سنة 1343هـ

1924–1925م تقريبًا

سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألفالقرن الرابع عشر الهجري

282 خبرًا من 12 كتابًا

تصفية الأخبار وترتيبها

رُتّبت الأخبار بحسب الشهر الذي تذكره الجملة الأولى من الخبر، وما لم يُذكر فيها شهر جاء بعدها في «دون شهر محدد» بترتيب الكتب. الترتيب تقريبي، وكل رواية مستقلة.

صفر 13 خبرًا

فُتح الطائف في 7 صفر.

سقطت الطائف في يد الإخوان يوم الجمعة 6 صفر سنة 1343. وذلك أنه لما وصلت أخبار هزيمة الجيش الهاشمي في الحوية إلى مكة أمر الملك حسين ابنه الأمير عليًّا بإنجاد الجيش، فجاء مسرعًا بسرية من الخيالة وأخرى من الهجانة، ووصل يوم الخميس 5 صفر فدخل الطائف ثم خرج منها عصر ذلك اليوم ليعسكر في الهدا، أما النجدة التي سارت في طريق السيل فلم تصل إلا بعد سقوط الطائف. وكان جيش الإخوان يزداد عددًا وقوة، فاضطر الجند النظاميون إلى التقهقر إلى داخل مدينة الطائف. وفي صباح الجمعة 6 صفر تقدم الإخوان حتى صار رصاصهم قرب الظهر يقع داخل السور، فاستولى الذعر على الأهالي، وخرج في أصيل ذلك اليوم أمير الطائف الشريف شرف بن راجح ووزير الحربية وجنوده النظاميون وسائر الأمراء والموظفين. وبعد خروجهم بساعة أو ساعتين، في غسق يوم 6 صفر الموافق 7 سبتمبر، دخل الإخوان الطائف يطلقون بنادقهم في الأسواق فقتلوا أناسًا كثيرين. وفي صباح السبت دخل سلطان بن بجاد ببقية الجيش فكفّ الجنود عن القتل، لكنه أمر بجمع السلاح وتفتيش البيوت، فسيق الأهالي نساءً ورجالًا إلى حديقة شبرا وحُبسوا فيها ثلاثة أيام ثم أُطلقوا. وأُمر أهل مكة الذين كانوا في الطائف بالرحيل إلى مكة مشاة، فخرجوا من طريق كرا جياعًا عطاشًا حتى أدركهم أهلهم وأصحابهم بالركائب والزاد، وتعب من لم يكن له منهم أقارب ولا أصحاب غاية التعب. واحتجز الإخوان سبعة من أهل مكة هم عبدالقادر الشيبي وإسماعيل الدهلوي وقازي إسحاق وصادق المجددي وبكر البوقري وأحمد عدس ومحمد نور ملائكة، وأودعوهم القشلة حتى يدفعوا سبعة آلاف جنيه. ونُهب أهل الطائف فذهب بعضهم إلى الحجاز وبعضهم إلى مكة. وأقام الأمير علي معسكره في الهدا، ثم تقهقر بعد أيام إلى البازان بين عرفة والمزدلفة فأقام هناك بعسكره.

في شهر صفر سنة 1343 وردت إلى السلطان عبدالعزيز قبائل من جهات ينبع والوجه وأملج تطلب الأمان والدخول في العهد، فدخل في الطاعة وأدى الزكاة أبو العسل شيخ رفاعة، وعوادة بن عواد وقبيلته، وسليمان بن عديوان وجماعته، وحمود بن محمد وقبيلته، ومرشد بن زويد وجماعته، وحدود هؤلاء من وادي ينبع إلى نبط أملج. ودخل في الطاعة وأدى الزكاة من جهينة عبدالله بن عبيد وجماعته العلاويون، وراشد الحميدي بن سلامة وجماعته الحمدة، وعابد بن جلدة وجماعته المحيا، وعبدالله بن فياض السميري وجماعته السمرة، وعيد بن بركي وجماعته الغوابدة، وعبد المعطي وجماعته حبيش، ومن حاضرة جهينة القاضي مسعد وقبائله، وعيسى بن صايد وجماعته، ومحمد العزيري أمير السويد، وجابر العياشي، ومن حرب حميد بن ربيع وجماعته الصخور، وسليمان السويس وجماعته السرحة، وشيلة الوافي وجماعته الوفيان، وعبدالرحمن بن عمران الحيدري وجماعته الحيادرة.

في صفر سنة 1343 غزا فيصل الدويش ومعه أهل الأرطاوية وغيرهم، فأنذر به الأعراب الحدريون، فمنهم من عبر الشط ومنهم من بقي في مكانه، ثم رجع الدويش إلى بلده دون أن يغير.

وبعد هذا المؤتمر زحفت قوة من الأخوان مؤلفة من أهل الغطغط على رأسهم سلطان بن بجاد، ومن أهل عرجاء والعسيلة وساجر أهالى هجر عتيبة، وأهل هجر قحطان عن بكرة أبيهم، وأهل الخرمة ورنية وعلى رأسهم الشريف خالد بن منصور بن لؤى فزحفت هذه الجيوش قاصدة الطائف، ولم تعلم بهم الحكومة الهاشمية إلا بعد أن وصلوا الحوية قرب الطائف وذلك فى شهر صفر عام 1343هـ فاستيقظت الحكومة الهاشمية وأصدرت أمرها لناظر الحربية صبرى باشا بالدفاع فأصدر أمره إلى الجنود نحو أربعمئة جندى ومعهم عدة مدافع ورشاشات وانضم اليهم كثير من البدو فاصطدموا بالأخوان ونشبت بينهم معركة حامية الوطيس قدامت أكثر من ساعة تقهقرت بعدها الجنود الهاشمية ورابطت في جبال (شبرا) وشرعت تطلق على الأخوان نيران مدافعها ورشاشاتها. واستمروا ثلاثة أيام فى مناوشات لم يتمكنوا من صد الأخوان وعندما وصلت أخبار الهزيمة الأولى إلى مكة أمر الحسين بن على ابنه عليا بانجاد جنوده فجاء الأمير على بسرية من الخيالة وأخرى من الهجانة فوصل مدينة الطائف فى الصباح وخرج منها عصر اليوم ليعسكر فى جبل (الهدى) ويتحصن فيها، وكانت جنود الأخوان تزداد قوة وانتصارا على المدافعين، وكان رصاص بنادقهم يصل داخل المدينة وقت الظهيرة، فوقع الخوف والرعب على الأهالى، فكان الأشراف في مقدمة الهاربين عن المدينة وخرج في ذلك اليوم الشريف شرف بن راجح أمير الطائف ومعه جميع الأشراف ثم ناظر الحربية وجنوده النظامية ثم جميع الموظفين وجميع حملة السلاح من البدو ،وغيرهم خرجوا من الطائف وتركوا أهلها المساكين طعمة لرصاص الأخوان ولحقوا بالأمير على في جبل (الهدى). وبعد خروج الأشراف وجميع الجنود والموظفين بساعة واحدة داهم الأخوان البلد بعد العصر كالسيل الجارف وفتكوا بأهلها المساكين وقتلوا كثيرا منهم ممن لا ذنب له !. وفى الصباح من يوم السبت 8 صفر دخل البلد سلطان بن بجاد والشريف خالد بن لؤى، وقد تخلفا في مؤخرة الجنود فدخلا الطائف وكفا الأخوان عن القتل وعن بقية الأهالى وتم لهم الاستيلاء على الطائف وضواحيه.

مكان الوقوع: الحجاز (الطائف)

أما الأمير على فعندما وصلت فلول جنوده المنهزمة اليه فى الهدى فر هاربا بمن معه من الهدى إلى مكة وعندما وصل إلى عرفات غضب عليه والده الحسين وأوقفه في عرفات، وشرع يعد ما يستطيع اعداده من القوة لاسترجاع الطائف فجمع جميع ما يملكه من القوة ومن شتات جنوده، وممن كان يستطيع تجنيده من البدو، فجمع في تجنيده الجديد خمسمئة من الجنود النظاميين من البدو ومئتين من أهل مكة وسيرهم إلى ابنه على في عرفات، وأمره أن يرجع إلى قتال الأخوان وإخراجهم من الطائف فمشى الأمير على بهذه القوات من عرفات إلى الهدى، وكان الأخوان قد علموا برجوعه فزحفوا اليه في (الهدى)، وفى آخر الليل من ليلة 26 صفر عام 1343هـ هجموا عليه هجوما شديدا واعملوا السيف فى رقاب الجند واحتلوا (الهدى واستولوا على جميع ما كان مع الشريف من المدافع والرشاشات والاسلحة والذخائر والمؤن، وفر الأمير على ومن سلم من القتل تلك الليلة وعادوا إلى مكة.

مكان الوقوع: الحجاز (عرفات والطائف)

زحف سلطان بن بجاد والشريف خالد بن منصور بن لؤي بجيش من الإخوان إلى الطائف، فوصلت سراياه إلى الحوية في أول صفر وهزمت الجنود النظاميين؛ ثم دخل الإخوان الطائف في غسق السابع من صفر بعد خروج أمير الطائف ووزير الحربية والجنود النظاميين منها للحاق بالأمير علي، فقتلوا عددًا من الأهالي ونُهبت البيوت؛ ولما دخل سلطان بن بجاد في صباح السبت كف الجنود عن القتل، وأمر بجمع السلاح، فحُبس الأهالي في حديقة شبرا ثلاثة أيام ثم أُطلق سراحهم.

اشتبك نحو ألفين من الإخوان مع جيش الأمير علي بن الحسين قرب الهدى في السادس والعشرين من صفر من نصف الليل إلى الضحى، فانهزم الجيش الحجازي وتقهقر الأمير علي إلى الكر بسفح جبل كرا؛ ثم أمره والده بالهاتف بالرجوع إلى الهدى فعاد، فانهال عليه رصاص الإخوان في منتصف الطريق فقفل راجعًا؛ وتوقف الإخوان بعد النصر في الهدى فلم يتعقبوا فلول الجيش الهاشمي ولم يهاجموا مكة.

وصلت سرايا الإخوان بقيادة سلطان بن بجاد وخالد بن لؤي إلى الحوية في أول صفر؛ فهزمت القوة الحجازية التي خرجت من الطائف، وتراجعت القوات المدافعة إلى الهضاب المجاورة للمدينة. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

دخل الإخوان الطائف في غسق السابع من صفر بعد انسحاب الجيش الحجازي والأشراف؛ ووقع قتل ونهب في تلك الليلة، ثم دخل سلطان بن بجاد ببقية الجيش فأوقف القتل وأمر بجمع السلاح وتفتيش البيوت، وحبس الأهالي في شبرا ثلاثة أيام قبل إطلاقهم. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

حاول علي بن الحسين استرجاع الطائف بجيش حجازي، فالتقى بقوات الإخوان في الهدى في السادس والعشرين من صفر؛ واخترق الإخوان جبهته وانهزمت قواته إلى الكر، ثم توقف المهاجمون في الهدى. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

وفي صفر غزا فيصل الدويش من الأرطاوية مشملاً ومعه من أهلها نحو ١٩٠٠، وخيله ٤٠٠، وتلاقى عليه من أهل الهجر الموالين له ومن غيرهم نحو ٥٠٠٠، وخيل ٤٠٠، فرجع دون طائل.

فُتحت الطائف في 7 صفر.

ربيع الأول 32 خبرًا

فُتحت مكة المكرمة في 18 ربيع الأول على يد الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل، وجرى فتحها بيسر دون قتال ولا سفك دماء.

انتقل جيش الأمير علي في 4 ربيع الأول سنة 1343 من البازان وأقام معسكره في الأبطح. فلما رأى أهل مكة زحف العساكر وشاع أن الإخوان خرجوا من الطائف قاصدين مكة، خرج الناس إلى جدة أفواجًا رجالًا ونساءً، ركبانًا ومشاة، ليلًا ونهارًا، وكان قد خرج قبلهم عند سماع خبر الطائف كثير من مشاهير التجار والعلماء والأئمة والخطباء والمطوفين. ولقي الذين خرجوا مشاة أخيرًا تعبًا شديدًا من المشي وحرّ الشمس وقلة الماء حتى مات بعضهم في الطريق من الظمأ. ولما وصل نحو ألف منهم إلى بحرة أبرق مدير البرق بخبرهم إلى جدة، فأرسل أهل الخير من أهالي جدة المراكب والطعام والشراب حتى أوصلوهم إلى جدة وأنزلوهم في مكان واسع. وفي أوائل ربيع الأول خرج كبار الموظفين إلى جدة، مثل الشريف عبدالله باشا وقاضي القضاة الشيخ عبدالله سراج ويوسف القطان وناناجه وعبدالوهاب قزاز وموظفي الحميدية ومحرري الجريدة وغيرهم.

قدم الشريف عبدالله باشا صهر الملك حسين القاهرة في 7 ربيع الأول سنة 1343، وروى لأحد زائريه حوادث الطائف. فذكر أن الوهابيين اجتازوا حدود الحجاز بما لا يقل عن خمسة آلاف مقاتل، وأن عدم استعداد الحجاز نشأ عن اعتقاد الملك حسين أن سلطان نجد لا يهاجمه إلا بمن انضم إليه من الحجازيين، وأن حامية الطائف تكفي لصد الغارات. وذكر أن الوهابيين تجنبوا مركز وادي كليخ شرقي الطائف، وهاجموا المراكز الثانوية في وادي جليل ووادي الأخيضر ووادي مسرة واستولوا عليها، ثم احتلوا شويحط والحوية، فلجأ كثير من أهل الطائف إلى القرى. وخرج صبري باشا وزير الحربية والشريف شرف قائمقام الطائف بمائتي جندي إلى شويحط ثم عادا، وجُنّد متطوعون وسُلّح الأهالي. ولما سقط جبل شرقرق الذي رابطت فيه قبيلة الطلحات من هذيل وجبل المدهون، أمر وزير الحربية بالجلاء عن المراكز إلى داخل الأسوار، فاضطربت المدينة وانهارت المعنويات. وكان الأمير علي قد وصل بقوة من الفرسان تاركًا المدفعية والمشاة في الطريق، فأرسل رشدي بك الصفدي ليأتي بها، ثم اضطر إلى الجلاء عن الطائف بحماية قوة من بني سفيان إلى الهدا. ففتح فريق من السكان الباب الشمالي للغزاة، وسادت الفوضى الليل كله لأن قادة الوهابيين كانوا في مكان يقال له دما، فسُلبت المدينة ونُهبت، وجُمع أهلها في قصر شبرا، ثم أعيدت الحال إلى مجراها. وذكر أن الأمير عليًّا أقام في الهدا أربعة أيام وطلب العودة إلى مكة فرفض والده، فانتقل إلى البازان نحو أسبوعين يعدّ للدفاع، ثم عاد إلى الهدا فدارت معركة شديدة كثر فيها القتلى والجرحى، وبلغ الوهابيون معسكره بحركات التفاف أوقعت الرعب في الجيش، فرجع إلى البازان. وبدأت الهجرة بشدة، وساءت الحال في مكة وجدة، فجعل الناس يفكرون في حمل الملك حسين على التخلي عن العرش.

تنازل الملك الشريف حسين بن علي عن عرش الحجاز في 4 ربيع الأول سنة 1343. وذلك أن مائة وأربعين من الأعيان والعلماء والتجار الحجازيين في جدة أبرقوا إليه بأن البلاد وقعت في الفوضى بعد فناء الجيش وعجز الحكومة عن صون الأرواح والأموال، وأن الأمة قررت نهائيًا طلب تنازله وتنصيب ابنه الأمير علي ملكًا دستوريًا على الحجاز فقط، على أن ينزل على رأي المسلمين وأهل الحجاز، وأن يكون للبلاد مجلسان: مجلس نيابي وطني، ومجلس شورى من أعضاء منتخبين من المسلمين على اختلاف بلادهم. فأجابهم الحسين بأنه مستعد للتنازل بكل ارتياح إن عيّنوا غير علي. ولما كلّمه الشيخ طاهر الدباغ بالهاتف رفض التنازل لابنه علي قائلًا إنه وابنه شيء واحد، واقترح عليهم أن يختاروا الشريف علي أمير مكة السابق أو أخا الحسين ناصرًا أو خديوي مصر عباس حلمي أو غيرهم من الأشراف. فأرسلوا إليه برقية أخيرة بأن الحال حرجة، وأنه إن لم يتنازل للأمير علي فليتنازل لتتمكن الأمة من تشكيل حكومة مؤقتة، وإلا فدماء المسلمين على عاتقه. فأجاب في الساعة الرابعة من الليل بأنه قبل التنازل بكل ارتياح، وطلب أن يعيّنوا مأمورين يتسلمون البلاد.

تأسس الحزب الوطني الحجازي في جدة في ربيع الأول سنة 1343. وذلك أنه لما رأت الأمة امتناع الشريف حسين عن التنازل وعدم قبول ابنه علي الملك، اجتمع الأعيان في دار الشيخ محمد نصيف ودعوا الأهالي إلى انتخاب حزب يمثلهم. فانتُخب بأغلبية الأصوات اثنا عشر عضوًا: من أهل جدة محمد طويل ومحمد طاهر الدباغ وسليمان قابل وقاسم زينل وعبدالله رضا ومحمد نصيف ومحمد صالح نصيف، ومن أهل مكة صالح شطا وعبدالرؤوف الصبان ومحمود شلهوب وشرف بن راجح وماجد كردي، ورئيسه محمد طويل. ولما جاء الخبر بأن الأمير عليًّا قبل الملك رأى الحزب أنه يكفي لإدارة الأمور، لكن محمد طويل حذّرهم من الفوضى، فذهبوا إلى دار الحكومة وبايعوا الأمير عليًّا ملكًا. وألقى سكرتير الحزب طاهر الدباغ خطبة البيعة على أن يكون ملكًا دستوريًا على الحجاز فقط، ينزل على رأي الأمة، ويكون للبلاد مجلس نيابي وطني تنتخبه الأقطار الحجازية بموجب قانون أساسي تضعه جمعية تأسيسية، وأن تدار الشؤون الداخلية والخارجية بوزارة دستورية مسؤولة أمام المجلس، وعلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله. وأبرقت الهيئة في 5 ربيع الأول إلى الشريف حسين بأن البيعة تمت لابنه وأن المنتظر منه مغادرة البلاد. وتوجه الملك علي بعد العصر من يوم البيعة إلى مكة بالسيارة ومعه ثمانية أنفار، وبقي الحزب يوالي جلساته ويعمل بما يراه صالحًا.

نادى المنادي في مكة بعد صلاة الظهر في 5 ربيع الأول سنة 1343 بأن الملك الشريف حسين تنازل عن الإمارة، وأن الأمة انتخبت ابنه علي بن الحسين ملكًا.

كتب الحزب الوطني الحجازي في ربيع الأول سنة 1343 إلى السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود سلطان نجد، يذكر أن الخلاف بينه وبين الشريف حسين كان لأسباب تعود إلى شخص الحسين لا إلى الأمة، وأن الحجازيين المجتمعين في جدة من أهلها وأهل مكة والطائف والأشراف والبدو حملوا الحسين على التنازل، وبايعوا ابنه الأمير عليًّا ملكًا على الحجاز فقط بشرط أن ينزل على رأي الأمة الإسلامية. ورجا الحزب من السلطان إيقاف الجيوش عند آخر نقطة وصلت إليها، والموافقة على إرسال مندوبين للمفاوضة فيما يجب لحفظ الأرواح والأموال في البلاد المقدسة. ولما أبطأ الجواب أبرق الحزب في 15 أكتوبر عن طريق البحرين إلى القصيبي وكيل سلطان نجد، بتوقيع السكرتير العام طاهر الدباغ، بأن الحجازيين خلعوا الحسين وبايعوا الأمير عليًّا ملكًا على الحجاز فقط، وطلبوا إرسال مندوب سريعًا للمفاوضة. فأجابت حكومة نجد في 17 ربيع الأول بأن الرسالة الرسمية الخاصة بالصلح لم تصل، وأنه لا يمكن نشر روح السلام في الجزيرة ما دام الحسين وأنجاله حكامًا على الحجاز، وأن نجدًا لا تطمع في الحجاز وتترك للعالم الإسلامي وضع نظامه، فإذا خرج الحسين وأولاده منه فأهله آمنون، وأنها أرسلت التعليمات اللازمة بذلك إلى رؤساء الجيش.

غادر الشريف حسين بن علي مكة بعد صلاة الصبح في 10 ربيع الأول سنة 1343 متوجهًا إلى جدة، فأقام فيها ستة أيام لم يقابل فيها أحدًا من الناس. وأعلن قبل سفره منها أنه لم يستنجد بالإنكليز ولم يطلب مساعدتهم في القتال الدائر بينه وبين ابن سعود، وأن كل ما في الأمر أنه كلّف وكيله في لندن أن يلفت نظر ولاة الأمور البريطانيين إلى أعمال ابن سعود. ثم توجه على يخته «الرقمتين» إلى العقبة فأقام بها.

أخلى الملك علي بن الحسين مكة ليلة السادس عشر من ربيع الأول سنة 1343. وذلك أنه أقام فيها أسبوعًا بعد البيعة، ثم رأى أن قوة الدفاع لديه لا تكفي لرد جيش نجد، وأن جنوده تشتتوا ولم يبق منهم إلا مائتان مترددون، وكان الإخوان قد وصلوا في 15 ربيع الأول إلى قرية الزيمة مصممين على الحصار، فأمر بإخلاء المراكز. ففي الساعة السابعة من ليلة السادس عشر أُخليت جميع المراكز من العساكر والسلاح، وأُذن لمن أراد الذهاب إلى جدة، ونُزع السلاح ممن بقي، وأُخليت الحميدية والقشلة وتُركت أبوابها مفتوحة. وخرج الملك علي في الساعة الثامنة من الليل موصيًا الناس ألا يطلق أحد منهم البنادق، وفي الساعة التاسعة نهب أهل جياد والمسفلة الحميدية ونهب أهل جرول القشلة.

