك بحسب وثيقة رأيتها من وثائق الشيخ عبدالعزيز بن عمران، نورد بعض نصها: “أن سعود الصانع بعدما توفى أبوه حمد، نصبه علي بن ساعد ومنصور أباحسين، حال كون علي بن ساعد قضى في سدير، ومنصور إمام لأهل العودة، وكيل على إخوته”، إلى آخر الوثيقة وهي بخط الشيخ عبدالمحسن ابن الشيخ عبدالرحمن أباحسين، وقد وصف منصور بأنه من علماء المسلمين، وله رسالة إلى الشيخ حمد بن ناصر بن معمر (ت1225هـ) يستفتيه في مسائل، وله خطوط كثيرة في إقليم سدير، ثم انتقل منصور إلى بلد أشيقر وعمل في الزراعة وكتابة الوثائق وخطه معتبر، تولى الإمامة في مسجد سوق الشمال وفي الجامع بأشيقر، وتزوج الشيخ منصور موضي بنت حمد بن عبدالله بن ريس راعي الحصون، وأنجبت ابنه حسن وأربع بنات، ورأيت وثيقة من وثائق الريس في الحصون ذكر أبناء الشيخ منصور وهم: حسن، وهيلة، ولولوة، عاصر أمير البلد سلطان بن حسين، وحسين بن سعيد، توفي الشيخ منصور عام 1246هـ، رحمه الله رحمة واسعة.
أرجح أنه تولى الإمامة، ولم أجد له ترجمة، ولكن أسرته موجودة في العودة، ثم انتقل إلى بلدة عشيرة بسدير وتولى إمامة جامعها، وله ابن اسمه عبدالله، وكان يوجد منهم في بلد تمير أسرة منهم علي البذار جد أسرة الخريف لأمهم، كذلك لهم وجود في جنوبية سدير.
ربما أنه حسن بن حمد بن ضبيب من أهل المجمعة، تولى الإمامة في بلدة العودة بعد الشيخ منصور أباحسين، وله ولد اسمه إبراهيم كاتب مشهور عند المشايخ والقضاة في المجمعة، وخط الابن جميل ومتميز، اطلعت على وثيقة كتبها في عام 1262هـ.