أ. د. عبدالعزيز بن سعود الغزي

قسم الآثار، كلية السياحة والآثار- جامعة الملك سعود.

الجزء الأول:

المصدر: عبدالعزيز بن سعود الغزي، “وادي سدير بين التاريخ والآثار”، صحيفة الرياض، العدد (23461).

تنطوي الأيام وتزول الليالي والإنسان هو الإنسان ذلك المخلوق الضعيف الباحث عن ملاذ من نفسه في المقام الأول ومما يحيط به في المقام الثاني. يتميز الإنسان والحيوان والطير بحب الانتقال بدافع الخوف والبحث عن المأوى أو الملاذ. فالطير يهاجر وبعضه ينقطع لا يواصل الهجرة أو يتوقف، والحيوان يهاجر وبعضه ينقطع لا يواصل الهجرة أو يتوقف، والإنسان يهاجر وبعضه لا يواصل الهجرة أو ينقطع، لأسباب عديدة حاجتنا إلى ذكرها في حكم العدم. مواطن انقطاع هجرة الطير هي البيئات المناسبة بمائها ومناخها ونباتها وربما استوطن وربما مات وربما واصل هجرته ليلاقي حتفه المقدر. ومواطن انقطاع هجرة الحيوان هي البيئات ذات الغطاء النباتي والوفرة المائية، ولكنها هجرة في اتجاه واحد خلاف هجرة الطير ذات الاتجاهين، ذهاباً وإياباً. ومواطن انقطاع هجرة الإنسان هي الواحات والأودية والأنهار ومواطن الاستقرار، والأهم أن تكون تلك الأمكنة بعيدة عن مواطن وجود الذلّ والاضطهاد. وإن اجتمعت تلك الظروف للجميع، فالإنسان ينفرد عن الحيوان والطير بكونه يهاجر في سبيل البحث عن مكان يجد فيه حريته وكرامته ونفسه.

ونجد أن قلب الجزيرة العربية من المناطق الحصينة والبعيدة عن مواطن القوى في العهود المبكرة. ويعرف قلب الجزيرة العربية بأسماء عديدة كل اسم يعين منطقة من الأرض محددة كالشعيب والمحمل والعارض وغيرها وربما يكون الاسم علماً على أحد أودية المنطقة. وتأتي من بين تلك المناطق منطقة واسعة تعرف باسم سدير، ذلك الاسم الذي يظن البعض أن مرده إلى شجر السدر الذي يُذكر أنه يتوفر في الوادي المعروف بذات الاسم، أو أنه مستمد من اسم يُذكر أن اسمه “صدير” ثم حُرّف إلى “سدير”.

وبالمناسبة يستحسن أن نذكر أن أهل روضة سدير كانوا يطلقون على أحد فرسانهم الصناديد وأحد أكبر شعرائهم المبدعين رميزان بن غشام التميمي لقب “أبو صدير” الذي استطاع أن يتأمر في روضة سدير لفترة من الزمن بالرغم من منافسة أبناء عمه له والقصة مدونة في كتب التاريخ ذات العلاقة. وشجاعته وإصراره على المنافسة يتجلى في قصيدته التي منها قوله:

أسري لها عقب العتيم بساعة

وبالكف من صنع الهنود مصقلي

أخاف من سبع الظلام يهومني

يبغي عسا اني منه اذل واجفلي

ما لي احذا سيف صديق صادق

يضحك إلى ناش حد المفصلي

يا جبر حد السيف مفتاح الفرج

تراه لصعوب الرجال يذللي

وقصيدته التي منها قوله كما ترد في كتاب أحمد بن عبدالله الدامغ “روضة سدير عبر التاريخ، من نشأتها إلى حاضرها المشرق”:

حكرنا لها وادي سدير غصيبه

بسيوفنا اللي مرهفات حدودها

جرى لنا في مفرق السيل وقعه

اللي حضرها مالك الله يعودها

برجال أمضى من ليوث الشرائع

سعيدية نسبة ضراغم اسودها

وإن كان يتحلى بتلك الصفات التي تعكس جانب القسوة والشجاعة فإن بعض قصائده تدل على ميله إلى العقل والتأني، ومنها قوله:

وكم قاعد بالظل وانزاح ظله

وكم قاعد في الشمس وجاه ظلال

فلا تكن مفراح إلى نلت طوله

ولا تجزع إلى يوم ينالك حال

ومع جمعه للقسوة والحكمة كان محباً لتطوير بلدته فيذكر الدامغ أنه بنى سداً يسمى “سد السبعين” لاحتوائه على سبعين عبارة ونشر صورة جميلة للسد.