دخل الإخوان مكة يوم السادس عشر من ربيع الأول سنة 1343. وكان بعض العتبان قد أرادوا عند شروق الشمس نهب بيت الشريف فمنعهم أهل الشعب، فلما أصروا قاتلوهم بالبنادق وقتلوا منهم ستة أو سبعة فهرب الباقون، فامتنعت بقية القبائل عن نهب البلد. وفي الساعة الرابعة من النهار نادى المنادي بأن أهل مكة ومجاوريها في أمان الله ورسوله وأمان إمامهم عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وأن وكيله إلى حين مجيئه الشريف حمزة الفعر، وحذّر من التعدي. وفي الساعة الثامنة دخلت خيالة الإخوان مكة محرمين فطافوا وسعوا حاملين السلاح. وبعد صلاة العصر صعد رجل منهم المنبر فأعلن أن أهل مكة والمجاورين والوافدين آمنون على أموالهم ودمائهم وأعراضهم، وأن مفتاح البيت يبقى على ما هو عليه، وأن مصابيح الحرم توقد كما كانت، وأن على أصحاب الدكاكين أن يفتحوها، وأن من كانت له شكوى فليأتِ أمير الجيش في بيت الشريف.

وصلت إلى مكة في الساعة السادسة من ليلة السابع عشر من ربيع الأول سنة 1343 عساكر كثيرة من الإخوان ومعهم الأسرى الذين احتُجزوا في الطائف، ومنهم الشيخ عبدالقادر الشيبي وإسماعيل الدهلوي وغيرهما. فلما وصلوا مكة أُطلقوا وعُفي عنهم مما طُلب منهم في الطائف، وهو سبعة آلاف جنيه.

قرأ الشيخ عبدالقادر الشيبي في المسجد الحرام بعد صلاة الصبح من يوم 17 ربيع الأول سنة 1343، وقد وقف في المقام الحنبلي والناس مجتمعون في المطاف، منشورًا من الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل إلى أهالي مكة وجدة وتوابعهما من الأشراف والأعيان والمجاورين والسكان، أرسله مع الأمراء الذين جاءوا من عنده إلى الطائف. وذكر فيه أنه كرر النصح للحسين بن علي ليجمع شمل العرب فلم يقبل، وأن الحسين جعل همه منذ دخل الحجاز الإيقاع بنجد والنجديين، ومنع أهل نجد قاطبة من الحج، فضلًا عما يأتيه هو وعماله من المظالم بحجاج بيت الله. وذكر أن نوايا الحسين بانت في سفره إلى الأردن، وأنه، أي الإمام عبدالعزيز، لا يقصد ملكًا ولا خلافة بل أن تكون كلمة الله هي العليا ويُحمى الحرم، وأنه أرسل سرية لاحتلال الطائف لقربها، وذلك للتفاهم مع أهل الحجاز. وأعطى أهل مكة وتوابعها من الأشراف والأهالي والمجاورين والملتجئين عهد الله وميثاقه على أموالهم ودمائهم، وألا يُعاملوا بما يكرهون، وألا يُمضى فيهم أمر دقيق أو جليل إلا بحكم الشرع، وأن يبذل جهده في تأمين الحرم وسكانه وطرق الوافدين إليه.

أصدر الأمير خالد بن منصور بن لؤي في مكة، في ربيع الأول سنة 1343 بعد يومين أو ثلاثة من قراءة منشور الإمام عبدالعزيز، أمرًا نادى به المنادي في الأسواق بأن تجري المعاملة على أن يكون الريال المجيدي بعشرين قرشًا صغيرًا من الفضة، والقرش الصغير بقرش، والقرش الكبير بقرشين، والقرش المعدن الكبير الأبيض بهللة واحدة، وأن ما عدا ذلك من أنواع النقود الصغيرة باطل.

نُهبت بيوت الشريف حسين وولده الشريف علي، وبيت الشريف محسن بن منصور قائمقام الإمارة سابقًا، ودكان عبدالوهاب قزاز، بعد دخول الإخوان مكة في ربيع الأول.

مُنع الترحيم والتذكير والتصلية التي تكون بعد الأذان في مكة بعد دخول الإخوان إليها في ربيع الأول. وكان الإخوان يصلون جماعةً في المطاف وإمامهم منهم، ولا يصلون مع الجماعة في المسجد.

كتب الحزب الوطني الحجازي، ممثلًا في محمد طويل وسائر أعضائه، إلى الأمير خالد بن منصور بن لؤي في 23 ربيع الأول بأنه سيرسل إليه أشخاصًا ينوبون عن جميع الأهالي الموجودين بجدة للسلام عليه وإفهامه الحقائق وأخذها منه مباشرة، وأنه لا تعلّق له بالشريف علي إلا فيما فيه مصلحة المسلمين. فجاء الجواب بالقبول، فتوجه إلى مكة يوم الأربعاء وفد من الحزب من ستة أشخاص، هم: الشيخ محمد نصيف، والأعضاء عبدالرؤوف الصبان وعلي سلامة وسليمان غراية ومحمود شبلوب وصالح شطا، يحملون تخويلًا وتوكيلًا من الحزب في كل مفاوضة تؤدي إلى حقن الدماء.

قدّم أهالي جدة في 23 ربيع الأول، بعد توجه وفد الحزب الوطني إلى مكة، مضبطة إلى رئيس وكلاء الحكومة الحجازية لرفعها إلى الملك علي. وطالبوا فيها الحكومة بالعدول عن خطط الدفاع التي أخذت في إقامتها من خنادق ومعاقل وحصون، والتمسوا من الملك النزول على رأي المسلمين الحجازيين والرجوع عن الدفاع حقنًا للدماء، لأن القوة المعدّة للدفاع لا تستطيع الثبات بأي وجه، وخوفًا من أن تقتحم الجيوش السعودية جدة على نحو ما وقع في الطائف أو أشد، بعد ما ورد في كتاب قائد الجيوش السعودية من إنذار وتهديد. فكان جواب الملك علي أنه لا بد من الدفاع مهما كان، وهددهم بأن البلاد بلاد أجداده، وأن الأهالي أخلاط ليس لهم حق في إبداء أي رأي أو طلب أي شيء. وكتب الحزب إلى الوفد في 24 ربيع الأول يخبره بالمضبطة، ثم كتب إليه في الساعة الثالثة من ليلة 25 ربيع الأول يخبره بجواب الملك النهائي، وبأن الحزب طلب من الملك أن يكتب إلى الأمير خالد بالموافقة على توقيف الحرب والتفاهم إن كان الأمير مفوّضًا، أو بالإمهال دون حرب ولا حركة من الجانبين إلى حين حضور الإمام عبدالعزيز؛ فإن لم تقع الموافقة على ذلك مضى الملك في الدفاع، وكان يأمل أن يصله عسكر ودبابات وطائرات. وطلب الحزب من الوفد الرجوع إلى جدة حالًا إن لم يوافق الأمير خالد.

وصلت الباخرة رضوى إلى جدة في 19 ربيع الأول تحمل نجدة من شرق الأردن للشريف علي، عددها ثلاث مئة، ومعها مئة من عرب شمر النازحين، بقيادة أمير اللواء تحسين باشا الفقير، وقد جندهم الأمير عبدالله بمساعدة بعض الأنصار في فلسطين.

كتب الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن داود والشيخ محمد بن عثمان الشاوي في ربيع الأول رسالة نصيحة إلى أهل مكة في التوحيد وإخلاص العبادة لله، نهيا فيها عن دعاء الأموات والبناء على القبور وإسراجها والصلاة عندها، وعن سؤال الله بجاه المخلوقين والحلف بغير الله، وحثّا على الصلاة في الجماعة والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتناب المحرمات. وعرضاها على علماء مكة، فكتبوا عليها بالموافقة في 21 ربيع الثاني ووضعوا أسماءهم فيها، ومنهم: عمر باجنيد، وحسين بن محمد عابد المالكي، وجمال بن محمد الأمير المالكي، وعباس بن عبدالعزيز المالكي، ودرويش بن حسن العجمي الحنفي، وحسين بن عبدالغني الحنفي، وعبدالملك ميرداد، ومحمد سعيد أبو الخير ميرداد، ومحمد حبيب الله الشنقيطي، وعلي بابصيل، وأبو بكر بابصيل.

بعد وقعة (الهدى) وهزيمة الأمير على فيها ومقتل جنده اجتمع أعيان مكة وجدة وفيهم الأكابر والأشراف والعلماء والرؤساء فى جدة وأبرقوا برقية من محل اجتماعهم إلى الملك حسين وقد وقع هذه البرقية أكثر من أربعين رجلا من العلماء والأشراف والأعيان والتجار، فجاءهم الجواب دون إبطاء يقول : انه مستعد للتنازل ان عينوا اميرا خلاف ابنه علي، فلم يقتنع المجلس بهذا الرد فعمدوا إلى التليفون وأنابوا أحد الاعضاء عنهم وهو الشيخ طاهر الدباغ فأخذ في مكالمة الحسين وبعد أخذ ورد، والحاح واصرار من الحسين على عدم التنازل لعلى، أبرقوا برقية ثانية حملوا الحسين فيها مسئولية جميع مايقع، وألحوا عليه في التنازل عن فكرته فقبل التنازل عن الملك لابنه على فأسرعت الهيئة في العمل وبايعوا عليا ملكا على الحجاز، وأبرقوا إلى الحسين يقولون : قد تمت البيعة لابنكم على، وقد فوض جلالته من يستلم البلاد وشئونها، فالمنتظر من مولانا مبارحتها بكل احترام تهدئة للأحوال (تاريخ 2 ربيع الأول عام 1343هـ). فقررت الأمة البيعة لعلى نهائيا ملكا دستوريا على الحجاز فقط، وأن يكون للبلاد مجلس نيابى وطنى وقانون أساسى تضعه جمعية تأسيسية، وبما أن الوقت يضيق عن تأسيس المجلس الوطنى النيابى حاليا، فقد قررت الأمة أن تشكل هيئة مؤقتة لمراقبة الأعمال الحكومية. وفى اليوم الخامس رجع الملك على إلى مكة عائدا من جدة بعد البيعة، وفى اليوم العاشر منه وصلت إلى جدة قافلة من الجمال تحمل أمتعة الحسين بينها أربعون جملا محملة بثمانين صفيحة من صفائح البترول مملوءة بالذهب الانجليزي قدرت بأربعمائة ألف جنيه ذهبا، ثم بعد وصولها وصل الحسين إلى جدة ورفض مقابلة أحد الناس،

مكان الوقوع: الحجاز (جدة ومكة)

وفى اليوم الذى نزل فيه الحسين البحر كان الأخوان قد وصلوا قرية (الزيمة) محرمين ملبين، وعند وصولهم الزيمة انسحب الملك علي من مكة قاصدا جدة ومعه مئتا جندي من الشرطة، ومئتان من جنود النظام، وفى يوم 17 ربيع أول وصل الأخوان مكة فدخلوها منكسين سلاحهم فطافوا بالبيت الشريف وسعوا بين الصفا والمروة، واستولوا بعد حل الاحرام على البلد المقدس وهم ينادون بالامان

مكان الوقوع: الحجاز (مكة)

وقد رأى أقطاب الحزب الوطنى فى جدة أن يتصلوا بقواد الجيش السعودى علهم يصلون إلى حل فأرسلوا لهم كتابا من عموم أهل مكة الموجودين في جدة إلى خالد بن منصور فى مكة وقد أجاب خالد بن لؤى على كتاب الحزب الوطنى بما هو آت حرر في 21 ربيع الأول سنة 1343هـ. وفى يوم 23 منه أرسل الحزب الوطنى كتابا إلى خالد. وبالرغم مما جاء في كتاب خالد لهم فقد أرسلوا وفدا مؤلفا من الشيخ محمد نصيف وعبدالرؤوف الصبان ومحمود شلهوب، وصالح شطا، وعلى سلامة، وسليمان عزاية، يحملون توكيلات من الحزب تخولهم المفاوضة فى كل ما يحقن الدماء فلما وصلوا مكة وقابلوا خالدا خيرهم بين ثلاث إما أن يقبضوا على «على» أو يخرجوه من الحجاز، وإن لم يقدروا لضعفهم فان لديه قوة من البدو المتطوعين فى الجيش السعودى تساعدهم على ما يريدون وقال : إنه لا يستطيع ان يتساهل وأن لهم مهلة عشرة أيام، فعاد الوفد إلى جدة في يوم 26 منه يحمل هذه الشروط، ولما أبلغها الحزب وأعيان الأمة على الفور. قال بعضهم بوجوب الذهاب إلى علي فى منزله وإجباره على التنازل والسفر من الحجاز، وقال بعضهم بالتريث والانتظار والاخر بارجاء الأمر إلى غد، وفى يوم غد عقد الاجتماع فوقف رئيس الحزب واعلن أن مهمة الحزب قد انتهت ولذلك قرر الغاءه وحله، وكان ذلك في يوم 27 منه، ثم قبض على بعض أعضاء الوفد وسجنوا بتهمة أنهم كانوا ضالعين مع السعوديين، وأنهم عملوا في سبيل استيلاء ابن سعود على الحجاز.

مكان الوقوع: الحجاز (جدة ومكة)

اجتمع أعيان الحجاز من التجار والعلماء والأشراف في جدة، وأرسلوا إلى الشريف حسين في الرابع من ربيع الأول برقية وقعها مئة وأربعون منهم يطلبون فيها تنازله وتنصيب ابنه الأمير علي ملكًا على الحجاز فقط مقيدًا بدستور؛ فأبدى حسين استعداده للتنازل لغير علي ورفض التنازل له، ثم قبل التنازل بعد برقية الإنذار، وبويع علي ملكًا دستوريًا على الحجاز فقط.

وصلت إلى جدة في ليلة العاشر من ربيع الأول القافلة الحاملة أمتعة الشريف حسين، وفيها عشرون جملًا تحمل أربعين صفيحة مملوءة ذهبًا؛ وأقام حسين في جدة ستة أيام، وكتب احتجاجه على الحكومة الدستورية وتحديد نفوذ الحجاز في الخامس عشر من ربيع الأول، ونزل في الليلة التالية مع حرمه إلى البحر، وأقله يخت إلى العقبة.

وصل الإخوان إلى قرية الزيمة على ست ساعات من مكة في الخامس عشر من ربيع الأول، فانسحب الملك علي ليلتها بنحو مئتين من الجنود ومئتين من الشرطة إلى جدة؛ ووصلت شراذم من الجيش النجدي إلى مكة ليلة السابع عشر من الشهر، ثم دخلها الشريف خالد في الصباح التالي ببقية الجنود محرمين واستولوا عليها منادين بالأمان، ووقفت القيادة في مكة عملًا بالأوامر العالية.

وصلت الباخرة رضوى من العقبة في التاسع عشر من ربيع الأول، وعلى متنها قوة بقيادة تحسين الفقير لإسناد علي بن الحسين في جدة.

اجتمع أعيان الحجاز في جدة، وطلبوا في الرابع من ربيع الأول تنازل الشريف حسين وتنصيب ابنه علي ملكًا دستوريًا على الحجاز؛ وبعد برقيات ومفاوضات هاتفية وافق حسين على التنازل مساء ذلك اليوم. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

بويع علي بن الحسين ملكًا على الحجاز في الخامس من ربيع الأول، بشروط الحكم الدستوري والمجلس النيابي والقانون الأساسي، وقرر المجتمعون تشكيل هيئة مؤقتة لمراقبة الحكومة. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

احتج الشريف حسين في الخامس عشر من ربيع الأول على تحديد نفوذ الحجاز وعلى الحكم الدستوري، ثم غادر جدة بحرًا إلى العقبة في الليلة التالية. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

انسحب علي بن الحسين من مكة ليلة الخامس عشر من ربيع الأول إلى جدة؛ ووصلت طلائع الجيش النجدي إلى مكة ليلة السابع عشر، ودخل خالد بن لؤي وبقية الجيش صباح اليوم التالي محرمين، ثم استولوا على المدينة ونادوا بالأمان. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

وصلت إلى جدة في التاسع عشر من ربيع الأول الباخرة «رضوى» قادمة من العقبة، تحمل إلى علي بن الحسين نجدة من شرق الأردن، هي كتيبة من ثلاثمئة جندي ومئة من عرب شمر النازحين إلى الشرق العربي بقيادة أمير اللواء تحسين باشا الفقير، فأنعشت آمال علي وشدت أزر جنوده المهزومين. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

فُتحت مكة المكرمة للإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل في 18 ربيع الأول، وكان فتحها من أيسر الفتوحات، إذ لم يقع فيه سفك دماء ولا قتال.

ربيع الآخر 25 خبرًا

طاف المنادي في مكة في 5 ربيع الثاني بأمر من الأمير، يعلن منع شرب الدخان، ويأمر بترك السب والشتم، وبحضور الصلوات مع الجماعة في أول وقتها، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

خرجت جماعة من الإخوان في أوائل ربيع الثاني إلى وادي مرّ، فأغارت على من فيه من الأشراف وغيرهم ممن لم يدخلوا في الطاعة، وخرّبت النخيل والعيون. ثم تقدموا إلى عسفان وما فوقه، وحاربوا قبيلة حرب الموالية للشريف فقتلوهم، ونهبوا أموالهم وحليّهم ومواشيهم، حتى بِيع الحليّ أكوامًا؛ فكان الكوم الذي يزن نحو أربع أقات أو خمس يُباع في المزاد بثمانية جنيهات أو عشرة.

أغار الإخوان في أواخر ربيع الثاني على قبيلة بني حسن في جهة الليث، فأوقعوا بهم إيقاعًا شديدًا، وأخذوا من أموالهم شيئًا كثيرًا من النقود والمواشي.

كتب السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود في 24 ربيع الثاني إلى قناصل الدول في جدة، وهم قناصل بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وهولندا وإيران، بعد أن وصله، وهو في طريقه عقب خروجه من الرياض، كتابُهم إلى أمراء جيشه خالد بن منصور وسلطان بن بجاد. فذكر أنه كان يود حقن الدماء، لكن موقف الشريف علي بن الحسين في جدة لم يدع له مجالًا لذلك. وعرض عليهم، حفاظًا على رعاياهم، أن يخصصوا لهم مكانًا ملائمًا داخل جدة أو خارجها ويخبروه به ليرسل من رجاله من يحفظهم، أو أن يرسلوهم إلى مكة فيقبلهم وينزلهم المنزلة اللائقة بهم. وطلب منهم إيصال كتابه إلى أهل جدة، وأعلن أنه لا يُعدّ مسؤولًا عن شيء بعد بيانه هذا. وكان كتابه إلى أهل جدة يؤمّنهم على أموالهم وأنفسهم إن سلكوا مسلك أهل مكة، ويعرض عليهم الخروج من البلد أو القدوم إلى مكة، أو الضغط على الشريف علي وإخراجه من بلادهم، وإن هم ساعدوه فتبعة ما يقع تكون على المسبب. فأجاب القناصل بدعوته إلى احترام أشخاص رعاياهم وأموالهم وفق الحقوق الدولية المتبعة في الحرب، وأعادوا إليه كتابه إلى أهل جدة رافضين تسليمه التزامًا بقاعدة الحياد.

وصل إلى مكة في غرة ربيع الثاني كتاب من السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل مؤرخ في 17 ربيع الأول، موجّه إلى أهالي مكة وجدة، فجمع الأمير خالد العلماء والأئمة وغيرهم وقرأه عليهم. وفيه أن تلغرافًا بلغه عنهم يفيد أنهم خلعوا الحسين بن علي وولّوا ولده مكانه، وأنه لا يريد احتلال بلادهم ولا التسلط عليهم ولا خصومة بينه وبينهم، لكنه لا يقبل بحال أن يتسلط على الحجاز الحسين أو أحد أولاده. وذكر أن الفصل في طريقة إدارة البلاد سيُترك للعالم الإسلامي، وأن كل من خرج عن طاعة الشريف وأولاده فهو في أمان، وأنه معذور أمام العالم الإسلامي إن أصاب ضررٌ من أعان الحسين وأولاده.

وصل إلى مكة كتاب من السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل مؤرخ في 2 ربيع الآخر، موجّه إلى علماء مكة وأعيانها، ومنهم عبدالقادر بن علي الشيبي ومحمد حبيب الله الشنقيطي وحسين بن محمد عابد. وبيّن فيه أن غايته إعلاء كلمة الله، وجعل المرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله، ودفع الظلم الذي وقع على المجاورين والحجاج، والدفاع عن نفسه وبلاده مما فعله الحسين وأعوانه. وتعهد بأن يكون الأمر شورى بين المسلمين، وعذرهم عما فات بسبب تشنيع الأتراك والأشراف على الوهابية. وأرسل إليهم نسخًا من «مجموعة الحديث» و«الهدية السنية» بوصفها عقيدة النجديين، وطلب منهم أن ينبهوه على ما يجدونه فيها مخالفًا للكتاب والسنة.

ردّ الشيخ عبدالقادر الشيبي في 26 ربيع الثاني، نيابةً عن عموم جيران بيت الله الحرام، على كتاب السلطان عبدالعزيز، راجيًا سرعة قدومه إلى مكة لاشتداد الضيق بسبب تعدي المتغلبين في جدة ومنعهم الأرزاق عن مكة، وشكره على ما أهداه من «الهدية السنية» و«المجموعة» الحديثية. وأخبره بأنهم أرسلوا، باتفاق أعيان مكة، تلغرافًا من ثغر الليث إلى بمبي في الهند، ومثله إلى الجامعة الإسلامية بمصر، يستصرخونهم لإزالة ما حل بهم من منع الأرزاق من جدة حتى فقدوا القوت والنقود.

وصل إلى مكة كتاب من السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل آل سعود مؤرخ في 24 ربيع الثاني، موجّه إلى الشيخ عبدالقادر الشيبي، يشكره فيه على كتابه، ويخبره بأنه سيصل إلى مكة قريبًا، وأنه بعث إليهم الشيخ حافظ وهبة والدكتور عبدالله بك الدملوجي لإبلاغهم غايته وإخبارهم بقدومه والوقوف على رغائبهم.

تأهب السلطان عبدالعزيز في العشر الأوائل من ربيع الثاني للسفر من الرياض إلى الحجاز، وحضر رؤساء القبائل والأعيان لتوديعه، فخطب فيهم قائلًا إنه مسافر إلى مكة لا للتسلط عليها بل لرفع المظالم وبسط أحكام الشريعة، وإن مكة للمسلمين كافة، وإنه سيجتمع هناك بوفود العالم الإسلامي للتشاور في إبعاد بيت الله عن الأهواء السياسية، وإن الحجاز سيكون مفتوحًا لكل من يريد عمل الخير.

كتب السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل في 20 ربيع الآخر إلى الأمير خالد بن منصور يخبره بأنه متوجه إليهم من الشعرى، وأن الذي أخّره تلك الأيام انتظار قدوم الإخوان من أهل دخنة والشبيكة وهجرها وغزو القصيم، وأن بعضهم معه وبعضهم على موعد للحاق به.

خرج ابن سعود واستنفر أهل القصيم خاصة دون سائر أهل نجد، فخرج إليه أهل عنيزة وأهل بريدة، وسار في منتصف ربيع الثاني سنة 1343 ونزل الشعرا، فلحق به أهل القصيم، ثم سار ودخل مكة في 7 جمادى الأولى سنة 1343، وأقام فيها إلى نهاية الشهر.

كتب أهل المدينة سنة 1343 عدة كتب إلى ابن سعود يطلبون الأمان وأن يرسل إليهم نائبًا عنه، فأرسل صالح بن عذل ومعه أصحاب خمسة وعشرين ذلولًا، فركب في 12 ربيع الثاني. فلما وصل إلى أطراف المدينة، وكان أصحاب الأمر فيها غير راضين، أرسل إليهم رجلًا يقول: ها أنا قد وصلت إلى هذا المكان، فإن كنتم تريدون العافية فأخبروني. فقالوا: في أعناقنا بيعة للشريف، فإن ذهب فنحن سامعون مطيعون، أما ما دام موجودًا فلا نسلّم. فاستقدم ابن عذل البادية كلها فاجتمعوا عنده، وحاصر المدينة.

صياغة محررة من النص وسياقه

وفى يوم 13 ربيع الثانى عام 1343هـ خرج عبدالعزيز من الرياض قاصدا مكة المكرمة، وخاطب المودعين يوم خروجه. وقد أرسل قبل سفره إلى الإمام يحيى حميد الدين امام صنعاء والى غيره من الامراء المستقلين كتابا. وعندما خرج من الرياض آخذا طريق مكة التف حوله من أهل نجد والجنود النجديين ما يزيد عددهم على عشرين راية قبل أن يقطع نفوذ السر، وعندما وصل ماء المصلوم عند جبل النير التقى بنجاب يحمل كتابا من جميع قناصل الدول الموجودين في جدة موجها لقواد الجيش السعودى فى مكة وقد بعثوا به إلى عبدالعزيز يخبرونه فيه بموقف حكوماتهم على الحياد فى النزاع القائم بين الحجاز ونجد، فأجابهم عبدالعزيز بتحرير. وقد وصل عبدالعزيز إلى مكة بعد أربعة وعشرين يوما قضاها في الطريق بين الرياض ومكة على ظهور الإبل، فدخلها محرما ملبيا في اليوم السابع من جمادى الأولى عام 1343هـ، وبعد أن طاف بالبيت العتيق وصلى وسعى بين الصفا والمروة وأدى مناسك العمرة، استقبل الأهالى واستعرض الجيش وخطب فيهم خطبة بليغة طويلة، وقد جاء في ذلك اليوم رد كتابه الذى أرسله إلى قناصل الدول حينما كان على (المصلوم)

سافر وفد من عشرة من وجهاء جدة، بعضهم من المناوئين لبيت الحسين، إلى مكة في الثاني من ربيع الآخر ليفاوض القائدين سلطان بن بجاد والشريف خالدًا في شروط الصلح، وكان الملك علي عالمًا بذلك؛ فبايع أعضاؤه ابن سعود عند وصولهم إلى مكة، وذكر المؤلف أن القيادة النجدية انتفعت بمجيئه فعلمت أشياء كانت تجهلها.

وصل أمين الريحاني والشيخ فؤاد الخطيب إلى جدة قادمين من السويس في السابع من ربيع الآخر رسولين للسلام بين نجد والحجاز، وكان قد سبقهما إليها المستر فلبي متطوعًا للتوسط بين الملك علي وابن سعود.

تأهب عبدالعزيز بن سعود في الرياض للسفر إلى مكة في العشر الأول من ربيع الآخر، ودعا أمراء المسلمين إلى مؤتمر فيها؛ وجعل والده عبدالرحمن مرجع شؤون نجد، وأناب ابنه سعود في العارض بمشورة جده.

خرج عبدالعزيز بن سعود من العارض إلى الحجاز في الثالث عشر من ربيع الآخر، ومعه حاشيته وعدد من أفراد أسرته؛ والتحقت به ألوية من القصيم وهجر الإخوان، وسار بالطريق الشمالية عبر الوشم والشعرة ثم عشيرة والسيل.

كتب عبدالعزيز بن سعود إلى قناصل الدول في جدة في الرابع والعشرين من ربيع الآخر جوابًا على كتابهم في موقف دولهم من الحرب، وعرض عليهم أن يخصصوا مكانًا لرعاياهم ليرسل من يحفظهم أو أن يرسلوهم إلى مكة؛ وأرفق كتابًا إلى أهل جدة يؤمنهم فيه إن سلكوا مسلك أهل مكة، ويعرض عليهم الخروج من البلد والإقامة في مكان معين، أو القدوم إلى مكة، أو الضغط على الشريف علي وإخراجه.

تلقى عبدالعزيز بن سعود بعيد وصوله إلى مكة جواب قناصل الدول في جدة على كتابه المؤرخ في الرابع والعشرين من ربيع الآخر، فدعوه باسم حكوماتهم إلى احترام أشخاص رعاياهم وأموالهم بناءً على الحقوق الدولية المتبعة في الحرب، وحملوه مسؤولية ما يقع عليهم، وأعادوا إليه كتابه إلى أهل جدة لأن قاعدة الحياد لا تسمح لهم بتسليمه.

سافر وفد من عشرة من وجهاء جدة إلى مكة في الثاني من ربيع الآخر لمفاوضة القيادة النجدية؛ وبايع أعضاؤه عبدالعزيز بن سعود، وعادوا بشروط تقضي بإخراج علي بن الحسين من البلاد أو خروجه من جدة للقتال. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

وصل أمين الريحاني وفؤاد الخطيب إلى جدة في السابع من ربيع الآخر للسعي في الصلح بين علي بن الحسين وعبدالعزيز بن سعود، وكان فلبي قد سبقهما متطوعًا للوساطة. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

تأهب عبدالعزيز بن سعود في الرياض للسفر إلى الحجاز، ودعا أمراء المسلمين إلى مؤتمر بمكة، وجعل والده عبدالرحمن المرجع لشؤون البلاد الداخلية وأناب ابنه سعودًا في العارض؛ ثم خرج في الثالث عشر من ربيع الآخر مع حاشيته وبعض العلماء، ولحق به خمسة عشر لواءً في الطريق. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

كتب عبدالعزيز بن سعود في الرابع والعشرين من ربيع الآخر إلى قناصل الدول في جدة، فعرض تخصيص موضع آمن لرعاياهم أو انتقالهم إلى مكة؛ وكتب إلى أهل جدة يعرض الأمان أو الخروج من البلدة أو إخراج علي بن الحسين منها. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

صدر أول عدد من صحيفة القبلة في مكة في الثالث والعشرين من ربيع الآخر.

صدرت صحيفة بريد الحجاز في جدة في الثالث والعشرين من ربيع الآخر، وكان يصدرها محمد صالح نصيف يومي الأربعاء والأحد. (الموسوعة في تاريخ نجد وحوادثها ووفيات أعيانها، القاضي)

جمادى الأولى 21 خبرًا

دخل الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن مكة المكرمة يوم الخميس ليلة الجمعة من شهر جمادى الأولى. فلما بلغ موضعًا بين جبل حراء وجبل ثقبة أناخ هو وركبه وهم محرمون، ثم ركب السلطان وحاشيته الخيل وساروا بين السرادقات المنصوبة في الأبطح، فلما قاربوا المسعى ترجّلوا ودخلوا الحرم من باب السلام، فطافوا وصلّوا عند مقام إبراهيم، ثم سعوا بين الصفا والمروة مشيًا على الأقدام. ثم توجه إلى منزل آل تباحة حيث كان الناس في انتظاره فحلّ إحرامه، ثم سار إلى المخيم. وفي الصباح استعرض في الأبطح فرسان جنده من الإخوان، ثم ترجّل فأحاط به الإخوان يهنئونه بالسلامة ويقبّلون رأسه، حتى إنه لم يستطع أن يقطع خمسة عشر مترًا إلى السرادق في أقل من نصف ساعة. ولما دخل السرادق أذن لوفود الأهالي بالدخول عليه، وفي مقدمتهم الشيخ عبدالقادر الشيبي أمين مفتاح بيت الله الحرام، الذي أخذ يعرّفه بهم واحدًا واحدًا، فصافحهم بيده وأبى أن يقبّلوا يده، وقال إن المصافحة من عادات العرب ومن فعل الصحابة، وإن تقبيل اليد جاء عن الأعاجم. ثم طلب من شيخ بني شيبة أن يجمعه بعلماء البلد الحرام، فضُرب لذلك موعد في الغد يوم السبت. وكان ممن قدم معه الأمير محمد بن عبدالرحمن أكبر إخوته، والأمير عبدالله بن عبدالرحمن، وولده الأمير محمد، والأمير خالد، وعدد من العلماء وأمراء الجيش وقادته.

دعا الإمام عبدالعزيز من في مكة المكرمة ونواحيها من سكان الحجاز، الحاضرة والبادية، إلى الاجتماع يوم الاثنين، فألقى عليهم بلاغًا مؤرخًا في 12 جمادى الأولى، بيّن فيه أنه لم يقدم إلا لنصرة دين الله ودفع الشرور. وأعلن خطته في الحجاز: أن أكبر همّه تطهير البلاد المقدسة من الحسين وأنجاله وأتباعهم، وأن الأمر في هذه البلاد سيكون شورى بين المسلمين، وأنه أبرق إلى المسلمين في سائر الأنحاء أن يرسلوا وفودهم لعقد مؤتمر إسلامي عام يقرر شكل الحكومة. وأعلن أن مصدر التشريع كتاب الله وسنة رسوله وما أجمع عليه العلماء، وأن العلماء وموظفي الحرم والمطوفين يبقون على رواتبهم إلا من ثبت عدم صلاحه، وأن من له حق ثابت في بيت المال يُعطاه، وأنه سيأخذ الحق للضعيف من القوي الظالم، ولا هوادة عنده في إقامة حدود الله.

انقطع طريق جدة كليًّا منذ مطلع جمادى الأولى، فاشتد الغلاء، وبلغت كيلة الحَبّ أربعين قرشًا، والرز ستين قرشًا، والدخن ثلاثين قرشًا، وأقة السكر تسعين قرشًا، وأقة الشاي ثمانية مجيديات، وأقة القاز ثمانية وأربعين قرشًا. ثم وردت أرزاق في أثناء الشهر من جهة اليمن والطائف، فنزلت الأسعار قليلًا، وصار الحب باثنين وثلاثين قرشًا، والرز بأربعين، والدخن بأربعة وعشرين، والذرة باثنين وعشرين. ثم وردت القوافل من الشرق والليث والقنفذة ورابغ، فنزلت أسعار جميع الأشياء، وصار الحب بخمسة عشر قرشًا، والرز بأربعة وعشرين، والدخن والذرة باثني عشر قرشًا، وأقة الشاي بخمسة مجيديات، وأقة السكر باثني عشر قرشًا، وأقة القاز بعشرة قروش.

وصل الشيخ حافظ وهبة والدكتور عبدالله الدملوجي إلى مكة في أول جمادى الأولى محرمَين بالعمرة، ونزلا بعد أداء مناسكها في دار الحكومة الحميدية. واجتمعا بعد المغرب بالشيخ عبدالقادر الشيبي فاتح بيت الله الحرام في داره بالصفا، بحضور جملة من العلماء والأماثل، وأخبراهم بمقاصد الإمام ابن سعود. ثم اجتمع يوم الاثنين في دار الحكومة نحو خمس مئة أو أكثر من العلماء والسادة والأشراف والأئمة والخطباء وخدمة الحرم والمطوفين وأهل الحرف، فخطب فيهم حافظ وهبة مبلّغًا تحيات الإمام. وذكر أنه تركه قبل عشرة أيام وأنه سيصل قريبًا، وأن الإمام يأسف كثيرًا لما حصل من جيشه في الطائف ويرجو منهم السماح، وأنه لم يقصد التسلط على بلادهم وإنما قصد إخراج الشريف الحسين وأولاده من الحجاز. وذكر أن جيشه دخل مكة ولم يحصل منه أدنى خلاف على الأهالي والمجاورين إلا على من كان في خدمة الشريف الحسين أو مواليًا له، وأن الإمام سيجمع وفودًا من العالم الإسلامي ليكون لأهل البلاد شأن في انتخاب من يقوم بشؤونها على نحو الجمهورية، دون جباية على الأشخاص أو الجمال كما كان يفعل الحسين، على ألا يكون المنتخب من أولاد الحسين، وأن تكون مدته سنة واحدة يُجدَّد له بعدها إن استقام.

وصل السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل بجيوشه إلى مكة ليلة الجمعة 8 جمادى الأولى، وخيّم في الأبطح. وفي الساعة الثالثة من الليل طاف وسعى، ومشت أمامه المشدّية وأغوات الحرم بالبخور والأتاريك، وسعى ماشيًا على قدميه، ثم صعد إلى بيت باناجة حيث كان الناس في انتظاره، فجلس هناك مدة وحلّ إحرامه، ثم عاد إلى المخيم. وفي صباح الجمعة خرج أعيان مكة من الأشراف والعلماء والتجار والمطوفين وغيرهم إلى الأبطح للقائه، فاستعرض الخيالة من جنده، ثم ترجّل فأحاط به الإخوان يهنئونه ويصافحونه، حتى إنه لم يقطع خمسة عشر مترًا إلى السرادق في أقل من نصف ساعة. ثم أذن لوفود الأهالي بالدخول، فقدّمهم إليه الشيخ عبدالقادر الشيبي أمين مفتاح بيت الله الحرام واحدًا واحدًا، فصافحهم ولم يرضَ أن يقبّلوا يده، قائلًا إن المصافحة من عادات العرب وفعل الصحابة، وإن تقبيل اليد جاء من الأعاجم. وتكلم عن غايته من حركته في الحجاز وعن حقيقة معتقد الوهابيين، وأظهر أسفه الشديد لما وقع في الطائف، وذكر أن جنده سعوا لمنع وقوع الحرب داخل المدينة، لكن الشريف عليًّا أبى إلا أن يحارب فيها، وواسى بعض من أصيبوا فيها. ثم ضرب للشيبي موعدًا للاجتماع بعلماء مكة في الساعة الثامنة من يوم السبت.

أُسرجت الكهرباء في المسجد الحرام من المغرب ليلة الجمعة 8 جمادى الأولى، وهي ليلة وصول السلطان عبدالعزيز إلى مكة، بعد أن تُرك تسريجها عشرة أيام بسبب غلاء القاز، وأُسرجت الأتاريك أيضًا بعد العشاء.

في 12 جمادى الأولى سنة 1343 وُزِّع في مكة بأمر السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود بلاغ مطبوع موجّه إلى سكان مكة وضواحيها من الحاضرة والبادية، بيّن فيه أنه لم يقدم إلا انتصارًا لدين الله ودفعًا لشرور من استبد بالأمر قبله. وأعلن فيه خطته في البلاد المقدسة: تطهيرها من الحسين وأنجاله وأتباعهم، وجعل الأمر فيها شورى بين المسلمين، وذكر أنه أبرق إلى المسلمين في سائر الأنحاء أن يرسلوا وفودهم لعقد مؤتمر إسلامي عام يقرر شكل الحكومة الصالحة لها. وأعلن كذلك أن مصدر التشريع والأحكام هو كتاب الله وسنة رسوله وما أقره علماء الإسلام بالقياس أو أجمعوا عليه، وأن كل من له راتب من العلماء وموظفي الحرم والمطوفين يبقى له راتبه إلا من ثبت أنه لا يصلح لعمله، وأن من له حق ثابت في بيت المال يُعطاه، وأنه لا هوادة في إقامة حدود الله ولا شفاعة فيها.

في صباح يوم الاثنين 12 جمادى الأولى سنة 1343 اجتمع علماء نجد الذين قدموا مع الإمام عبدالعزيز إلى مكة بعلماء الحرم المكي ليعرض كل فريق عقيدته على الآخر. وكان من علماء نجد الشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف والشيخ عبدالله بن حسن والشيخ عبدالوهاب بن مزاحم والشيخ عبدالرحمن بن محمد بن داود والشيخ محمد بن عثمان الشاوي والشيخ مبارك بن عبدالمحسن بن باز، ومن علماء مكة الشيخ حبيب الله الشنقيطي والشيخ درويش عجيمي والشيخ محمد مرزوقي والشيخ عبدالله حمودة والشيخ عبدالرحمن الزواوي وغيرهم. ودار البحث في مسائل أصولية، ثم اتفقوا على نشر بيان موجّه إلى علماء الحكومات الإسلامية وملوكهم وأمرائهم يعلنون فيه اتفاقهم على أن من أقر بالشهادتين وعمل بأركان الإسلام ثم أتى بمكفّر يكون كافرًا يُستتاب ثلاثًا فإن تاب وإلا قُتل، وأن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويرجوهم فهو كافر، وأن طلب الشفاعة من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك. واتفقوا كذلك على أن البناء على القبور وإسراجها والصلاة عندها بدعة محرمة، وأن سؤال الله بجاه أحد من خلقه بدعة، وأن الحلف بغير الله لا يجوز، وأعلنوا أنه لم يحصل بينهم خلاف في شيء من ذلك.

في 20 جمادى الأولى سنة 1343 كتب أهالي مكة، وفي مقدمتهم عبدالقادر الشيبي، إلى السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل يشكون ما أصاب البلد من الضيق في المعيشة، ويذكّرونه بأنه شاورهم في أمر جدة فأشاروا عليه بالتريث، ويطلبون منه أن يبعث كتابًا منهم إلى الشريف علي. فأجابهم السلطان في اليوم نفسه بأن ما يؤلمهم يؤلمه، وأنه يجلب الأرزاق لجنده من الخارج خوفًا على البلد، وأنه لم يمنعه من جدة إلا رجاء سلامتها وسلامة أهلها، ووافق على إرسال كتابهم إلى الشريف علي مع أنه لا يظن أنه سيفيد. وفي كتابهم إلى الشريف علي، المحرر في جمادى الأولى والممهور بتوقيع جمع كبير من الأعيان والعلماء، منهم صاحب مفتاح بيت الله الحرام عبدالقادر الشيبي ورئيس المجلس البلدي، عاتبوه على منع القوت عن سكان مكة، وذكّروه بأنه تركهم في الطائف ثم في مكة دون حماية. وطلبوا منه أحد أمرين: أن يتقدم بجيوشه فيخرج الحكومة النجدية، أو أن يهيئ لهم من الأسباب ما يتمكنون به من جلب أرزاقهم من جدة.

في 25 جمادى الأولى سنة 1343 ردّ الشريف علي بن الحسين على كتاب أهل مكة، فذكر أنه يوقن أنهم كتبوه مرغمين، وأنه لم يترك مكة إلا لأمرين: اجتناب القتال فيها حرمةً لها، والخوف عليهم مما جرى في الطائف من قتل وسلب، وأنه آثر أخف الضررين وهو قلة الزاد، وعاهدهم على الموت في سبيلهم أو إنقاذهم. وأعلن أنه مستعد للمفاوضة مع عبدالعزيز بن سعود إن كان يريد الصلح دفعًا لسفك الدماء، وإلا فلا يمكنه أن يترك بلاده في يده، متهمًا إياه بأنه يريد إدخالها فيما أدخله من البلاد تحت الحماية الأجنبية بموجب معاهدة سنة 1915م. وذكر أن جميع الأمم الإسلامية أنكرت «الرأي الإسلامي» وأعلنت ذلك في الصحف وبالطرق الرسمية، وأنه لم يبق من جمعية الخلافة سوى ستة أشخاص لا يزالون يطلبون إعانة تمكنهم من القدوم إلى جدة، وتوعّد بمهاجمة جنده من كل جانب إن لم يخرجوا إلى خارج الحرم.

تعليق المحرر وسبب التأريخعبارة إدخال البلاد تحت الحماية الأجنبية اتهام ورد في رسالة الشريف علي بن الحسين؛ يُنسب إلى صاحب الرسالة، ولا يمثل حكم المشروع. تثبت الصفحة ورود الاتهام، ولا تثبت صحته.

في اليوم التالي لاجتماع أهالي مكة في 24 جمادى الأولى سنة 1343 رفع رئيس المجلس البلدي إلى السلطان عبدالعزيز أسماء من نالوا أكثرية الأصوات في انتخاب المجلس الأهلي، وهم: عبدالقادر الشيبي، ومحمد بن يحيى بن عقيل، وعقيل سقاف، وعرابي سجيني، وبكر بابصيل، وعباس المالكي، وأمين عاصم، ومحمد نور فطاني، وعبدالله الدهلوي، وسليمان نائب الحرم، وتاج قطب، ومحمد نور ملائكة، وعمر جان، وعمر علوي. وطلب منه أن يحدد مدة عضويتهم ويوضح حدود صلاحياتهم، فوافق السلطان على انتخابهم، وتقرر أن يكون الشيخ عبدالقادر الشيبي رئيسًا للمجلس.

أصدر الشريف علي بن الحسين من جدة في 19 جمادى الأولى سنة 1343 منشورًا ألقته الطيارة على أهل مكة، ذكر فيه أنه انسحب منها خوفًا من أن يقع بأهلها ما وقع بأهل الطائف، وأنه جمع من الرجال والعتاد ما يكفي لرد عدوه، وأن طياراته ستبدأ قصف خصومه. ودعا أهل مكة إلى الثبات وعدم تصديق وعود خصمه، وألا يجعلوا له سبيلًا إلى الاحتماء بهم، واعتذر عن منعه إرسال الأرزاق إلى مكة بأنه اضطر إليه لإحراج العدو ومنع تموين جيوشه.

وصل عبدالعزيز بن سعود إلى الأبطح مساء السابع من جمادى الأولى، ودخل مكة مع حاشيته وطاف وسعى؛ ثم استعرض الجيش واستقبل الإخوان وأعيان مكة في الصباح التالي.