وسدير منطقة ذات بيئات متنوعة وقرى جميلة بواحات بساتين يانعة خضراء شاهدناها يوم كانت تسقى على السواني وأمديتها متقاربة وأحواض محصولاتها متلاصقة وبرك مياهها تفيض بالماء. أظن أن مناظر الأمس أكثر جذباً للبعض، لي ولمن هم في حكمي، من مناظر اليوم وبريقه الذي لا اظنه إلا تقليداً قياساً بما كان في الأمس. وعلى أية حال أراضي سدير متنوعة في بيئاتها ومواقعها وطبوغرافيتها تكونها قرى عديدة تسكنها مجموعات بشرية جاءت من هنا ومن هناك تنتمي إلى قبائل عربية متعددة ومنها من ينتمي إلى قبائل عربية تسبق ظهور الإسلام في انتشارها في وسط الجزيرة العربية ومن ضمنها أراضي سدير.

يتكون سدير من العديد من القرى والبلدات المتناثرة في الأدوية والتي قامت في أماكن داخلة في قلب الجزيرة العربية تكتنفها التلال والجبال وتفصلها مسافات عن مراكز القوى ولذا تميزت قرى وبلدات سدير بالحذر الشديد والحيطة المتمثلين بالمنشآت المعمارية التي منها الأسوار العامة التي تحيط بالقرى والبلدات بالكامل، والتي منها أسوار المزارع التي تتميز بالضخامة والارتفاع، فإلى عهد قريب يشاهد المسافر من الرياض إلى الزلفي مع الخط القديم قرى سدير الواحدة تلو الأخرى إلا ما كان موقعه مجانباً للطريق وأغلبها إن لم تكن جميعها محاطة بأسوار حصينة.

الجزء الثاني:

المصدر: عبدالعزيز بن سعود الغزي، “وادي سدير بين التاريخ والآثار (2)”، صحيفة الرياض، العدد (23327).

لا يوجد في الكتب التاريخية والبلدانية معلومات عن استيطان بلدات وادي سدير إلاّ القليل، ولقد عدد البلدانيون عدداً من بلدات وادي سدير في معرض حديثهم عن طرق الحج والتجارة التي تمر عبر الجزيرة العربية وذكروا من كان يقيم فيها في وقتهم وفي أوقات قد تؤرخ إلى ما قبل الإسلام وعلى وجه الخصوص فترة الجاهلية، أي المئتي عام السابقة لظهور الإسلام. وربما أن هناك معلومات جيدة في الكتب التي أصدرتها الرئاسة العامة لرعاية الشباب عن مدن المملكة العربية السعودية والتي من بينها بعض مدن سدير مثل جلاجل والعودة والمجمعة والروضة.. إلخ. ويرد في تلك الكتب جمع لشتات من المعلومات المتناثرة في كتب التاريخ والبلدان، والأدب، والشعر، والسكان الحاليين وربما فترة سكناهم في المدينة التي يوجدون فيها.

ومع ذلك فهناك معلومات جميلة لم تقدم بعد عن وادي سدير وقراه وبلداته توجد في كتب الرحالة الغربيين الذين قدر لهم ان يزوروا وسط الجزيرة العربية وقدر لهم ان يمروا في بعض بلدان وادي سدير مثل وليم بالجريف والكابتن شكسبير وهاري سنت جون بردجر فيلبي وغيرهم.

أما فيما يخص الآثار، فإن الدراسات الآثارية قليلة جداً، وأولها ذكر لسدير في مقال نشرته وكالة الآثار والمتاحف عام 1977م احتوى على نتائج مسح قامت به للاقليم الشمالي من المملكة العربية السعودية. ومع تلك النتائج جاء ذكر لموقعين في سدير أحدهما يعود إلى ما قبل خمسة عشر ألف سنة من الوقت الحاضر، أي أنه يعود إلي العصر الحجري الوسيط، والآخر يعود إلى الفترة النبطية حيث وجد فيه نقوش شخصت من قبل مكتشفيها على أنها حزّت بالخط النبطي.