اجتمع خمسة عشر من علماء مكة بسبعة من علماء نجد في الحادي والعشرين من جمادى الأولى، وأصدر علماء مكة بيانًا بالاتفاق في مسائل العقيدة؛ وصدر بلاغ عبدالعزيز بن سعود بتثبيت الرواتب والحقوق وإقامة الحدود.

وصل عبدالعزيز بن سعود إلى مكة مساء السابع من جمادى الأولى، وطاف وصلى وسعى، ثم عاد إلى مخيم المعابدة؛ واستعرض الجيش في الصباح واستقبل الإخوان وأعيان مكة. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

اجتمع خمسة عشر من علماء مكة بسبعة من علماء نجد في الحادي والعشرين من جمادى الأولى، واتفقوا على مسائل في الاعتقاد والعبادة وأصدر علماء مكة بيانًا بذلك؛ وفي اليوم نفسه أعلن عبدالعزيز تثبيت رواتب موظفي الحرم والمطوفين وحقوق المستحقين في بيت المال. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

رفض عبدالعزيز بن سعود وساطة فلبي وطالب النقيب والريحاني في مسألة الحجاز، مع الترحيب بالمقابلات الشخصية؛ وأرسل الوسطاء في الثاني عشر من جمادى الأولى ردودهم، واقترح الريحاني إيفاد حسين العويني برسالته. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

صدر أول عدد من أم القرى في مكة في الخامس عشر من جمادى الأولى.

صدرت صحيفة أم القرى الرسمية في مكة في الخامس عشر من جمادى الأولى. (الموسوعة في تاريخ نجد وحوادثها ووفيات أعيانها، القاضي)

دخل الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل مكة المكرمة يوم الخميس، ليلة الجمعة 8 جمادى الأولى. فلما بلغ موضع المسد بين جبل حراء وجبل ثقبة أناخ ركبه وهم محرمون، ثم ركب هو وحاشيته الخيل وساروا بين السرادقات المنصوبة في الأبطح. فلما قاربوا المسعى ترجّلوا ودخلوا الحرم من باب السلام، فطافوا وصلّوا عند مقام إبراهيم، ثم سعوا بين الصفا والمروة مشيًا. ثم مضى الإمام إلى منزل آل تباحة حيث كان الناس ينتظرونه، فتحلل من إحرامه، ثم سار إلى المخيم لاستعراض الخيل. وفي الصباح احتشد جنود الإخوان في سهل الأبطح ينتظرون خروجه للسلام عليه، واحتشد أعيان أهل مكة ووجهاؤها وتجارها في السرادقات. فاستعرض الإمام قسم الخيالة من جنده، ثم أناخ راحلته وترجّل، فأحاط به الإخوان يهنئونه ويقبّلونه، حتى إنه لم يستطع أن يقطع خمسة عشر مترًا إلى السرادق في أقل من نصف ساعة. ولما دخل السرادق أذن للوفود الأهلية بالدخول عليه، وفي مقدمتهم الشيخ عبدالقادر الشيبي أمين مفتاح بيت الله الحرام، الذي جعل يعرّفه بالناس واحدًا واحدًا. فصافحهم ولم يأذن لهم بتقبيل يده، وقال إن المصافحة من عادات العرب ومن فعل الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن تقبيل اليد جاء من الأعاجم. وطلب من شيخ بني شيبة أن يجمعه بعلماء البلد الحرام، فضُرب له موعد في اليوم التالي، يوم السبت. وكان ممن قدم مع الإمام خلق كثير من آل بيته ومن العلماء، في مقدمتهم الأمير محمد بن عبدالرحمن أكبر إخوته، والأمير عبدالله بن عبدالرحمن أخوه، وولده الأمير محمد، والأمير خالد. ثم ألقى الإمام خطابًا في الناس دار حول التأدب بآداب القرآن واتباع هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الشرف بالعمل الصالح، وأن أفضل البقاع ما أقيم فيه شرع الله. وذكر أن العرب في الجاهلية تحالفوا وتعاقدوا على ألّا يُقَرّ ببطن مكة ظالم، وأن المسلمين أولى بألّا يُقرّوا فيها ظلمًا، وأن أصل ما جاء به الأنبياء إخلاص العبادة لله وحده. وأقسم أنه كان من أحب الأمور إليه أن يقيم الحسين بن علي شرع الله في هذا البيت، وأن يعينه على كل ما يريد، ولكن الحسين قرر تقسيم بلادهم وتوزيعها وأصرّ على ذلك وأخذ يعمل له، كما تشهد به جريدة «القبلة»، فاضطر الإمام ومن معه إلى القيام بما قاموا به. وبيّن أن حقيقة معتقدهم هي ما في كتاب «الهداية السنية» الذي بعث إليهم بنسختين منه، وأنهم يعملون بكتاب الله وسنة نبيه في الأمور الأصلية، ولا يطيعون ابن عبدالوهاب ولا غيره إلا فيما أيّدوه من الكتاب والسنة، ويسيرون في الأحكام على ما اجتهد فيه الإمام أحمد بن حنبل. ونفى ما أشاعه الترك ومن جاء بعدهم عنهم من أنهم لا يصلّون على النبي صلى الله عليه وسلم وينكرون شفاعته، ودعا الحاضرين إلى أن يردّوهم عن كل خطأ في عقيدتهم يخالف كتاب الله، وإلى التبايع على العمل بكتاب الله وسنة رسوله وسنة الخلفاء الراشدين، فقال الحاضرون: كلنا نبايع. ولما دنت صلاة العصر آذن الشيخ عبدالله بن حسن الإمامَ بوقت الصلاة، وطُلب تأجيل البحث إلى اجتماع آخر. وقال الشيخ حبيب الله الشنقيطي إنه إذا أُريدت المناظرة مع علماء نجد فينبغي أن يُذعن من قامت عليه الحجة ولا يغضب، فقال الإمام: ما دام المرجع كتاب الله فلا أغضب من شيء. ثم انفضّ المجلس على أن يجتمع نخبة من علماء نجد بنخبة من علماء مكة للتفاهم والتعارف. وقال الإمام للشنقيطي في شأن البدع: إننا خدّام لطلبة العلم، وكلما أفتونا بشيء أنفذناه على وجهه، فهم المسؤولون والمبيّنون ونحن المنفّذون.

دعا الإمام عبدالعزيز من في مكة المكرمة ونواحيها من سكان الحجاز، حاضرةً وباديةً، إلى الاجتماع يوم الإثنين، فلما اجتمعوا خطب فيهم في 12 جمادى الأولى. فذكر أنه لم يقدم من دياره إلا انتصارًا لدين الله الذي انتُهكت محارمه، ودفعًا للشرور التي كانت تُكاد لهم ولديارهم. وأعلن الخطة التي سيسير عليها في الديار المقدسة: أولًا تطهيرها من الحسين وأنجاله وأتباعهم؛ وثانيًا أن يجعل الأمر في هذه البلاد بعد ذلك شورى بين المسلمين؛ وثالثًا أن مصدر التشريع والأحكام كتاب الله وما جاء به رسوله وما أقرّه علماء الإسلام الأعلام أو أجمعوا عليه، فلا يحل فيها إلا ما أحل الله ولا يحرم إلا ما حرم الله؛ ورابعًا أن كل من كان من العلماء أو موظفي الحرم الشريف أو المطوّفين ذا راتب معيّن فهو باقٍ له لا يُنقص منه، إلا من أقام عليه الناس الحجة بأنه لا يصلح لما هو قائم عليه، وأن من له حق ثابت سابق في بيت مال المسلمين يُعطى حقه؛ وخامسًا أنه لا كبير عنده إلا الضعيف حتى يأخذ له الحق، ولا ضعيف عنده إلا القوي الظالم حتى يأخذ الحق منه، وأنه لا هوادة في إقامة حدود الله ولا تُقبل فيها شفاعة.

جمادى الآخرة 24 خبرًا

في شهر جمادى الآخرة سنة 1343 وفد على السلطان عبدالعزيز في مقره إسماعيل بن مبيريك صاحب رابغ ومعه جمع من مشايخ قبائل حرب، يعرضون الطاعة ويطلبون الأمان، فقبل طلبهم وأخذ عليهم العهد في جمع حافل. فتعهد محمد بن حمادي وسليمان بن هادي النثاق وعويض بن بريكان المعبدي وعويضة بن منيع الله المعبدي عن بِسْر ومعبد، وتعهد محمد بن حامد بن نفاع والشيخ وكيل عبدالوكيل عن الصحاف من حرب، وتعهد حميد بن مبيريك ومحمد بن فالح وثواب بن حمد عن القراقرة من حرب، كلٌّ ضمن حدود ديارهم، بأن يلتزموا السمع والطاعة، ويمنعوا السرقة والعدوان على الحجاج وعابري السبيل، ويؤدوا الزكاة الشرعية، وألا يكون لهم حق على الحجاج إلا ما يعطيهم السلطان مقابل خدماتهم. وتعهدوا كذلك بأن يقوم الباقون على من ينقض العهد منهم، وأن يتعاضدوا مع إسماعيل بن مبيريك على عدو المسلمين، وأكدوا ذلك بالأيمان.

في شهر جمادى الآخرة سنة 1343 قدم على السلطان عبدالعزيز صالح بن عبدالله بن عسم رئيس قبيلة زبيد، ومن بني عمر والأشراف عبدالله بن ماضي ووارد بن سند، فتعهدوا بكفالة أقوامهم ضمن حدود ديارهم الممتدة إلى البحر غربًا، على أن يمنعوا فيها السرقة والتعدي على الحجاج وعابري السبيل، ويؤدوا الزكاة من الزروع والإبل والغنم وغيرها، وألا يكون لهم حق على الحجاج ولا غيرهم إلا ما يتفضل به عليهم الإمام عبدالعزيز، وأن يكونوا مسؤولين عما يقع في حدودهم ولو من غير قبيلتهم. فأعطاهم الإمام عهد الله وميثاقه على شرطين: أن يقوموا بمقتضى تعهدهم، وأن يتعاضدوا مع إسماعيل بن مبيريك على عدو المسلمين، وإن أخلّوا بشرط برئت منهم ذمة المسلمين.

في شهر جمادى الآخرة سنة 1343 وفد على السلطان عبدالعزيز بعض رؤساء بني حسن طائعين يطلبون الأمان، فتعهد عبدالعزيز بن محمد بن حاتم الصعب وحسن بن هاشم العيافي للإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل بكفالة قبائل بني حسن، وهم أولاد إبراهيم وأولاد أبي القاسم وذوو بركات من آل مهدي ومن في بطنهم من البادية، وبتأمين الطرق برًّا وبحرًا ضمن ديارهم الممتدة من الشوف إلى الليث ومن البحر إلى الجبل، وبالسير على أحكام الشرع وأداء الزكاة، على أن يبلّغوا قبيلتهم فإن قبلت جاء رؤساؤها فعاهدوا الإمام، وللكفلاء أمان عشرين يومًا ليعودوا إليه بخبر المطيع والعاصي. وأعطاهم الإمام عهد الله وأمانه على أنفسهم وأموالهم، وطلب منهم أن يعاهدوا عقاب النصر لأنه أمّره عليهم في الليث، ثم انصرفوا إلى قومهم.

في الساعة الثامنة بعد ظهر يوم الثلاثاء 4 جمادى الآخرة سنة 1343 جمع السلطان عبدالعزيز العلماء وأمراء الجيش ووجوه العسكريين في مقره للتشاور في حرب جدة، فأخبرهم أنه بلغه لومهم إياه على إقامته وتأخره عن التجهيز على جدة. وبيّن أن سبب ذلك أن في جدة رعايا للأجانب، وأن أغلب سائر سكانها من أهل مكة وفيها أموالهم، وأنه يشفق على جنده. فتكلم سلطان بن بجاد أحد أمراء الجيش بأنهم لم يأتوا طمعًا في دنيا ولا ملك، وأنهم يرون قتال الحسين وأولاده، ويتعهدون بألا يمسّوا رعايا الأجانب ولا أهل جدة إلا من قاتلهم، وطلب من السلطان إما أن يأمرهم بالزحف، وإما أن يقتربوا من العدو ويضيقوا عليه الخناق، ثم بكى وبكى الحاضرون. وتكلم بعده الأمير خالد بن لؤي فعاتب السلطان على تأخره وطلب منه بيان أي دليل شرعي يمنعهم من القتال. فأعلن السلطان أنه عزم على الرحيل يوم الخميس، وجرى الحديث في المنزل الذي ينزلونه، فذكر خالد أن منزل الوهيم رديء وأنهم نزلوه أربعين يومًا مع الشريف حين حصروا جدة فأمرضهم. وأرجأ السلطان البحث في الخطط الحربية إلى ما بعد الرحيل، ثم انصرف القوم يتأهبون للمسير.

زحف جيش السلطان عبدالعزيز على جدة في جمادى الآخرة سنة 1343 بعد أن صدرت الأوامر السلطانية للجند بألا يدخلوا المدينة ولو فُتحت لهم أبوابها إلا بإذن من القيادة العليا، وأن يحيطوا بها ويمنعوا وصول الأعراب إليها ويشغلوا العدو بالمناوشات ليستدرجوه إلى الخروج. فسارت يوم السبت سرايا من مركز القيادة العليا، فعسكرت فرقة الغطغط في الجناح الأيمن، وفرقة أهل دخنة في الجناح الأيسر يعاونها أهل ساجد، ولواء قحطان من أهل الهيايثم في القلب، ووراءهم سرية من الخيالة. ثم لحق بهم الجيش الذي كان في جهة اليمن من أهل الداهنة وركبة، فبلغ عدد المقاتلين في الجبهة نحو أربعة آلاف. ووصلت أوائل الجيش آخر الليل فاستولت على روابٍ ومواقع تشرف على حصون العدو وتترست بها، واقتربت من الأسلاك الشائكة وأطلقت النار على الحصون في أطراف المدينة، فلم يخرج إليها أحد، وأخذت مدافع المدينة تطلق النار عليها حتى المساء دون أن تصيب أحدًا من الإخوان إلا جرحًا طفيفًا لرجل واحد.

في أواخر جمادى الآخرة سنة 1343، في أثناء حصار جيش السلطان عبدالعزيز لجدة، هجمت سرية من الجيش فاستولت على النزلة والرويس، وهجمت سرية أخرى على قصر ابن منصور على مسافة غلوة من جدة فاستولت عليه وأقامت فيه، وسارت سرية ثالثة إلى منابع المياه التي يستقي منها أهل جدة، فوجدت عليها حامية صغيرة فقتلت بعضها وفرّ الباقون، واستولت على ماء الحفر والصهاريج وأقامت عليها حامية. ثم تقدم الإخوان في العراء وحفروا الخنادق وأقاموا الاستحكامات المحصنة بأكياس الرمل، وصاروا يقاتلون الجنود النظامية بالرشاشات والبنادق، ويشنون هجمات ليلية حتى وقع رصاصهم قرب قصر الملك، وقطعوا بعض الأسلاك الشائكة وحملوها إلى المعسكر العام، فاستولى الرعب على الأهالي ظنًّا منهم أن الإخوان يحاولون اختراق خط الدفاع.

في 23 جمادى الآخرة سنة 1343، في أثناء حصار جدة، طارت الطائرة التي كان يقودها الطيار الروسي تشاريكون ومعه المراقب الضابط اللازقي والكاتب عمر شاكر، فلما دنت من المعسكر في الرغامة انفجرت فيها قنبلة وهي على ارتفاع نحو ألفي قدم، فتحطمت في الجو.

في صباح يوم الجمعة 7 جمادى الآخرة سنة 1343 وصل إلى جدة وفد جمعية الخلافة الهندية، وهم السيد سليمان الندوي رئيس الوفد والأستاذ عبدالقادر القصوري والأستاذ عبدالماجد القادري، فكتبوا إلى السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود يذكرون أن جمعيتهم ندبتهم لحقن الدماء والدعوة إلى الصلح على مبدأ يصون البلاد الحجازية من النفوذ الأجنبي، ويطلبون الإذن بالمثول بين يديه، ويسألونه عن صحة المعاهدة البريطانية النجدية الواقعة سنة 1916م التي يُنسب إلى سلطنة نجد إبرامها مع الحكومة البريطانية، وعن منح حكومته امتيازًا لشركة أجنبية، وعما يُشاع من هدم الأبنية والقباب والقبور، وعن قبوله وساطتهم بينه وبين الملك علي، وعن موافقته على قرارات جمعية الخلافة المرسلة إلى حكومتي نجد والحجاز.

في 14 جمادى الآخرة سنة 1343 أجاب السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل الفيصل آل سعود السيد سليمان الندوي رئيس وفد جمعية الخلافة الهندية، فهنأه بوصوله إلى جدة، وشكر الهنود عامة وجمعية الخلافة خاصة على مسعاهم، وأبدى استعداده لمقابلتهم، وأرجأ الجواب عن أسئلتهم إلى قدومهم ليطّلعوا بأنفسهم على كل شيء. وأخبرهم أنه أرسل مع النجاب خدامًا ينتظرونهم عند جنده المرابط جهة جدة ليرافقوهم إليه، على أن يعود الخدام إليه إن لم يأتهم أحد من الوفد إلى الساعة السادسة من يوم الاثنين.

في 16 جمادى الآخرة سنة 1343 (11 يناير 1925م) كتب السيد سليمان الندوي رئيس وفد جمعية الخلافة الهندية إلى وزير خارجية الحكومة الحجازية يخبره بعزم الوفد على الخروج من جدة إلى مكة صباح يوم الاثنين، ويسأل أن يطلب من الملك علي سيارة تقلّهم. فأجابت رئاسة الوزراء الحجازية بأن الحكومة ترحب بالمتوسطين لحقن الدماء وتسمح بالوساطة دون التدخل في شؤونها الماسة باستقلالها، واقترحت أن يخاطب الوفد ابن سعود أولًا فيسأله كتابةً هل يقبل وساطتهم، وأن يصرّح بأن المقصود بها الصلح بين الملك علي وبينه أصالةً عن نفسيهما ونيابةً عن بلديهما، وأن يجيب عن أسئلتهم السابقة، فإذا اطلعت الحكومة الحجازية على ذلك واقتنعت بصدقه سهل الاتفاق بعد ذلك.

أصدر الشريف علي بن الحسين في جمادى الآخرة سنة 1343 منشورًا آخر ألقته الطيارة على أهل مكة، ذكر فيه أنه سكت رغبةً في عدم سفك الدماء، وأن القتال نشب في ذلك اليوم بين جنده وخصمه فانهزم خصمه بعد ساعة إلى الجبال بعد خسارة فادحة، وأنه عزم على تعقبه، ودعا أهل مكة إلى قطع خطوط مواصلاته.

خرج ابن سعود من مكة في مستهل جمادى الثانية سنة 1343 قاصدًا جدة للحرب، واستنفر العشائر فساروا معه، ونزلوا بحرة على نحو أربع ساعات من جدة. فتحصّن الشريف، ومشت جنود ابن سعود فأخذوا ما خارج جدة من قرى وقلاع وعشش، ووقع الحصار وطال. وصار الشريف يطلق عليهم الطائرات، فإذا أقبلت عليهم رموها بالرصاص، فعطّلوا بعضها وهرب بعضها. ثم تقدم ابن سعود فاقترب من جدة واشتد الحصار، وجاءتهم ثلاث طائرات فرموها، فسقطت واحدة وتعطّلت الأخرى وهربت الثالثة. ثم أخرج الشريف سيارات فقابلها الإخوان فعطّلوا بعضها وأخذوه ورجع الباقي. واستمر الأمر على ذلك والمدافع من الجانبين حامية، ابن سعود يرميها على السور والشريف يرميها على من يقترب، وقُطع الماء عن جدة.

طارت طائرة من جدة إلى مكة في أول جمادى الآخرة وألقت منشورًا حربيًا في الأبطح والشهداء خلافًا لأمر علي بن الحسين، ثم أمر بنقل المنشورات إلى القصر وحبس ضابط المراقبة عشرة أيام.

عقد عبدالعزيز بن سعود في الرابع من جمادى الآخرة مجلسًا حربيًا في الشهداء حضره جمع من القواد والإخوان، فطالبه أبو حميد ابن بجاد بالزحف على الحسين وأولاده أو الاقتراب منهم وتضييق الخناق عليهم، وطالبه خالد بن لؤي ببيان الدليل الشرعي إن كان هناك ما يؤخرهم عن القتال.

حلق الطيار الروسي بطائرة حجازية يوم السبت الثامن من جمادى الآخرة فوق بحرة وحداء والشميسة، وادعى أنه لم ير أحدًا في الطريق، بينما أخبر جماعة من أهل جاوة أن الإخوان في حداء أطلقوا بنادقهم على الطائرة.

ظهرت خيالة الإخوان في سهل جدة يوم الأحد من جمادى الآخرة (ورقم اليوم مضطرب في الأصل)، فأطلقت عليها المدافع الحجازية، وجال نحو ثلاثمئة منهم في السهل ثم تراجعوا سائقين قطيعًا من الغنم؛ وخرج إليهم ثلاثون من خيالة الدروز فبلغوا نزلة بني مالك فلم يجدوا فيها أحدًا.

استولت القوات النجدية في أواخر جمادى الآخرة على النزلة اليمانية ونزلة بني مالك والرويس حول جدة، وحفرت الخنادق وأقامت الاستحكامات؛ وبدأت حرب المدفعية، وتبادل الفريقان السيطرة على النزلة اليمانية حتى خربت وأخلياها.

انفجرت القنبلة في الطائرة الحجازية التي كان يسوقها الطيار الروسي تشاريكوف في أصيل الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، عندما دنت من المعسكر في الرغامة، فتحطمت في الجو وهلك من فيها: تشاريكوف والمراقب الضابط اللاذقي والكاتب عمر شاكر.

وصل الشريف حسين إلى عمان في الثامن من جمادى الآخرة، واستقبلته الوفود والجنود والجماهير؛ ودعا إلى الوحدة والاستقلال ورفض الانتداب، ثم بويع بالخلافة خلال إقامته. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

طارت طائرة حجازية إلى مكة في أول جمادى الآخرة، فألقت في الأبطح وفي المخيم السلطاني بالشهداء نسخًا من منشور حربي لعلي بن الحسين إلى أهل مكة، خلافًا لأمره بتأجيل نشره؛ فاستدعى الملك تحسين باشا الفقير وأنّبه، وصدر أمر ملكي بنقل نسخ المنشور من القشلة إلى القصر وحبس ضابط المراقبة عشرة أيام. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

عقد عبدالعزيز بن سعود مجلسًا حربيًا في الشهداء في جمادى الآخرة، فطالبه أبو حميد ابن بجاد بالزحف على الشريف علي أو الاقتراب منه وتضييق الخناق عليه، وعاتبه خالد بن لؤي على التأخر عن القتال؛ ثم ورد الخبر إلى جدة بأن عبدالعزيز ومعه نحو ألف من جنوده وصلوا إلى حداء. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

حلقت طائرة حجازية فوق حداء في الثامن من جمادى الآخرة وأطلق الإخوان عليها البنادق؛ وفي التاسع ظهرت خيالة الجيش النجدي في سهل جدة، فضربتها المدفعية الحجازية وتراجعت بعد جولات أمام خط الدفاع. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

احتل الجيش النجدي في أواخر جمادى الآخرة النزلة اليمانية ونزلة بني مالك والرويس خارج خط دفاع جدة، وتبادل القتال على بعض هذه المراكز، ثم حفر الخنادق وأقام الاستحكامات وبدأ حربًا بالمدفعية. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

انفجرت قنبلة داخل طائرة حجازية في أصيل الثالث والعشرين من جمادى الآخرة وهي تعلو نحو ألفي قدم قرب معسكر الإخوان في الرغامة، فتحطمت في الجو وقتل الطيار الروسي تشاريكوف والضابط المراقب اللاذقي والكاتب عمر شاكر. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

رجب 6 أخبار

أمر الملك علي بن الحسين يوم الخميس 11 رجب بسجن الشيخ محمد حسين نصيف في جدة، وذلك بعد وصول فرس إلى جدة كان الشيخ قد أوصى بعض أهل سوريا بإرساله إليه، فقيل إن الفرس هدية من علي باشا أمير مكة سابقًا إلى ابن سعود بواسطة الشيخ محمد نصيف. وبعد ثلاثة أيام أمر الملك بتسفيره إلى العقبة، فأُخذ على باخرة في الساعة السادسة من ليلة الأربعاء 14 رجب، ونُفي معه الشيخ سليمان غراية والشيخ سعيد باخشوين والشيخ عبدالرحمن باجنيد وباداود. ولما وصلوا إلى العقبة أُدخلوا قبوًا لا منفذ له ولا نور فيه ولا فراش، فلقوا فيه ضيقًا وضنكًا شديدين. ولما علم أحمد زكي باشا باعتقاله أبرق إلى الأمير عبدالله أمير شرق الأردن يرجو وساطته لدى والده في إطلاقه وإرساله إلى مصر ليقيم عنده في منزله، متعهدًا بامتناعه عما لا يرضيهم، فأجابه الأمير عبدالله بأنه سيرفع ملتمسه إلى محل اللزوم. وبعد أيام قلائل أُطلق الشيخ محمد نصيف ورفقاؤه، فتوجهوا من العقبة ووصلوا جدة يوم الأربعاء 8 رمضان، ولما قابل الشيخ محمد نصيف الملك عليًّا قال له الملك إنه قد ثبتت براءته.

في 2 رجب سنة 1343 أبرق الوفد الهندي من جدة إلى مركز جمعية الخلافة في بمبي بأنه أجرى مفاوضات تامة في عدة اجتماعات مع الملك علي ووزرائه. وأفاد بأنهم يرون الجمهورية غير ممكنة والمؤتمر غير مفيد ولا ممكن، ويوافقون على إنشاء حكومة دستورية يرأسها الملك الحالي، ويقبلون استشارة البلدان الإسلامية في الأمور الدينية، ويميلون إلى التفاهم مع جمعية الخلافة، وأن الطريق إلى مكة مقفلة بسبب الحرب، وطلب الوفد التعليمات. فاجتمع ممثلو اللجنة التنفيذية للجمعية من كل البلاد في دهلي برئاسة الدكتور سيف الدين كجلو، وأجابت الجمعية بأن اللجنة لا تغير شيئًا مما قررته من عقد مؤتمر للعالم الإسلامي، وأن حقن الدماء وتأسيس السلم غير ممكنين إلا إذا سافر الوفد فورًا ليفاوض ابن سعود أيضًا. وأسفت لمنع الأمير علي الوفد من السفر، ورفضت الشروط المعروضة، وأمرت الوفد بوقف المفاوضات إن لم يؤذن له بالتقدم. وكانت قرارات جمعية الخلافة بشأن الحجاز أن تقوم فيه حكومة جمهورية شرعية مستقلة في شؤونها الداخلية، تكون سياستها الخارجية موضع رضا العالم الإسلامي ولا سيما في براءتها من النفوذ الأجنبي، وأن يتولى عقدها مؤتمر تشترك فيه الجمعيات الإسلامية، وألا تكون للحجاز علاقة بالشريف حسين وأسرته. وقررت كذلك أن يتولى السلطان ابن سعود والإمام يحيى الدعوة إلى هذا المؤتمر قبل موسم الحج الآتي إن أمكن، مع تأسيس اتحاد تام بين الإمارات العربية.

كتب السيد سليمان الندوي رئيس وفد الخلافة الهندي في 3 رجب سنة 1343 إلى رئيس الوزراء في الحكومة الحجازية يبلغه أن اللجنة التنفيذية لجمعية الخلافة المنعقدة في دهلي برئاسة الدكتور سيف الدين كجلو رفضت الشروط الواردة في كتاب الحكومة المؤرخ 18 جمادى الآخرة سنة 1343. وطلب السماح للوفد بمقابلة سلطان نجد ليعرض عليه الصلح ويأخذ منه جوابًا كتابيًا رسميًا عن نياته ومعاهداته. فأجاب رئيس الوزراء بأن رفض الجمعية شروط الحكومة يوجب عدم الاطمئنان إلى حسن نيتها، وأنه لا يعترف بأنها تمثل العالم الإسلامي ولا مسلمي الهند، وأن الحكومة لا ترجع عن قراراتها. واتهم الأمير عبدالعزيز بن سعود بالنهب والقتل في الطائف وقطع السابلة والتجاوز على الحدود، وأعلن أن الحكومة لا تعترف بالمؤتمر الذي تشير إليه الجمعية، وأنها قبلت الاشتراك في المؤتمر الذي سيعقد في مصر للبحث في شؤون الخلافة. ثم سافر الوفد إلى مصر ومنها إلى الهند.

وصلت إلى جيش علي بن الحسين في جدة فرقة من مئتين وثلاثين رجلًا في رجب، ثم فرقة أخرى من خمسمئة رجل في رمضان، ضمن التجنيد الذي باشره الأمير عبدالله بن الحسين في عمّان بأموال أرسلتها إليه الحكومة الهاشمية. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

أمد الشريف حسين من العقبة حكومة ابنه علي في جدة بخمسة عشر ألف ليرة في رجب، وخمسة آلاف في رمضان، وعشرين ألفًا من الذهب حملتها الباخرة رضوى في شوال؛ وبعد نقله من العقبة لم يرسل غير دفعة صغيرة بخمسة آلاف ليرة، فاشتد العسر المالي حتى رهن علي أملاكه الخاصة في مصر في الصيف لقاء قرض بخمسة عشر ألف جنيه. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

اشتد قصف المدفعية النجدية على جدة في رجب وشعبان، فأصابت القذائف الوكالة البريطانية ووكالة السوفييت والقنصلية الفرنسية ومخيم الهلال الأحمر، وقرر القناصل البقاء على الحياد؛ وهاجر كثير من الأهالي في المراكب إلى سواكن ومصوع وعدن، ثم في السنابيك إلى الليث ومنها إلى مكة. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

شعبان 9 أخبار

في 26 شعبان سنة 1343 كتب أهالي مكة استدعاءً أرسلوه إلى ملكة بهوبال وإلى أمراء الهند وإلى ملك مصر، مختومًا بأختام سبعة وخمسين شخصًا من أئمة الحرم وخطبائه ومدرسيه والأشراف والسادة والأعيان وخدمة الحرم، يذكرون فيه وقوع جيران بيت الله الحرام في أزمة اقتصادية شديدة، ويلتمسون إرسال المعونات إليهم بواسطة مؤتمنة عن طريق رابغ والليث، مؤكدين أن الأمن قد استتب في هذه الطرق في ظل السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود.

في ضحى يوم 12 شعبان سنة 1343 (14 مارس 1925م) وقعت معركة كبيرة عند جدة بين الجيش الحجازي وجيش الإخوان المحاصر لها، إذ أطلق خط الدفاع مدافعه الكبيرة، ثم خرجت خمس سيارات مصفحة من الكندرة، سارت ثلاث منها نحو نزلة بني مالك واثنتان نحو الرويس، ومشى نحو ألف جندي من الجنود النظاميين والبدو في ثلاثة أقسام تتبعهم سرية من الخيالة. وكانت فرقة من أهل دخنة في الرويس وأخرى في بني مالك، وأهل العارض والغطغط في الخط الثاني، ولم يتجاوز عدد الإخوان يومئذ ألفين، فأمسكوا عن الرمي حتى نزلت العساكر الهاشمية إلى السهل، ثم دار القتال في الجهتين، واشتبكت المصفحات مع أهل الغطغط والعارض لتمنع وصول المدد فلم تتمكن من صدهم، وظل الإخوان يقاتلونها حتى عطّلوا رشاشاتها فتراجعت وقد تكسرت جوانب بعضها. واستمرت المعركة حتى الساعة الثالثة بعد الظهر، فعادت الجنود الحجازية والمصفحات إلى داخل الأسلاك ورجع الإخوان إلى مراكزهم. ولم يقل عدد القتلى في ساحة القتال عن ثلاثمائة، وجاء في التقرير النجدي الرسمي أن خسارة العدو كانت ثلاثمائة وعشرين قتيلًا على الأقل بدليل البنادق التي غنمها الجيش، وأن خسارة النجديين خمسة قتلى وخمسة جرحى. وبعد هذه الوقعة خمدت الحرب في الجانبين، فخفّ القصف المدفعي وقلّ الهجوم الليلي، وكان شهر رمضان شبه هدنة، وتبعته في شوال مناوشات في الليالي المظلمة.

في 5 شعبان سنة 1343 وصل السيد أحمد الشريف السنوسي إلى مكة لأداء فريضة الحج، ونزل في ضيافة السلطان عبدالعزيز. وكان قد قدم من الديار التركية إلى سوريا، ثم سافر من دمشق بالسيارة إلى الجوف، ومنها على الرواحل إلى مكة. وفي 18 شعبان توجه للقاء السلطان في المقر العالي على طريق جدة، ثم رجع إلى مكة بعد ستة أيام.

عُين الشيخ عبدالرحمن بن داود، من علماء نجد، في 27 شعبان سنة 1343 إمامًا للمصلين في مقام الحنبلي بالمسجد الحرام، فكان يصلي بالناس الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم يصلي بعده الإمام الشافعي، وأما الصبح فكان يصليها الإمام الشافعي أولًا ثم الحنبلي ثم المالكي ثم الحنفي.

في منتصف شعبان سنة 1343 خرج رجل من جدة يزعم أنه قتل نفسًا وأنه هارب، وهو كاذب، ونزل عند ابن سعود جاسوسًا، فقال له ابن سعود: عندنا علم بأمرك، ولكنا لن نقتلك، ارجع إلى جدة فإنا لا نؤوي محدثًا. فرجع إلى جدة وأخبرهم عن مواقع قوم ابن سعود ومراكزهم وأوقات غفلتهم. وبعد دخوله جدة بقليل جمع الشريف قوته كلها، وخرج في الساعة الرابعة من نهار الثلاثاء 18 شعبان يريد الهجوم على أحد مواقع جنود ابن سعود، فاندفع على أهل دخنة، وكان من مع ابن سعود قريبين منهم. فلما أناخ قوم الشريف عليهم قاتلهم أهل دخنة وثار الرمي بينهم، فلما سمعت جنود ابن سعود الرمي هجموا، فلما رأى الشريف النجدات هرب، فتبعوا أثر قومه حتى دخلوا البلد. وقُتل من قوم ابن سعود نحو عشرة رجال ومثلهم جرحى، وقُتل من قوم الشريف كثيرون لأنهم كانوا منهزمين، وأُخذ منهم سلاح وسيارات كثيرة.

خرجت المصفحات وقوة من الجيش الحجازي من خط جدة في الثامن عشر من شعبان لمهاجمة القوات النجدية قرب الرويس ونزلة بني مالك؛ وتعذر منع وصول المدد، فتراجعت المصفحات والجنود بعد القتال إلى الخط. ونقل الريحاني تقديرات متعارضة لخسائر الفريقين، ثم خفت الحرب في رمضان وشوال.

أرسل عبدالعزيز بن سعود في غرة شعبان نداء إلى جميع المسلمين يخبرهم بأن النظام قد ساد في البلدة المقدسة واستتب الأمن فيها، ويرحب بالحجاج في موسم السنة، ويتكفل بتأمين راحتهم والمحافظة على حقوقهم وتسهيل سفرهم إلى مكة من موانئ رابغ والليث والقنفذة.

خرج الجيش الحجازي بخمس مصفحات وقوة من الجنود والبدو في الثامن عشر من شعبان لمهاجمة مواقع الإخوان في الرويس ونزلة بني مالك؛ ووصلت نجدات الغطغط والعارض، فعجزت المصفحات عن قطع المدد، وتراجع الحجازيون إلى خط الدفاع بعد القتال. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

أصدر عبدالعزيز بن سعود في غرة شعبان نداء إلى المسلمين يدعوهم إلى الحج، ويعلن استقرار الأمن في مكة ويتعهد براحة الحجاج وحقوقهم وتأمين قدومهم من رابغ والليث والقنفذة. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

رمضان 7 أخبار

كتب معتمد السوفيات وقنصلهم العام عبدالكريم حكيموف من مسلمي قازان، ووكيل قنصل هولندا الرادين ياراوبرا من مسلمي جاوة، ووكيل قنصل إيران أحمد لاري إلى السلطان عبدالعزيز يطلبون السماح لهم بالقدوم إلى مكة للاعتمار في شهر رمضان، واشترطوا على أنفسهم ألا يتدخلوا في شيء من الشؤون السياسية لأن دولهم على الحياد في النزاع القائم. فأذن لهم السلطان، فقدموا يوم الجمعة 15 رمضان سنة 1343 إلى المقر العالي وأقاموا فيه يومًا، ثم دخلوا مكة ونزلوا في مكان أعدته الحكومة لهم. وبعد فراغهم من العمرة عادوا إلى المقر العالي، وفاتحوا السلطان بصفتهم الشخصية في شأن الصلح، وسألوه هل يأذن بقدوم الشيخ فؤاد الخطيب وزير خارجية الحجاز إليه، فأجاب بأنه يرحب بمن أراد القدوم إليه سواء أكان الشيخ فؤاد أم غيره.

تبادل السلطان عبدالعزيز والشيخ فؤاد الخطيب وزير خارجية الحجاز رسائل في أواخر رمضان سنة 1343 بشأن قدوم الخطيب لمقابلة السلطان. فطلب الخطيب موعدًا للمقابلة، فأجابه السلطان في 27 رمضان بأنه عقد مجلسًا من المسلمين فأشاروا عليه بالتريث، وسأله هل هو مستعد للموافقة على ما يمليه عليه من الشروط، وما الضمانات التي يستطيع تقديمها لتنفيذها. فأجاب الخطيب في 28 رمضان بأن غايته التعرف إلى السلطان والتمهيد لإيجاد جو من الطمأنينة يصون كرامة العرب، فطلب منه السلطان تحديد وقت قدومه، فأخبره في 29 رمضان أنه سيخرج من جدة من جهة النزلة اليمانية، فأمر السلطان من يستقبله عند قهوة القائم. وفي يوم الجمعة آخر يوم من رمضان قدم الخطيب إلى المقر العالي واجتمع بالسلطان عدة اجتماعات، وذكر أنه جاء للتعرف إليه وللسعي في إصلاح ذات البين بينه وبين الشريف علي. فأبى السلطان ذلك لعدم الأمان في العاجل والآجل، ولأن عليًا هو ابن الحسين وأخو عبدالله وفيصل، والحسين لا يزال في العقبة يرقب الفرصة ليعود إلى ما كان عليه، ولأنه لا يوجد من يضمن تنفيذ ما يشترطه. وأعلن السلطان أن المسلمين من قومه اجتمعوا فلم يروا الصلح مع الحسين وأولاده موافقًا لدينهم وشرفهم، وعرض أن يتعهد لعلي بما يريده من أمور الدنيا. وجادل الخطيبَ في دعوى استقلال الحجاز وفي المعاهدة بين الحسين والحكومة الإنكليزية، وفي أن الحكومة التي يدافع عنها لا يقر لها إلا قليل من الناس، في حين يطيعه العرب من قريات الملح إلى أبها ومن خليج فارس إلى جدة. وحمّل المسؤولية المسلمين الذين بلغتهم دعوته بعد استيلاء جيوشه على الطائف فلم يجبها منهم إلا جمعية الخلافة في الهند، وحمّلها كذلك المدافعين عن جدة. فأقر الخطيب بأنه لا جواب لديه على ذلك.

قدم فيصل الدويش أمير الأرطاوية في رمضان سنة 1343 بجيش من مطير إلى الجيش النجدي المحاصر لجدة، وتلاه أهل سبيع والسهول، ثم وصل الأمير فيصل عائدًا من نجد بنجدة كبيرة. فبلغ عدد الجيش في الجبهة وما وراءها نحو عشرة آلاف، وبإضافة الجنود المحاصرين للمدينة والسرايا المرابطة حول ينبع والوجه والعلا يقارب مجموع الجيوش النجدية في الحجاز اثني عشر ألف مقاتل.

صدر الأمر في شهر رمضان سنة 1343 بأن يصلي التراويح بالناس في المسجد الحرام بعد صلاة العشاء إمام واحد، ومن أراد أن يصلي التراويح إمامًا بجماعة فلينتظر فراغ ذلك الإمام. فصلى العشاء بالناس في أول ليلة من رمضان الشيخ عبدالله بن حسن في المقام الحنبلي، وصلى التراويح فيه الشيخ خليل العجيمي عدة ليال، ثم صلاها الشيخ جمال ميرداد إلى آخر رمضان، وكان يصلي الوتر بالناس جماعة ثلاث ركعات بتسليمتين، ويقرأ في الثالثة دعاء القنوت جهرًا بعد الركوع.

زار القناصل المسلمون في جدة مكة في رمضان، ثم قابلوا عبدالعزيز بن سعود في الوزيرية وبحثوا الصلح بصفتهم الشخصية؛ ثم قابل فؤاد الخطيب السلطان، وتعثر الاتفاق على الشروط والضمانات.

وصل فيصل الدويش بجيش من مطير إلى جبهة جدة في رمضان، وتلته قوات سبيع والسهول، ثم عاد فيصل بن عبدالعزيز من نجد بنجدة كبيرة؛ فبلغ الجيش النجدي في الجبهة ووراءها نحو عشرة آلاف. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

زار القناصل المسلمون في جدة، وهم عبدالكريم حكيموف معتمد حكومة السوفييت ورادين براويرا نائب قنصل هولندا وأحمد لاري وكيل قنصل إيران، الحرم في رمضان بإذن عبدالعزيز بن سعود، ثم اجتمعوا به في الوزيرية وتكلموا في الصلح بصفتهم الشخصية؛ فأجاب بأنه لا سبيل إلى الصلح ما دام علي بن الحسين في جدة، وأنه يقبل بما يقرره العالم الإسلامي إذا أخلاها. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

شوال 3 أخبار

توفي المؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى في عنيزة يوم السبت الثامن من شوال.

وفي ٢٢ شوال توفي الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى.

تعليق المحرر وسبب التأريخملاحظة: الحاشية: المؤرخ النجدي المعروف، ولد في أشيقر ١٩ شعبان ١٢٧٠هـ، وتوفي في عنيزة يوم السبت ٨ شوال ١٣٤٣هـ (تعارض في اليوم مع المتن).

توفي المؤرخ النسابة إبراهيم بن صالح بن عيسى في عنيزة في الثامن من شوال. (الموسوعة في تاريخ نجد وحوادثها ووفيات أعيانها، القاضي)

ذو القعدة 11 خبرًا

عُقد مجلس الشورى في المقر العالي في أواخر ذي القعدة سنة 1343 للتشاور في البقاء في الجبهة أو الذهاب إلى الحج. فرأى السلطان عبدالعزيز أنه لا مانع من أداء الحج، لأن العدو ضعيف لا يخرج من تحصيناته، ولأن سراياه المبثوثة في الجبال والشعاب من الجنود الذين سبق لهم الحج ومن بعض القبائل تحافظ على أطراف جدة وتمنع الدخول إليها والخروج منها. وفي يوم السبت 27 ذي القعدة أصدر أوامره إلى حامية الرويس بالانسحاب، وأمر جنده بالإحرام يوم الأحد من أماكنهم، وترك على أطراف الجبهة قوة تحافظ على حصار جدة، ورتب قواته على خطوط أوسع. وعصر الأحد 28 ذي القعدة ركب سيارته ومعه الشيخ عبدالله بن حسن وابناه الأمير محمد والأمير خالد، فوصل مكة في الساعة الحادية عشرة من النهار وطاف وسعى، ثم توجه إلى الأبطح ونزل في دار السقاف.

خرجت كوكبة من خيل جند الشريف علي من جدة ومعها سيارة على طريق مكة عصر يوم الثلاثاء، بعد قدوم السلطان عبدالعزيز إلى مكة في أواخر ذي القعدة سنة 1343. وكان جند السلطان كامنين لها في المنعطفات، فلما صارت بين الوزيرية والقشيلات الحمراء هاجمها فريق منهم وقطع فريق آخر مؤخرتها. فقُتل من الجيش الحجازي خمسة وعشرون فارسًا وخمسة عشر من الخيل، وغنم جند السلطان عشرة أخرى من الخيل، وفر الباقون فتعقبهم فريق من الخيالة حتى أدخلوهم وراء أسلاكهم.