أما العمل الآثاري الرئيس الذي نفذ في اقليم سدير فهو مسح واحد أنجزته وكالة الآثار والمتاحف السعودية عام 1417هـ بإشراف الدكتور إبراهيم الرسيني المستشار في الوكالة المذكورة، ونشرت نتائجه في العدد السادس عشر لحولية أطلال التي تصدر عن تلك الوكالة والمنشور عام 1421هـ . وفي واقع الأمر خصص هذا العمل ليمسح مدينة المجمعة والمراكز التابعة لها؛ والمراكز هي: آشي، والخيس، والعمار، وحرمة، وأم سدرة، ومشذوبة، والحائر، والفروثي، والرويضة، وجلاجل، والتويم، وروضة سدير، والداخلة، وحوطة سدير، والجنوبية، والمعشبة، والحصون، والعودة ومبايض، والشعيب، وبويضاء، وجوي.

جاء هذا العمل بنتائج جيدة فيما يخص استيطان سدير في العهود القديمة أي تلك السابقة على ظهور الإسلام. وبالإضافة فقد جاء بنتائج جديدة فيما يخص استيطان سدير في العهود الإسلامية. ويشكل هذا الموسم بشكل عام موسم اكتشافات مذهلة فيما يخص وادي سدير حيث كشف عن مواقع آثارية متنوعة زمناً ونمطاً وحجماً. فعرّف مواقع تعود إلى العصور الحجرية، ومواقع للمنشآت الحجرية المتنوعة منها الدوائر ومنها المدافن الركامية ومنها الرجوم ومنها أعلام الطريق. واستطاع هذا الموسم ان يضيف عدداً من مواقع النقوش والكتابات القديمة إلى المواقع المعروفة مسبقاً. ولعل اكتشاف عدد من الكهوف والمغارات في هذا الموسم من أهم الاكتشافات نظراً لأحجامها المناسبة للاستخدام البشري، ولذا يمكن أن يكتشف فيها مواد ذات صلة بإنسان عصور موغلة في القدم.

وسجل المسح عدداً من البلدان التراثية بما تحتويه من منشآت، وسجل عدداً من المساجد القديمة واصفاً سعتها ومادة بنائها وتقسيماتها وخلواتها وصحونها وحالتها التي هي عليها، ومدرسة تراثية هي مدرسة الصانع في بلدة المجمعة. وسجل المسح عدداً من المراقب القديمة الفردية كمرقب المجمعة ومرقب جلاجل أو تلك الملحقة بالحصون والأسوار والتي توجد تقريباً في كل بلدة تراثية وصفت في تقرير المسح المنشور. وسجل فريق المسح عدداً من السدود والحواجز المائية.

ونذكر أن من أهم المكتشفات خلال هذا الموسم عدد من القصور التي يمكن ان يستفاد من دراستها في عدة جوانب منها جانب نمطية استيطان الأودية وشعابها فيما قبل العهد الحاضر. ولا شك أن تلك القصور مهمة في معرفة تاريخ سكنى أو إعادة سكنى بلدة ما. ومن أهم القصور المكتشفة قصر ابن مخلص في مركز جلاجل والذي يعد كما جاء في التقرير أقدم رجل سكن تلك البلدة. من بين القصور المهمة قصر غيلان في مركز عودة سدير والذي يقوم على رابية عالية ويحيطه سور ضخم ويظن أن كنوز صاحب القصر مدفونة في بئر داخل القصر. ويمثل قصر آل عبدالجبار في مركز آشي مستوطنة صغيرة يطوقها سور ضخم وتتحكم في الوادي الذي تقوم فيه.

ومما لا شك فيه أن هناك اكتشافات عديدة قدمها هذا المسح الذي قاربت مدة تنفيذه الشهرين وغطى خلالها مساحة واسعة. ويدل تنوع المكتشفات والمواقع المكتشفة بالرغم من مدة التنفيذ القصيرة قياساً بسعة المساحة المغطاة على غنى هذا الوادي وامتداد تاريخ استيطانه. وأقول وأنا قريب من الحقيقة أن المزيد من الأعمال الآثارية في بلدات هذا الوادي سوف يساهم في كتابة تاريخ العديد منها، وكشف جوانب من الغموض الذي يكتنف بعض المعلومات التاريخية التي تعرف اليوم.

تعليق الموقع:

تُعد هذه المقالة من المحاولات التي لفتت الانتباه إلى الأهمية الأثرية لوادي سدير، وربطت بين المعطيات التاريخية والنتائج الآثارية المتاحة آنذاك. ورغم ما شهدته الدراسات التاريخية والآثارية من إضافات واكتشافات جديدة، فإن المقالة تبقى شهادة مهمة على الاهتمام العلمي بتاريخ الوادي وآثاره، وتبرز الحاجة إلى مزيد من الدراسات الميدانية والبحثية لاستكمال صورة الاستيطان البشري في سدير عبر العصور.