أرسل السلطان عبدالعزيز في أواخر ذي القعدة سنة 1343 كتابًا من مخيمه إلى أهالي مكة، ذكر فيه أن حجاج الشرق قادمون إلى مكة بكثرة في تلك السنة، وفيهم بعض القبائل الجفاة الشديدة التعصب ممن يعتقدون أن أهل مكة لا يزالون على ما كانوا عليه، فرأى خوفًا من وقوع الفتنة أن يصلي الجمعة بالناس في الحرم في شهر الحج رجل من علماء نجد، على أن تعود الوظيفة إلى أهلها بعد رجوع الحجاج إلى بلادهم. فأجابه الأهالي بأنهم مطيعون لأمره، وأن الإمامة والخطابة له يتولاهما بنفسه أو يعطيهما من يشاء. وفي يوم الجمعة 4 ذي الحجة سنة 1343 أُمر المؤذن أن يؤذن أذان الجمعة قبل دخول الوقت بساعة، فأذّن في منارة باب الوداع، وبعد دخول الوقت صعد المنبرَ الخطيبُ الشيخ محمد بن عبداللطيف آل الشيخ أحد علماء نجد، فلما جلس أذّن رئيس المؤذنين فوق قبة زمزم، ثم خطب الخطيب وصلى الجمعة. وبعد انقضاء شهر الحج طلب الأهالي من الحكومة إرجاع وظيفة الجمعة إليهم، فأجابت بأنه ما دامت الحرب قائمة فلا يصلي الجمعة بالناس إلا إمامها. ثم سافر الشيخ محمد بن عبداللطيف إلى نجد، وعُيّن الشيخ عبدالله بن حسن خطيبًا.

أرسل ابن سعود في ذي القعدة سنة 1343 خالد بن لؤي، وسعود بن عبدالعزيز العرافة ومعه أهل القصيم من أهل عنيزة وأهل بريدة، ووجّههم شمالًا، فوصلوا رابغ وتزوّدوا منها ثم اتجهوا شمالًا. وفي أيام الحج وصلت البشرى إلى ابن سعود من السرايا بأن ابن لؤي أغار على بدر وضبطه بسهولة.

أعلن شاكر في برقية السادس والعشرين من ذي القعدة استيلاء قواته على بدر وفرار أحمد بن سالم؛ ثم تقدمت حملة سعود العرافة وخالد بن لؤي، واستردت بدر وأعادت أحمد بن سالم، وعسكرت في ينبع النخل.

أبرق قائمقام المدينة شحات إلى الملك علي في الحادي والعشرين من ذي القعدة أنه جهز ولده مع عسكره وبعض من حرب على النشمي فكسروه وأسروا أربعة من جماعته، بحسب البرقية الحجازية التي أوردها الريحاني.

أبرق قائمقام العلاء إلى الملك علي في السابع والعشرين من ذي القعدة بأن ثلاثة بيارق هجمت صباح يوم الجمعة على مدائن صالح، ودامت الحرب بينهم وبين العدو إلى العصر، فانقلب العدو خاسرًا تاركًا جرحاه وقتلاه، بحسب البرقية الحجازية التي أوردها الريحاني.

عقد اجتماع في الرياض في غرة ذي القعدة برئاسة الإمام عبدالرحمن وحضور عبدالعزيز والعلماء ورؤساء القبائل؛ وطالب الإخوان بالحج وإنهاء منعهم منه، وانتهى الاجتماع إلى الدعوة للمسير إلى الحجاز. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

أبرق الشريف شاكر من ينبع في السادس والعشرين من ذي القعدة بأنه احتل بدرًا وغنم ما فيها، وانهزم أحمد بن سالم صاحبها؛ فأرسل عبدالعزيز بن سعود حملة بقيادة سعود العرايف وخالد بن لؤي، فاستولت على بدر بعد قتال مع رجال الشريف شاكر، وأعادت أحمد بن سالم إلى مركزه، ثم عسكرت في ينبع النخل. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

أبرق قائمقام المدينة الشريف شحات في الحادي والعشرين من ذي القعدة بأنه جهز ولده مع عسكره وبعض من حرب على إبراهيم النشمي، فكسروه وأسروا أربعة من جماعته، بحسب البرقية التي نقلها الريحاني. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

أبرق قائمقام العلا في السابع والعشرين من ذي القعدة بأن ثلاثة بيارق هجمت صباح الجمعة على مدائن صالح، ودامت الحرب إلى العصر، فانقلب العدو خاسرًا تاركًا جرحاه وقتلاه، بحسب البرقية التي نقلها الريحاني. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

ذو الحجة 5 أخبار

خرج جند الشريف علي من جدة يوم الأربعاء 3 ذي الحجة سنة 1343، وكانوا أربعمائة من اليمانيين الساكنين في جدة، بعضهم من الجند وبعضهم من أصحاب المهن، حتى بلغوا القشيلات الحمراء بين الوطايا والوزيرية فكمنوا فيها. فانتظرهم الإخوان ساعة ثم هاجموهم، فلم تمض غير ثلاث دقائق حتى فروا إلى مخابئهم، فسدت الخيالة عليهم الطرق ووقع فيهم القتل، فلم ينج منهم إلا عشرة. وأُسر اثنان، أُتي بأحدهما إلى مكة فأخبر أن الجند الخارج من جدة كان أربعمائة، وبقي الآخر مجروحًا في الجبهة. وكانت خسائر الإخوان رجلين وفرسين وأربعة جرحى.

كُسيت الكعبة صباح يوم عيد الأضحى سنة 1343 كسوة جديدة من صنع الأحساء في الديار النجدية.

أصدر السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود في 28 ذي الحجة سنة 1343 بلاغًا عامًا إلى المسلمين، أعلن فيه أنه تفاوض مع الوفد الهندي الموفد من جمعية الخلافة الهندية وجمعية العلماء وانتهى البحث إلى اتفاق في جميع المسائل. وشكر الشعوب التي ناصرته وخص الشعب الهندي لأنه أول من لبى دعوته، وأكد ثباته على الدعوة إلى مؤتمر إسلامي عام ينظر في شؤون الحجاز من إصلاح الطرق وتأمينها وتوفير وسائل الراحة للوافدين، يتحمل معه المسلمون مسؤولية إدارة الحجاز، وأنه سيجدد الدعوة إليه متى تيسرت المواصلات. وذكر أنه يحافظ على استقلال الحجاز التام ولا يسمح لغير المسلمين بأي نفوذ فيه، وأن الشريعة الإسلامية هي القانون العام في البلاد المقدسة على طريقة السلف الصالح وأئمة المذاهب الأربعة. وأعلن أن المدينة المنورة لا تزال حرمًا آمنًا اكتفى بحصارها صونًا لها، وأنه شدد الأوامر على الجنود ألا يهاجموها ولا يدخلوها حتى يستسلم العدو، ونفى ما أشاعه أعداؤه من أنه سيهدم الروضة النبوية إذا استولى على المدينة.

بعد انسحاب ابن سعود من حول جدة ظن أهل جدة أنه لم يبق بعده قوة، فخرج من جدة في 3 ذي الحجة سنة 1343 خيّالة ونفر قليل يستكشفون، فرآهم الإخوان فكمنوا لهم، فلما تمادوا ظهروا لهم وتضاربوا معهم. فقُتل من الإخوان رجلان وفرسان، وقُتل من أهل جدة خمسة وعشرون نفسًا، وانصرف كل فريق، والجميع قليلون. فلما كان اليوم الرابع جزم أهل جدة أنه لم يبق هناك إلا الذين لقوهم بالأمس، فجمعوا قوة من أربعمئة رجل وسيارة وما عندهم من الخيل وأخرجوها. وكان ابن حشر شيخ قحطان قد قدم على ابن سعود في مكة ومعه ألف وخمسمئة رجل، فقال لهم ابن سعود: من سعى وطاف فليخرج، فخرجوا في يومهم إلى ميدان الحرب. فلما وصلوا إلى أصحابهم المحاصرين أخبروهم بما جرى أول النهار وأن أهل جدة سيعودون، فقال ابن حشر: الترتيب اليوم مني، فجعل كل خمسمئة في جانب وأمرهم أن يخفوا أنفسهم. فخرج أهل جدة قاصدين المكان الذي انسحب منه قوم ابن سعود، وجعلوا خيلًا تستطلع وترقب فلم تر أحدًا، فتمادوا، ثم حمل عليهم الذين أمامهم، فلما بدأ القتال انهزم أهل جدة، فإذا الفرقتان الأخريان قد اعترضتاهم وحالتا بينهم وبين جدة، فقتلوهم عن آخرهم، ولم يسلم منهم إلا عشرة رجال وأربعة جرحى وبعض الخيل التي هربت مسرعة. وكان ذلك في 3 و4 ذي الحجة سنة 1343.

توفي محمد بن عبدالكريم بن شبل في 7 ذي الحجة عن ستة وثمانين عامًا، بعد أن أقعد في بيته ثلاث سنوات.

دون شهر محدد 125 خبرًا

خطب الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن في الناس بمكة المكرمة، فدعا إلى التأدب بآداب القرآن واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقرر أن الشرف بالعمل الصالح لا بالحسب والنسب، وأن العقائد التي جاء بها الأنبياء أصلها إخلاص العبادة لله وحده. وذكر أنه كان يتمنى أن يقيم الحسين بن علي شرع الله في هذا البيت، لكن الحسين قرر تقسيم بلادهم وتوزيعها وأصرّ على ذلك، فاضطر إلى ما قام به. وبيّن أن عقيدتهم ما في كتاب «الهدية السنية»، وأنهم في الأحكام يسيرون على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ونفى ما أشاعه الترك وغيرهم عنهم من أنهم لا يصلّون على النبي صلى الله عليه وسلم أو ينكرون شفاعته، ثم دعاهم إلى التبايع على العمل بكتاب الله وسنة رسوله وسنة الخلفاء الراشدين، فقالوا: كلنا نبايع. ولما دنت صلاة العصر أُجّل البحث، فطلب الشيخ حبيب الله الشنقيطي أن تكون المناظرة مع علماء نجد على أن يذعن من قامت عليه الحجة، فقال الإمام: ما دام المرجع كتاب الله فلا أغضب من شيء. وانفضّ المجلس على أن تجتمع نخبة من علماء نجد ونخبة من علماء مكة للتفاهم، وقال الإمام للشنقيطي: إننا خدّام لطلبة العلم، ننفذ ما يفتوننا به.

اجتمع علماء نجد وعلماء مكة المكرمة صباح يوم الاثنين، فتحاوروا في أصول العقائد ولم يختلفوا في أصل منها، ووقع الجدال في بعض المسائل الفرعية. ثم أصدروا بيانًا وقّعه علماء الحرم، ومنهم الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي والشيخ عمر باجنيد والشيخ درويش عجيمي والشيخ عبدالرحمن الزواوي وغيرهم، أعلنوا فيه أنهم اجتمعوا بمشايخ نجد القادمين مع الإمام عبدالعزيز، ومنهم الشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف والشيخ عبدالله بن حسن والشيخ عبدالوهاب بن زاحم والشيخ محمد بن عثمان الشاوي والشيخ مبارك بن عبدالمحسن بن باز. واتفقوا على مسائل منها: أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويرجوهم فهو كافر، وأن طلب الشفاعة من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك، وتحريم البناء على القبور وإسراجها والصلاة عندها، وأن من سأل الله بجاه أحد من خلقه مبتدع، وأنه لا يجوز الحلف بغير الله، وأنه لم يحصل بينهم خلاف في شيء منها.

وفد على الإمام عبدالعزيز في مخيمه وفد من قبيلة حرب المقيمين بين رابغ وجدة، ومن قادتهم ابن حمادي وابن جاسم وسليمان النتاف والمصباحي وعطية بن عبدالعزيز وصالح بن عجب وحظيظ بن حتيرش وعبدالله بن محمد والشريف عبدالله بن عبيد ومبارك بن مبارك بن سليم. فقدّموا طاعتهم وعاهدوه على السمع والطاعة وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وعلى أن يحموا الطريق بين جدة ورابغ، وأقسموا على ذلك، ثم عادوا إلى ديارهم بعد أن أمّنهم.

وفد ابن مبيريك صاحب رابغ على الإمام عبدالعزيز يكرر عرض طاعته.

كتب الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل آل سعود إلى أهالي جدة، يذكر لهم أن أغلب العالم الإسلامي أبدى عدم رضاه عن حكم الحسين وأولاده للحجاز. وعرض عليهم الأمان على أنفسهم وأموالهم إن سلكوا مسلك أهل مكة، ودعاهم إلى الخروج من البلدة والإقامة في مكان معين أو القدوم إلى مكة، وإلى الضغط على الشريف علي بن الحسين لإخراجه من بلدهم، وأنذرهم بأنهم إن ساعدوه ووالوه فتبعة ما يقع تكون على المتسبب.

جرت وقعة عسفان. وكانت قبائل من بطن تهامة تمتد ديارها إلى المدينة المنورة وما جاورها تؤذي حجاج بيت الله الحرام في كل موسم، فتأخذ منهم الخراج وتقطع السبل، وتأخذ من حكومة الحجاز أموالًا أشبه بالإتاوة. فلما دخل الجيش النجدي مكة طلب بعض زعماء تلك القبائل أن يُعطوا ما كانوا يأخذونه من قبل، فأجابهم قواد الجند بأنه ليس لهم إلا ذمة الإسلام، وأنهم إن دخلوا في الطاعة كانوا كسائر المسلمين. فلم يرضوا وعادوا إلى قطع السبل، فسارت إليهم سرية من الإخوان فأغارت عليهم صباحًا في منازلهم بعسفان بين مكة والمدينة، وقاتلتهم حتى فرّ منهم من فرّ وأُسر من أُسر، واستاق الإخوان ما تركه المنهزمون من إبل وغنم وعبيد ومتاع.

كانت القنفذة والليث بلدتين ساحليتين من بلاد اليمن تابعتين لحكومة الشريف حسين. فلما دخلت الجنود النجدية مكة المكرمة ذهب الشريف عبدالله بن حمزة، أمير تلك البلاد، إلى أبها مركز عسير، فقدّم طاعته للأمير المنصوب من قبل الإمام، فأُمر بأن يسلّم ما بيده إلى محمد بن عجاج ويتوجه إلى مكة المكرمة، فنفّذ الأمر وقدم مكة.

انقطع الطريق بين المدينة المنورة وشرق الأردن، وكان يُتوقع أن تُسلَّم المدينة للجنود النجدية بغير مقاومة.

خطب الشيخ حافظ في اجتماع بمكة المكرمة، فذكر أن السلطان عبدالعزيز آل سعود يرى أن هذه البقعة من أقدس بلاد الله، ويريد أن تُطهَّر من البدع، وأنه يريد الارتقاء الديني لا ما يُدعى إليه من الترقي المدني. وذكر أنه يريد لهذه البلاد نجاح عهد الشورى ولا يريد الاستبداد، وأن بابه مفتوح للناصحين ويكره التملق، وأنه لا يريد أن يكون البيت ملكًا لأحد بل حقًا مشاعًا لكل المسلمين، وأن التجارب دلّت على أن الحسين وآله غير صالحين لإدارة هذه البلاد. ثم تكلم الشيخ حبيب الله الشنقيطي داعيًا بالنصر للسلطان عبدالعزيز ما دامت غايته نصرة الإسلام.

ضاق الرزق على أهل مكة المكرمة لما منع الشريف علي دخول الأقوات إليهم عن طريق جدة، حتى جاع كثير منهم. فكتبوا إلى السلطان عبدالعزيز في 20 جمادى الأولى بتوقيع عبدالقادر الشيبي وآخرين عن عموم جيران بيت الله الحرام، يرجونه أن يوصل كتابًا منهم إلى الشريف علي في جدة، فأجابهم السلطان في التاريخ نفسه بأن ما يؤلمهم يؤلمه، وأنه يجلب الأرزاق لجنده من الخارج، وأنه لم يمنعه عن جدة إلا رجاء سلامتها وسلامة أهلها، ووعدهم بإرسال الكتاب مع أنه لا يظن أنه سيفيد. وكان كتابهم إلى الشريف علي محررًا في 18 جمادى الأولى بتوقيع جمع من علماء مكة وأعيانها يتقدمهم صاحب مفتاح بيت الله الحرام علي بن عبدالقادر الشيبي. وفيه يعاتبونه على التضييق عليهم ومنع الأرزاق عنهم مع أنهم لا ذنب لهم في دخول جيوش نجد، ويذكّرونه بأنه أبى تخليص عائلاتهم وأموالهم من الطائف ثم تركهم بلا حماية عند خروجه من مكة، ويطلبون منه إما أن يتقدم بجيوشه ويخرج الحكومة النجدية، أو أن يهيئ لهم سبيلًا لجلب أرزاقهم، وإلا استغاثوا بالله وبعامة المسلمين.

طلب بعض علماء مكة المكرمة وأعيانها من السلطان عبدالعزيز أن يخصص لهم يومًا في الأسبوع يجتمعون فيه معه، فحدّد لذلك عصر الجمعة من كل أسبوع. فحضروا إليه في منزل باناجة يتقدمهم شيخ بني شيبة الشيخ عبدالقادر الشيبي، فحدثهم بأنه يقدّر ما يقاسونه من انقطاع الأقوات عن طريق جدة، وأن دخول جدة يسير عليه، لكنه يسعى إلى أن تنضم إلى هذه الديار بغير إراقة دماء. ودعاهم إلى مناصحته وعرض حوائجهم عليه، فوعدوه بأن يكتبوا إليه بما يحتاجون، ورجاهم عند انصرافهم ألا ينحنوا عند مصافحته وأن يصافحوه مصافحة عربية إسلامية.

كتب الشريف علي إلى السلطان عبدالعزيز يطلب الصلح، وتوسط في ذلك بعض من ليس لهم علاقة بالديار المقدسة من غير المسلمين، فأجابه السلطان بأن الأمر معلّق على مشيئة العالم الإسلامي، وأن عليه أن يترك جدة ويفتح الطريق لوفود المسلمين ليجتمعوا في البلد الحرام وينتخبوا من يرونه أهلًا لإدارة شؤون هذه البلاد.

وصل مكة المكرمة صباح يوم الاثنين عدد عظيم من قبائل حرب ومطير، بعد نحو نصف عام قضوه في الغزو، فلبّوا وطافوا وسعوا، ثم ساروا إلى المقر السلطاني واستُعرضوا أمام السلطان عبدالعزيز. فوعظهم وأوصاهم بسكان مكة ومجاوري بيت الله الحرام خيرًا، فأجابوه بالسمع والطاعة، وطلبوا منه أن يسيّرهم للقتال، فأمرهم بالتريث بضعة أيام ليستريحوا من عناء السفر. وكان فيهم كثير ممن حضر وقائع شرق الأردن.

بنى النصارى في حفر الباطن، في موضع قريب من الزبير من جهة قبلته، اثني عشر قصرًا، منها قصر مغلق ليس له باب، فيه ثلاثون غرفة، ولا يُدخل إليه إلا بالطائرة من أعلاه، وهو مبني بالحصى والإسمنت وسقوفه من أضلاع الحديد. وقد ابتُدئ بناء هذه القصور سنة 1343 وتم سنة 1347. وكانوا يريدون مدّ سكة حديدية من البصرة إلى الزبير، ثم إلى هذه القصور، ثم إلى القصيم تاركةً إياه عن يسارها، وصولًا إلى مكة المكرمة.

أمر السلطان عبدالعزيز في الشهر الأول من سنة 1343 بغزو شرق الأردن قبل الزحف إلى الحجاز، فسار الإخوان من أطراف وادي السرحان وعددهم بين ألفين وثلاثة آلاف. فلقوا في طريقهم ثلة من جنود شرق الأردن مع رجال قافلة عددهم خمسة وعشرون، كانوا يحملون المؤن والذخيرة إلى حامية قصر الأزرق، فقتلوهم إلا واحدًا وغنموا القافلة كلها. ثم تقدموا غربًا فهجموا على الطنيب وأم العمدة والقسطل وبادودة، وكادوا يبلغون العاصمة عمّان بعد أن اجتاز فريق منهم سكة الحديد. فأمرت الحكومة بالدفاع، فبادر البدو وفي مقدمتهم الصخور والحويطات إلى قتالهم في معركة دامية دامت بضع ساعات، وأرسل بيك باشا القائد الإنكليزي للجند النظامي الطائرات والسيارات المدرعة فرمت الإخوان بالقذائف والمدافع الرشاشة. وتجاوز عدد القتلى من الإخوان وبدو عمّان خمسمائة.

زحف سلطان بن بجاد الملقب بسلطان الدين والشريف خالد بن منصور بن لؤي أمير الخرمة سنة 1343 إلى الطائف بجيش من الإخوان مؤلف من خمسة عشر لواءً من ألوية الغطغط والخرمة وتربة ورنية وعتيبة وقحطان وبني تميم. ولم يتجاوز هذا الجيش، مع من انضم إليه بعدُ من بدو الحجاز وأشرافه كالحرث وبني ثقيف، ثلاثة آلاف مقاتل. وخرجوا من مركز اجتماعهم في تربة، ولم تعلم الحكومة بهجومهم حتى وصلت سراياهم في اليوم الأول من صفر سنة 1343، الموافق سبتمبر سنة 1924م، إلى قرية الحوية التي تبعد بضعة أميال عن الطائف. فأمر ناظر الحربية الهاشمية أمير اللواء صبري باشا جنود النظام بالدفاع، فخرج نحو أربعمائة منهم ومعهم بعض المدافع الجبلية والرشاشة إلى الحوية، فدارت بينهم وبين سرايا الإخوان معركة دامت بضع ساعات كانت الغلبة فيها للإخوان. وتقهقر النظاميون إلى جهة الطائف، فانضم إليهم جند من البدو ورابطوا معهم في الهضاب الغربية من البلد إلى الشمال والشمال الغربي منه، وظلوا يطلقون المدافع على الإخوان ويناوشونهم ثلاثة أيام دون أن يتمكنوا من ردّهم.

أمر الملك الشريف الحسين سنة 1343، لما وصلته أخبار سقوط الطائف، بجمع الناس في المسجد الحرام، فخطب فيهم عمر شاكر محرر جريدة «الفلاح» من المنبر الموضوع عند باب المحكمة، وأخبرهم بما وقع في الطائف من النهب والقتل، وحرّضهم على الخروج لمدافعة الإخوان ومنعهم من دخول مكة. فتطوع أناس من جميع الحارات وجماعة من المغاربة والتكارنة وأُعطوا السلاح، واجتمع كثير من البدو. ولما اكتمل الجيش تقدم الأمير علي إلى الطائف من طريق كرا بالمشاة من الجنود النظاميين والمتطوعين وأقام معسكره في الهدا، وتقدم صبري باشا من طريق اليمانية بالقوى الراكبة من الخيل والهجانة، وتقدمت طلائع الأمير علي بقيادة الشريف هزاع إلى وادي محرم على نحو ساعة ونصف من الطائف. فاقتتل الفريقان في وادي محرم، ووقعت الهزيمة أولًا على الإخوان حتى كاد الجيش يدخل الطائف، ثم انقضت قبيلة بني سفيان وقبيلة أخرى معها من بين الجبال على العساكر وأحاطت بهم. ويقال إن القبائل التي كانت في وسط الصف غدرت فرمت من أمامها من العساكر، فقُتل كثير من العساكر والأهالي وجُرح كثيرون وهرب الباقون. وأما جيش صبري باشا فقاتل بقوة وكاد ينتصر، فغدرت به قبيلة طويرق وغيرها، فرجع الجميع منكسرين. فضعفت معنويات الحجازيين وكثر المنضمون إلى السعوديين، ومنهم بعض الأشراف وعلى رأسهم أشراف الحرث.

جمع الملك حسين الأشراف سنة 1343 بعد هزيمة جيشه أمام الإخوان قرب الطائف، وسألهم عن رأيهم، فقرروا الانسحاب إلى جدة، وبدأوا بإرسال النساء والأطفال ومنهم عائلة الحسين نفسه. واجتمع الشريف عبدالله باشا بن محمد وقاضي القضاة الشيخ عبدالله سراج ورئيس الديوان العالي السيد أحمد السقاف، وقرروا أن يقترحوا على الحسين إرسال برقية إلى الحكومة البريطانية خلاصتها أن الدولة الهاشمية هوجمت من السعوديين على غير استعداد، وأنهم يرجون باسم الصداقة القديمة أن تتدخل الحكومة البريطانية لكف الأذى. فكُتبت البرقية ووُقِّعت وأُرسلت إلى مكتب البرق، لكن الحسين أوقفها ومنع إرسالها.

أرسل الملك علي بن الحسين سنة 1343، بعد أن بويع بالملك، برقية عن طريق البحرين إلى السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود يعرض فيها السلم، ويقترح عقد مؤتمر لإتمام المفاوضات التي بدأت في مؤتمر الكويت وإزالة بواعث الخلاف، واشترط لعقده جلاء الجنود النجدية عن الحجاز. فأجابه السلطان بأن شرطه الأخير ألا صلح ما دام أبناء الحسين يتوارثون الملك في الحجاز، وأن الحجاز للعالم الإسلامي فلا ميزة فيه لطائفة من المسلمين على أخرى.

أبرق شوكت علي رئيس جمعية الخلافة في دهلي بالهند سنة 1343، في 17 أكتوبر، إلى سلطان نجد عن طريق البحرين، يخبره أن أهل الحجاز أبلغوا الجمعية بخلعهم الشريف حسين وإقامة ابنه الأمير علي ملكًا على الحجاز فقط، وطلبوا تدخلها. وذكر أن الجمعية أجابتهم بأن مسلمي الهند وسائر الشعوب الإسلامية لا يوافقون على بقاء الحسين ولا أبنائه في الحجاز بسبب أعمالهم مدة ثماني سنوات، وأن حكومة الحجاز يجب أن تكون حرة خاضعة لرأي العالم الإسلامي، وأن الجمعية لا تعترف بإمارة الشريف علي وقررت إرسال مندوبين من قبلها إلى الحجاز. فأجابه السلطان عبدالعزيز شاكرًا، وقال إنه ما دام الحسين أو أحد أولاده حاكمًا على مكة فلا أمل في نشر السلام، وإن تبعة ما وقع تقع على الحسين وحده وأهل الحجاز براء منها، وإن الكلمة الأخيرة للعالم الإسلامي.

كتب ممثلو بريطانيا العظمى وإيطاليا وفرنسا وإيران وهولندا في جدة إلى قائد الجيوش الوهابية العاملة في الحجاز يدعونه إلى احترام رعاياهم وأموالهم في كل مكان وزمان، نظرًا إلى الحوادث الحربية ووجود عدد كبير من رعاياهم في البلاد المقدسة، وأعلنوا أن حكوماتهم تحمّل جيشه وكل من يعمل باسمه مسؤولية ما يقع على رعاياهم من قتل أو نهب. فأجابهم قواد الجيوش بأنهم لم يقصدوا ملكهم ولا رعاياهم، وإنما قصدوا محاربة من حال بينهم وبين البيت الحرام الذي يبذلون في حمايته أموالهم وأنفسهم. وذكروا أن أهل مكة وسكانها آمنون على دمائهم وأموالهم، وأنه لا غرض لهم في جدة ونواحيها، وطلبوا إعلامهم بأي تعدٍّ يقع ليمنعوه.

كتب خالد بن منصور بن لؤي وسلطان بن بجاد إلى قناصل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وإيران في جدة بأنه لا غرض لهما في رعاياهم، وأن علي بن الحسين باقٍ في جدة يسعى بالفساد عليهم وعلى رعايا القناصل، ويشن الحرب بقطع السبل ومنع الأرزاق عن مكة. وطلبا منهم إخراجه من جدة إن قدروا على ذلك، أو إخراج رعاياهم ومن التحق بهم منها وإعلامهما بمكانهم. وذكرا أن منشور السلطان عبدالعزيز بن سعود إلى أهل جدة في شأن عزل الحسين وتقديم ولده علي، ومضمونه أنه لا يقبل الحسين ولا أولاده، سيصل جدة قريبًا. فردّ القناصل بأن حكوماتهم ملتزمة الحياد التام في الحرب القائمة بين نجد والحجاز، فلا يمكنهم التدخل فيها بأي وجه، وأنهم أخذوا علمًا بأنه لا نظر لهما في رعاياهم، وأكدوا مضمون كتابهم الأول في شأنهم.

كتب الحزب الوطني الحجازي برئاسة محمد طويل، باسم عموم أهالي جدة وأهالي مكة الموجودين بجدة، إلى الأمير خالد بن منصور بن لؤي قائد الجيوش السعودية، يذكر أن كتاب الإمام عبدالعزيز بن سعود وصلهم يؤمّن فيه أهل مكة وجدة على أرواحهم وأموالهم، وأن الشريف الحسين تنازل عن الملك وغادر البلاد، وأن الناس بايعوا ولده الشريف عليًّا واشترطوا عليه النزول على رأي المسلمين. ورأى الحزب أنه لم يبق موجب للقتال ما دام الإمام عبدالعزيز قد ذكر أنه سيجعل أمر البلاد شورى بين المسلمين، وطلب الموافقة على إرسال مندوبين منه لعقد هدنة توقف القتال إلى أن تحضر الوفود التي طلبوها من الأقطار الإسلامية، ولا سيما من جمعية الخلافة بالهند. فأجابهم خالد في 22 ربيع الأول بأن الله فتح بيته عنوةً للمسلمين وطهّره من الحسين وأولاده لإلحادهم في الحرم وتعديهم حدود الله وظلمهم، وأن علي بن الحسين إن طلب الأمان قُبل منه وقدم عليهم آمنًا، وأن المرجع في المخابرة هو الإمام عبدالعزيز.

بحث وفد الحزب الوطني الحجازي الأمر مع الأمير خالد بن منصور في مكة، فتصلّب الأمير وخيّرهم بين أن يقبضوا على الأمير علي أو يجبروه على الخروج من الحجاز، فإن عجزوا عن ذلك لضعفهم فلديه خارج البلد قوة من البدو المتطوعين في الجيش النجدي لمساعدتهم. فعاد الوفد إلى جدة يحمل هذه الشروط، ووصلها يوم السبت 26 ربيع الأول، واجتمع في اليوم نفسه في الساعة الثانية ليلًا بأعيان البلد والأهالي، فعرض عليهم الشروط وأخبرهم أن لهم مهلة عشرة أيام. فقرر الأهالي الذهاب إلى دار الملك وإجباره على التنازل، فلم يوافقهم رئيس الحزب محمد طويل بل هددهم، ثم أعلن انفصاله عن الحزب وإلغاءه، فأُلغي الحزب بتاتًا يوم الأحد 27 ربيع الأول.

كتب الشريف علي بن الحسين إلى الأمير خالد بن منصور بن لؤي، بعد اطلاعه على كتب خالد إلى أهالي جدة وما فيها من تهديد، يذكر أن أهالي جدة محكومون بحكام، فليس في استطاعتهم تنفيذ ما يطلبه منهم. وعرض عليه، إن كان مفوّضًا من السلطان عبدالعزيز في التفاوض لحقن دماء المسلمين، أن يُعيَّن مندوبون من الطرفين يجتمعون في مكة أو في بحرة، وإن لم يكن مفوّضًا أن يطلب من سلطان نجد تفويضه أو تفويض من يراه، على أن تُوقف الحركات الحربية من الطرفين إلى أن يأتي جواب السلطان عبدالعزيز.

أرسل السلطان عبدالعزيز عند توجهه إلى مكة كتابًا إلى الإمام يحيى وغيره من أمراء الإسلام المستقلين، يخبرهم فيه بأنه استقبل الطريق إلى مكة غير باغٍ ولا آثم، ويدعوهم إلى إرسال من يمثلهم في مؤتمر مكة.

اجتمع السلطان عبدالعزيز بن سعود في الساعة الثامنة من يوم السبت التالي لدخوله مكة بعلماء مكة وأهلها والمجاورين في بهو الحميدية. فتكلم الشيخ حافظ وهبة مبيّنًا أن السلطان يريد الارتقاء الديني بالرجوع إلى الكتاب والسنة لا ما يسمى الترقي المدني، وأنه يريد أن يعيد إلى البلاد عهد الشورى ولا يريد الاستبداد، وأنه لا يريد البيت ملكًا لأحد بل مشاعًا بين المسلمين، وأن التجارب دلت على أن الحسين وآله غير صالحين لإدارة البلاد. ثم تكلم الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي. ثم خطب السلطان، فتكلم في أن الشرف بالعمل الصالح لا بالنسب، وفي حرمة البيت، وفي أن أصل دين الأنبياء إخلاص العبادة لله وحده. وأقسم أنه كان يتمنى أن يقيم الحسين بن علي شرع الله في هذا البيت ولا يعمل لإبادتهم، لكن الحسين قرر تقسيم بلادهم وأصرّ عليه. وذكر أن عقيدتهم هي ما في «الهدية السنية» التي بعث منها بنسختين، وأنهم يتبعون في الأحكام اجتهاد الإمام أحمد بن حنبل، ونفى ما أشاعه الترك ومن جاء بعدهم من أنهم لا يصلون على النبي محمد أو ينكرون شفاعته، ودعا العلماء إلى ردّهم إلى الكتاب والسنة إن وجدوا عندهم خطأ، فتعالت الأصوات بالمتابعة. ولما حان العصر آذنه الشيخ عبدالله بن حسن بالصلاة، فانفض الاجتماع على أن تجتمع نخبة من علماء نجد بنخبة من علماء مكة للتفاهم. وقال السلطان للشنقيطي إنهم خدام طلبة العلم، ينفذون ما يفتونهم به.

كان في صحبة السلطان عبدالعزيز في سفره إلى مكة من آل بيته: أخوه الأمير محمد، والأمير عبدالله وولداه الأمير محمد والأمير خالد، وناصر بن سعود، ومساعد بن سويلم، ومشاري بن جلوي آل سعود؛ ومن العلماء: الشيخ عبدالله بن حسن قاضي الجيش وإمامه في الصلاة، والشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف، والشيخ عبدالرحمن بن علي بن الشيخ وأخوه سليمان، ومحمد بن عبدالعزيز، والشيخ عبدالله العجيري، والشيخ حمد الخطيب، والشيخ عبدالرحمن النفيسة وأخوه حسين، وعبدالرحمن بن مشاري بن سويلم، وعبدالله بن سعد السديري، وعبدالعزيز آل إبراهيم، ومحمد بن حوبان؛ ومن آل سبهان: عبدالله الناصر، وإبراهيم السبهان أمير حائل السابق ومعه حمد الشويعر صاحب بيت المال في حائل، وخدام بن فائز، ومبارك آل حماد العميم، وسليمان العبيد، ومحمد بن عبدالكريم السبهان، وعبدالله السبهان، ومحمد الصالح، وعبدالعزيز آل حمود؛ ومن آل طلال الرشيد: فهد ورشيد وسلطان؛ ومن آل عساف: حسين وولده سليمان، وعساف الحسين آل منصور؛ ومعهم حشر البواردي، ومحمد بن حجرف البواردي، وعبدالرحمن بن عبدالله السبيي؛ وكذلك السيد حمزة من أهل المدينة المنورة، وطبيبه الخاص الدكتور محمود حمدي، ومحمد بك النحاس، وبشير بك الأمين. ولحق به في الطريق خمسة عشر لواءً من جنده: خمسة لأهل الحضر، هي ألوية أهل بريدة وعنيزة والبكيرية والمذنب والخبراء، وعشرة لسكان الهجر، هي ألوية الداهنة ودخنة والدليمية ومسكة والبدع ونفس والشبيكة وعبد المنعم بن شمس وخبرية وشريفة.

طلب بعض علماء مكة وأعيانها سنة 1343 من السلطان عبدالعزيز أن يجعل لهم يومًا في الأسبوع يجتمعون به فيه، فحدد لهم ما بعد صلاة العصر من يوم الجمعة من كل أسبوع. وفي يوم الجمعة 15 جمادى الأولى حضر العلماء والأعيان، يتقدمهم شيخ بني شيبة الشيخ عبدالقادر الشيبي، إلى منزل آل باناجة حيث كان السلطان ينتظرهم. فأخبرهم أنه يقدّر ما يقاسيه الأهالي من انقطاع ورود الأقوات عن طريق جدة، وأنه يسعى إلى ضمها دون إراقة دماء، وأن الشريف عليًّا كتب يطلب الصلح وتوسط في ذلك بعض غير المسلمين، فأجابه بأن الأمر معلّق على مشيئة العالم الإسلامي، وأن عليه أن يترك جدة ويفسح الطريق لوفود المسلمين ليجتمعوا في مكة وينتخبوا من يرونه أهلًا لإدارة البلاد. ثم دعاهم إلى رفع حاجاتهم ونصائحهم إليه، فوعدوه بأن يكتبوا إليه بما يحتاجون.

دعا السلطان عبدالعزيز سنة 1343 علماء مكة ووجهاءها إلى دار آل باناجة بعد صلاة الجمعة، وأخبرهم أن كثرة مشاغله تمنعه من سماع شكاوى كل فرد، وأنه لا يريد الاستئثار بالأمر دونهم بل يريد مشورتهم. وطلب منهم أن تجتمع نخبة من العلماء والأعيان والتجار فينتخب كل صنف منهم عددًا بأوراق يمضيها المجتمعون، ليتولى المنتخبون النظر في المصالح العامة للبلد، ويكونوا مرجعًا لشكاوى الناس وواسطة بين الأهالي وبينه، مؤكدًا أنه يريد مجلسًا حقيقيًا لا صوريًا، وطلب أن يقدموا إليه قائمة بأسماء من سيشتركون في الانتخاب. فشكروه وقالوا إن هذا حكم الشورى الذي جاء به القرآن، وانصرفوا على أن يعلموه بوقت اجتماعهم.

بعث السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل مساء يوم السبت إلى رئيس البلدية في مكة ليجمع خاصة الناس، ثم أرسل إلى علماء مكة وأعيانها وتجارها كتابًا يذكر فيه تهاون الناس في الصلاة وتأخرهم عنها، ويطلب منهم تعيين رجال يطوفون بالأسواق والمجامع يأمرون الناس بالصلاة كلما أذّن المؤذن، وأن يُرتَّب لكل سوق حرس يحفظه وقت الصلاة. وطلب كذلك أن يختاروا من العلماء والتجار والأعيان رجالًا ينظرون في شؤون البلد ومعاملاتها وأوقافها، وأن يكتبوا بذلك سندًا ممضيًا منهم. فاجتمع الأهالي في دائرة البلدية، ورفعوا إليه جوابهم في 24 جمادى الأولى سنة 1343 بأنهم ألزموا البلدية بإطلاق منادٍ ينادي بوجوب القيام إلى الصلاة جماعة، وطلبوا منه إزالة سوء التفاهم مع الإخوان، مبينين أن المسلمين يعتقدون فرضية الصلاة وأن الجماعة عند الأئمة الأربعة سنة مؤكدة وللإمام أحمد قول بوجوبها. وأخبروه بأنهم انتخبوا عددًا من الأشخاص وجُمعت أوراق الانتخاب في البلدية على أن يُنظر في الغد فيمن نال أكثرية الأصوات، والتمسوا منه وضع مواد تنظم عمل المنتخبين ومدتهم.

قصفت المدافع السعودية مدينة جدة في أثناء حصارها سنة 1343، وقد نُصبت شرق الكندرة وعلى طريق مكة، فكانت قنابلها تصل في البدء إلى ما بين مائة ومائتي متر من الأسلاك، ثم داخل الأسلاك، ثم تقدمت مع حفر الخنادق حتى صارت تتساقط في قلب المدينة. وأصابت دار الوكالة البريطانية مرتين، فاخترقت قنبلة جدار غرفة النوم ودخلت أخرى مكتب الوكيل، وأصابت دار وكالة السوفيت فكسرت العلم فوق سطحها، وانفجرت في مخيم الهلال الأحمر. وكان القصف يبدأ صباحًا بعد صلاة الفجر ساعتين أو ثلاثًا ثم يُستأنف بعد الظهر إلى غروب الشمس. ولما اشتدت الحرب المدفعية في شهري رجب وشعبان نصب النجديون مدفعًا في الرويس، فصارت قنابلهم تقع في الجهة البحرية من المدينة وفي قلبها، فقُتل عدد من الناس واستولى الرعب على الأهالي، فبدأت الهجرة من جدة إلى سواكن ومصوّع وعدن في المراكب التجارية، ثم أخذ الناس يرحلون في السنابيك إلى الليث ومنها إلى مكة.

كتب وفد جمعية الخلافة الهندية سنة 1343 إلى السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود يخبره بأن ولاة الأمور في جدة لم يأذنوا لهم بالسفر إليه إلا بالاعتراف بشروط عرضوها عليهم، وأنهم لا يملكون قبولها حتى يرجعوا إلى المجلس المركزي لجمعية الخلافة الهندية، فأبرقوا إلى المجلس يستطلعون حكمه ولم يصلهم جواب. وناشدوا الفريقين التعجيل بإنهاء الحرب لاقتراب الأشهر الحرم وتأهب الحجاج للسفر، ولما يعانيه أهل مكة والمدينة والطائف وجدة من كساد الأسواق وغلاء الأرزاق، وانسداد الطريق بين مكة وجدة ونهب أموال المسافرين، وخشية حرمان المسلمين من الحج في تلك السنة.

أجاب السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود عن كتاب السيد سليمان الندوي رئيس وفد جمعية الخلافة الهندية. فذكر أنه وقف على أسباب تأخر الوفد عن القدوم إليه بعد أن أذن له، وأن ولاة الأمور في جدة منعوه من السفر إلا بشروط وضعوها، وأعرب عن تقديره لحرص الوفد على السلم والتآخي، وذكر أنه سينشر على العالم الإسلامي وثائق رسمية عثر عليها في أوراق الشريف حسين وأبنائه تكشف حقيقتهم. وأكد أنه أعلن منذ أول يوم للجهاد أنه لا يقصد التوسع في الملك ولا التسلط على البلاد المقدسة ولا التحكم في رقاب أهلها، وإنما يقصد تأمين حرم الله وتسهيل الطرق للوافدين وتطهير البلاد مما يخالف الشريعة. وأضاف أنه سيجري على المنهاج الذي يضعه العالم الإسلامي، وأنه يرى قتال المتطوعين الذين جاؤوا لقتاله وجهاد الحسين وأتباعه واجبًا عليه.

قدم السيد طالب النقيب والمستر فلبي وأمين الريحاني إلى جدة للسعي في الصلح بين الشريف علي والسلطان عبدالعزيز، وكتب كل منهم إلى السلطان في ذلك. فأجاب السلطان طالب النقيب بأنه يرحب بمقابلته إن كانت شخصية ودية، وأنه لا يرى فائدة في الوساطة في مسألة الحجاز، وأن الشريف علي إن كان يريد حقن الدماء حقًا فعليه أن يتخلى عن جدة. وأجاب فلبي بأنه يرحب بلقائه خارج الحرم إن كان للبحث في شؤونهما الخاصة، ولا يرى فائدة في جعله وسيطًا في هذه المسألة الإسلامية. وأجاب الريحاني، وكان قد ذكر أنه موفد من جماعة في سوريا يحمل كتابًا منهم، بأنه يرحب به، ولكنه لا يرى فائدة في البحث في المسألة الحجازية لأن مشكلة الحجاز يجب أن يحلها المسلمون. ثم طلب طالب النقيب أن يزور السلطان زيارة شخصية ودية وألح في الإسراع لأنه مضطر إلى العودة إلى مصر قريبًا، فاعتذر السلطان بأن مكة في حال من الاضطراب لا تجوز معها المخاطرة براحته. وكتب فلبي كتاب وداع فأجابه السلطان بالتوديع.

استأذن أمين الريحاني السلطان عبدالعزيز في قدوم صديقه حسين العويني التاجر السوري في جدة إليه حاملًا رسالة منه، فأذن له السلطان. فخرج العويني من جدة محرمًا على بغلته ومعه خادمه والنجاب ورفيق آخر، فوصلوا ظهر اليوم التالي إلى المخيم السلطاني بالشهداء، ثم رجع العويني إلى جدة بعد ثلاثة أيام يحمل كتاب السلطان إلى الريحاني. وكتب الريحاني جوابه، فلما لم يأته رد السلطان مدة أسبوع كتب إليه من جدة في 7 جمادى الآخرة سنة 1343 يستعجل الجواب. وألحق بكتابه أن الطيارة التي أشرفت على مكة يوم السبت الماضي تجاوزت الأوامر وعوقب طيارها بالحبس، وأن الحكومة والجند في جدة في قلق مما شاع من تقدم رجال السلطان إلى جدة، وأنهم يأبون الامتناع عن الحركات الحربية، ولكنه تمكن من توقيفهم يومين إلى مساء الأحد. فأجابه السلطان بأنه لا يرى له فضلًا في توقيفهم عن الزحف عليه، وأنه يرجو أن يأذن لهم بذلك. وطلب منه أن يبلغ الأمير عليًا أنه بلغه أن عليًا يتحرج من قتاله في الحرم، ويقول إنه سيقاتله فيه إن لم يخرج منه، وأن السلطان قد خرج من الحرم.

نقل المؤلف عن الريحاني أن الحكومة الهاشمية في عمان أرسلت إلى الأمير علي، بعد مبايعته بالملك إثر تنازل الملك حسين، أربعين ألف ليرة للتجنيد ولشراء العدد الحربية من أوروبا ولا سيما الطيارات والسيارات المصفحة. فباشر الأمير علي التجنيد بمساعدة بعض الزعماء في فلسطين، فجاءت فرقة المتطوعين الأولى في ربيع الأول سنة 1343، وتلتها فرق أخرى حتى بلغ الجند النظامي نحو ألف جندي، ثم جاءت في رجب فرقة عددها مائتان وثلاثون، وفي رمضان فرقة أخرى عددها خمسمائة، واجتمع من البدو نحو ألف وخمسمائة مقاتل. وفشا في الجيش مرضا الملاريا والدوسنتاريا فمات بسببهما عدد كبير.

نقل المؤلف عن الريحاني أن حكومة الشريف علي في جدة نفدت خزينتها سنة 1343 فلم يبق لها مورد غير الحسين في العقبة. فجاءت الباخرة الرقمتين في رجب تحمل صندوقين فيهما خمسة عشر ألف ليرة، وجاءت في رمضان بخمسة آلاف ليرة، وفي شوال أبحرت الباخرة رضوى من العقبة تحمل للجيش عشرين ألفًا من الذهب، وفرضت الحكومة في أثناء ذلك على التجار اثني عشر ألف ليرة. ثم نُقل الحسين من العقبة فلم يرسل بعد ذلك غير خمسة آلاف ليرة، فاشتد العسر المالي يومًا بعد يوم حتى اضطر الملك علي إلى أن يرهن أطيانه الخاصة في مصر مقابل قرض قيمته خمسة عشر ألف جنيه.

استعدت الحكومة الهاشمية في جدة للحرب سنة 1343، فاشترت ثلاث طيارات قديمة من لندن بسبعة آلاف ليرة إنكليزية، وكانت عندها قبلها خمس طيارات إيطالية لا يصلح منها للعمل غير واحدة. ثم جاءتها من ألمانيا ست طيارات جديدة تحمل الواحدة منها من البنزين ما يكفيها للطيران ست ساعات، وهي مجهزة بالرشاشات ومعها قنابلها الخاصة، وكان طياروها في آخر الحرب من الألمان. ولم يكن لدى القيادة العامة في بادئ الأمر قنابل خاصة، فاصطنعت قذائف قليلة التأثير كان أكثرها ينفجر قبل الوقت المعين أو بعده، ولم يكن لدى الحكومة دائمًا ما يكفي من البنزين. واشترت أولًا خمس سيارات قديمة جاءت مفككة فظل العمال شهرًا في تركيبها، ثم جاءتها سيارتان جديدتان مجهزتان بالرشاشات. وكان في الاستحكامات أولًا اثنا عشر مدفعًا وعشرة رشاشات وألف وخمسمائة بندقية، ثم أصبح على الخط نحو عشرين مدفعًا وأكثر من ثلاثين رشاشًا، واستُعملت القنابل والأنوار الكاشفة لكشف حركات العدو ليلًا. ووُضعت الألغام عند أبواب خط الدفاع أمام الأسلاك الشائكة التي مُدت على عمد من خشب من البحر شمالًا إلى الكندرة ثم جنوبًا إلى البحر على شكل هلال طوله نحو ستة أميال، وحُفرت وراءها الخنادق وأقيمت الاستحكامات. وقُسم الخط إلى ستة مراكز مرتبطة بالهاتف بالقيادة العامة في القشلة، هي: أبو بصيلة وهو الجناح الأيسر، والشرفية والكندرة والمشاط والعقم، والطابية اليمانية وهي الجناح الأيمن. وكانت خارج الخط حامية صغيرة من البدو عددها مائة نفر لا غير في النزلة اليمانية، وهي قرية مهجورة على ميلين من جدة جنوبًا، وحامية صغيرة أخرى في نزلة بني مالك على ميلين من جدة إلى الشمال الشرقي.

كانت مدافع الجيش النجدي في حرب الحجاز سنة 1343 مما غنمه في الطائف والهدا، وأكثرها مما وجده في مكة، وكلها صالحة للعمل من المدافع الصحراوية والجبلية من عيار 62 و72، وعددها لا يقل عن عشرين مدفعًا. وكانت لديه رشاشات كثيرة وذخيرة وافرة وجد أكثرها في قلعة جياد بمكة، ولم يأمر السلطان عبدالعزيز بجلب شيء من المدافع التي في قصره بالرياض. وكانت قوته في المعسكر يوم الزحف الأول أربعة آلاف، فيهم من الإخوان أهل الغطغط وساجر ودخنة وقحطان والداهنة وركبة وغيرهم، ومن الحضر ألوية من أهل القصيم والعارض.

أمر السلطان عبدالعزيز بعد الفراغ من حج سنة 1343 قسمًا من الجند بالرجوع إلى أوطانهم، وجعل الباقين ثلاثة أقسام: قسم برئاسة فيصل الدويش يقصد الوجه والمدينة ويدعو الناس فيسالم من أجابه ويقاتل من لم يجبه، وقسم يحاصر جدة، وقسم يقيم بين جدة ومكة.

أحدث النداء الذي نشره السلطان عبدالعزيز في العالم الإسلامي يدعو فيه المسلمين إلى أداء الحج سنة 1343 أثرًا كبيرًا. فوردت من الهند برقيات إلى مندوب السلطان في عدن بأن ألوفًا من الهنود قرروا القدوم للحج في ذلك العام، يسألون أي السواحل أنسب لنزولهم: رابغ أم القنفذة أم الليث. فاتخذت الحكومة التدابير لتأمين راحة الحجاج وأمنهم، ورتبت الجمال الكافية لنقلهم إلى مكة.

أعلن الشريف علي سنة 1343 أن جنوده احتلت بدرًا وحاصرت رابغ، وأن بواخره أحرقت رابغ بمدافعها حتى لم يبق فيها محل لنزول الحجاج، فخشي الناس في الخارج صحة الخبر. فجاءت بارجة حربية إنكليزية إلى رابغ ونزل منها بعض الموظفين فسألوا رجال الحكومة السعودية هناك عن ذلك فنفوه، واطلعوا على ما أُعد لاستقبال الحجاج، ثم عادوا إلى سفينتهم وتبادلوا التحية بالمدافع مع القلعة. وأبرقت البارجة بحقيقة الخبر إلى سائر الأنحاء، وأخبرت أن الحجاج سيصلون بعد أربعة أيام من وصولها، وبقيت أمام رابغ حتى وصلت بواخر الحجاج. وفي 26 ذي القعدة وصلت إلى رابغ الباخرة جهانكير وعليها 1153 حاجًا و6353 طردًا من السكر والدقيق والشعير وغيرها، ووصلت في التاريخ نفسه الباخرة فرجستان وعليها 895 حاجًا و828 طردًا.

كان بين حجاج سنة 1343 مندوب من قبل شوكت علي رئيس جمعية الخلافة، ووفد من مندوبي جمعية الخلافة وجمعية العلماء في الهند برئاسة محمد شفيع. وضم الوفد: عبدالحليم الصديقي مندوب الجمعية المركزية لعلماء الهند، وأبا المعارف محمد عرفان مدير جريدة الجمعية ومندوب جمعية الخلافة في دهلي، ووجيه أحمد المستشار الخاص للرئيس، وحافظ محمد عثمان مندوب ولاية آقرة، والشيخ عبدالمجيد السندي رئيس جمعية الخلافة بالسند، وأمين الدين بن نجم الدين من تجار حيدر آباد ومندوب جمعية الخلافة بالسند، وقمر الدين أحمد ثابت مدير جريدة الخلافة ومندوب جمعية الخلافة في بمبي. وقد نزلوا ضيوفًا على السلطان عبدالعزيز.

بلغ عدد الحجاج سنة 1343 مائة ألف من أهل نجد، وما يقرب من سبعة آلاف حاج من خارج الديار العربية.

1343–1344هـ تقدير المحرر

من الطرائف * (1) 1925 في سنة 1925م كان سليمان السويح يعلن إلى الناس في السوق عصراً كلما دعت المناسبة منادياً : مطار باكر الساعة بالوحدة من النهار يسافر من الخوير إلى الكويت والنول ثلاث ربيات والعبرى اللي ما معه نول يرجع (1) هذا نص ما يقوله الدلال .

تعليق المحرر وسبب التأريخورد التاريخ بالميلادي: 1925م. المقابل الهجري الحسابي 1343-1344هـ، وفق التقويم الجدولي المستخدم في الإضافة؛ لا ينسب هذا التحويل إلى المؤلف. سياق الخبر: 1925م — الدلال سليمان السويح ينادي في سوق الزبير على سفر «المطار» من الخوير إلى الكويت
1343–1344هـ تقدير المحرر

24 ـ أول مطحنة نصبت لطحن الحنطة هي لراشد المذن في محلة البراحة وقيل بل هم : شركة لعبدالله السويدان وعبدالرزاق المجبل وأحمد الطويرش وجاسم الشريدة سنة 1925م.

تعليق المحرر وسبب التأريخورد التاريخ بالميلادي: 1925م. المقابل الهجري الحسابي 1343-1344هـ، وفق التقويم الجدولي المستخدم في الإضافة؛ لا ينسب هذا التحويل إلى المؤلف. سياق الخبر: 1925م — أول مطحنة للحنطة في الزبير (شركة عبد الله السويدان وعبد الرزاق المجبل واحمد الطويرش وجاسم الشريدة؛ وقيل لراشد المذن في محلة البراحة)
1343–1344هـ تقدير المحرر

وهو أخيراً يملأ مجلسه بما وهبه الله من سعة أفق في الدين والأدب والتاريخ ويضفي على مجلسه روح المرح والأمتاع والفائدة ومازال الشيخ يتمتع بحيوية العالم المثقف وهو من مواليد 1925 الشيخ إبراهيم الدبيكل ( 1270 هـ - 1350 هو أحد العلماء الذين عاصروا مشايخ القرن الثالث عشر الهجري في الزبير أمثال الشيخ محمد بن عوجان والشيخ محمد بن دايل والشيخ محمد العبدالجبار والشيخ عبدالله بن حمود .

تعليق المحرر وسبب التأريخورد التاريخ بالميلادي: 1925م. المقابل الهجري الحسابي 1343-1344هـ، وفق التقويم الجدولي المستخدم في الإضافة؛ لا ينسب هذا التحويل إلى المؤلف. سياق الخبر: 1925م — ولادة الشيخ محمود الأحمد (إمام جامع النقيب وجامع الزبير بن العوام): «وهو من مواليد 1925».

في آخر سنة 1342 ومستهل سنة 1343 غزا خالد بن لؤي وسلطان بن بجاد صاحب الغطغط ومعهما بادية الجنوب قاصدين الطائف، وكان فيه علي ابن الشريف حسين ومعه حرب. فقصدوا قرى الطائف وما حوله، فأغاروا عليها وأخذوا خمس قلاع أو ستًّا، وغنموا فيها أشياء كثيرة في آخر محرم سنة 1343. ثم رجعوا إلى الطائف وحاصروه، وقاتلهم ابن الشريف أيامًا، ثم كاتب بعض العتبان ابنَ بجاد، فاقتحم الإخوان الطائف ودخلوه دون علم أحد من أهله ولا ابن الشريف، وأخذوه عنوة. فهرب ابن الشريف ومعه سبعة خيّالة ودخل مكة، واستولى الإخوان على الطائف.

بعد وصول علي ابن الشريف إلى مكة حشد الشريف حسين أعراب الحجاز كلهم ولم يُبق أحدًا، وأرسلهم إلى الطائف ومعهم قوة عظيمة واستعداد تام. فلما وصلوا الهدا قريبًا من الطائف، على نحو خمس ساعات منه، علم الإخوان بإقبالهم، وكانت ركائبهم بعيدة في المرعى، فخرجوا على الزوامل والبغال ومشاةً قاصدين الشريف، فوصلوا إليه ليلة 24 صفر سنة 1343 وهجموا عليه. وكان الشريف قد بلغه خبر إقبالهم فتهيأ للقتال ونصب المدافع والرشاشات، فوردوا عليه ووقعت معركة هائلة احترقت فيها الجبال، ثم انكسر الشريف، وهرب من سلم من قومه ودخل مكة. واستولى الإخوان على المعسكر وأخذوا ما فيه من مدافع ورشاشات ومهمات وبغال وآلات حرب وأثاث لا حدّ له.

رجع الإخوان إلى الطائف سنة 1343 وأقاموا فيه خمسة عشر يومًا، ثم خرجوا قاصدين الشريف في مكة. فلما وصلوا الشرائع وصل الخبر إلى الشريف في مكة، فلما تحققه جمع خزائنه ونفائسه وركب ليلًا قاصدًا جدة، وأقام ابنه تلك الليلة يحمل ما يمكن حمله، وأمر بتخريب ما لا يمكن حمله من مدافع وغيرها، ثم لحق بأبيه. فلما أصبح الناس وقد هرب الشريف خرج أهل مكة وقابلوا الإخوان وقالوا: إن الشريف قد هرب، فضعوا أوزار الحرب فليس أمامكم أحد. فدخل الإخوان مكة في 12 ربيع الأول بلا قتال، وكان بعض أهل مكة خائفين، فلما مضى اليوم الأول خرج كلٌّ إلى عمله على عادته، ولم يقع خلاف على أحد من أهل مكة لا خاص ولا عام، والتزم كل واحد من الإخوان حدّه، ثم فرح أهل مكة. ونزل خالد بن لؤي بيت الشريف، ونُصب للإخوان مخيم.

وصل الشريف حسين جدة بعد خروجه من مكة سنة 1343، فلم يقم فيها إلا يومين، ثم ركب إلى العقبة وسكن فيها هو وعائلته، ونزل ابنه علي الرويس. وأخذ الشريف وابناه علي وعبدالله يؤلّفون عسكرًا مختلطًا من الدروز وغيرهم، وأدخلوا جدة كل آلات الحرب من مدافع ورشاشات وسيارات وطائرات وأسلحة وذخيرة وأطعمة، وحصّنوها بخنادق عليها شباك.

أخذ الإخوان في أثناء حصار جدة سنة 1343 يغزون بأمر ابن سعود جنوبًا وشمالًا في الحجاز، فيغنمون ويرجعون إلى المخيم، فأذعنت البادية وأطاعت من ينبع إلى المدينة وجدة. وتوقفت القوافل إلى مكة فغلا فيها كل شيء، ثم انفتح طريق البحر من رابغ والليث والقنفذة ومن عدن، فتوفر كل شيء في مكة.

بلغ ابن سعود في أيام الحج سنة 1343 أن قافلة ذخيرة ودراهم تسير في جهة ينبع البحر، فأرسل رجالًا فأخذوها.

اتجه سعود بن عبدالعزيز العرافة وأهل القصيم، في مسيرهم إلى الشمال سنة 1343، إلى البادية، فإذا هم جمع كثير، وهم الأحامدة كلهم ومن دخل فيهم ومعهم الشريف شاكر، فأغاروا عليهم واستمر القتال من الصبح إلى الظهر. ثم انكسرت حرب ومن معهم، فتبعوا مؤخرتهم يقتلون فيهم، فلما انتهت المعركة إذا القتلى من حرب نحو ستمئة نفس، ومن قوم ابن سعود وأهل القصيم ثمانية رجال، والجرحى نحو عشرة، وأخذوا الغنائم.

حج الناس سنة 1343 من البادية والحاضرة، كلٌّ يسير على مهله، لأن الأمن في الجزيرة كان عامًّا من سنة 1341 إلى سنة 1343، فكان الرجل يسير على ذلوله محمّلًا دراهم من الكويت إلى مكة ومن قطر إلى الشام لا يعترضه أحد ولا يخشى إلا الله. وانقطعت حقوق البادية والإخاوات، وصار المسافرون إذا تلاقوا تسالموا، القوي منهم والضعيف، لا يعتدي أحد على أحد. ونزل ابن سعود في آخر ذي القعدة إلى مكة، وحج المسلمون حجًّا هنيئًا في صحة وأمن، والطرق سالكة والسبل آمنة. وبعد أيام الحج حضر عنده أهل نجد وأهل الجزيرة كلها من الشمال والجنوب، ثم رجع أهل نجد، بدوهم وحضرهم، كلٌّ إلى وطنه دون أن يقع على أحد خلاف.

وكان من الخطوات العسكرية التي اتخذها الملك عبدالعزيز أن أرسل فئة من أتباعه إلى الحدود مع العراق، وفئة أخرى إلى الحدود مع الأردن ؛ استعداداً لصد أية حركة من القطرين المذكورين. وبعث فئة ثالثة قوامها ثلاثة آلاف من الإخوان إلى الحجاز بقيادة سلطان بن بجاد وخالد بن لؤي ومعهما رؤساء هجر آخرون من قبائل مختلفة . وقد اجتمعت القوة المتجهة إلى الحجاز في تُربة . ثم انطلقت من هناك صوب الطائف حتى اقتربت منها فجأة في بداية شهر صفر عام 1343هـ، فاكتسحت حصونها الأمامية، وانضم إليها أعداد من أفراد القبائل المحيطة بها أملاً في الحصول على مكاسب مادية من خلال الحرب . وكان في تلك البلدة قوة نظامية، فخرجت لصد المهاجمين، لكنها لم تتمكن من ذلك، فتقهقرت، ورابطت شمال البلدة، وراحت تطلق نيران مدافعها ضدهم ثلاثة أيام. وفي ليلة السادس من ذلك الشهر وصل إلى الطائف الأمير علي بن الحسين بنجدة من الجند النظامي والهجانة. لكنه، فيما يبدو، لم يثق بمقدرته على مجابهة الإخوان فانسحب عصر ذلك اليوم إلى الهدا. ونتيجة لهذا اضطرت القوة النظامية المدافعة عن البلدة إلى الانسحاب، أيضاً، واللحاق به في معسكره بعد يوم من انسحابه. فاستبد الذعر بالسكان، وفتح قسم منهم أبواب البلدة مظهـريـن أنهم يؤثرون السلامة . فاندفع إليها مئات من عامة الإخوان والملتحقين بهم من البدو المحيطين بها، وراحوا ينهبون ويقتلون من يقاومهم أو يظنُّون أنه عقبة في سبيل ما يهدفون إليه . ولما علم القائدان خالد بن لؤي وسلطان بن بجاد بذلك هرعا إليها ، وأوقفا تلك المأساة . وهكذا دخلت الطائف تحت حكم الملك عبدالعزيز.

تعليق المحرر وسبب التأريخيذكر العثيمين أعمال القتل والنهب في الطائف، ويورد في حاشيته نفي قتل النساء والأطفال وترجيح عدم قتل المسالمين. هذا تعليق المؤلف نفسه، وتعرض نسبة القول إليه مع الخبر دون تحويل رأيه إلى حكم مستقل للمشروع.

وكان لما حدث في الطائف أثر سلبي كبير على معنويــات قـوات الملك حسين وأتباعه . ولهذا فإن إمداده ابنه عليا بكل ما استطاع من قوات ومعدات لم يرفع تلك المعنويات . فقد خرج الإخوان من الطائف، وهجموا على علي ومن معه ليلة السادس والعشرين من صفر، فهزموه هزيمة شديدة واستولوا على ما كان معه من أسلحة وذخيرة، وفرَّ هو ومن نجا من أتباعه إلى مكة .

وبعد معركة الهدا توقف الإخوان منتظرين تعليمات عبدالعزيز. أما أهل مكة فدبَّ الخوف في نفوسهم، وفر كثير منهم إلى جدة. وذهبت أدراج الرياح كل الصيحات التي أطلقها الملك حسين لاستنهاض همم أتباعه أو الحصول على معــونـة خارجية مؤثرة. وأمام هذا الوضع اجتمع وجهاء الحجاز في جدة، وقرروا أن يتخلى الحسين عن الملك لابنه علي ؛ أملاً في أن يمهد ذلك الطريق أمام حل سلمي مع الملك عبدالعزيز. ولم يجد الحسين وابنه علي بداً من النزول عند رغبة أولئك الوجهاء. وبويع علي بالحكم في الخامس من ربيع الأول عام 1343 هـ . وفي العاشر من هذا الشهر وصل أبوه إلى جدة حيث بقي خمسة أيام، ثم غادرها بحراً إلى العقبة . أما الملك علي فإنه أدرك أن الموقف في مكة ميؤوس منه، فتركها قاصداً جدة في الرابع عشر من الشهر المذكور. وخوفاً من أن تدبَّ الفوضى في مكة، أو تجتاحها قوات الإخوان القريبة منها اجتياحاً، اتصل عــدد ممن كانوا فيها بخالد بن لؤي ، وطلبوا منه أن يدخلها بأمان، فدخلها ومعه الإخوان جميعاً محرمين مهللين مكبرين دون إراقة دماء . وذلك في السابع عشر من ربيع الأول (10/15/ 1924م) . وتولى خــالــد مقاليد الأمور فيها .

بعد أن أصبحت مكة في أيدي أتباع الملك عبدالعزيز تلي خطاب منه مُوجّه إلى أهل الحجاز يوضّح فيه مآخذه على حكامهم والأسباب التي دعته إلى اتخاذ ما اتخذه من إجراءات، ويؤكد لهم أنه سيعاملهم بالتي هي أحسن . وقد كتب كبارهم في جدة إلى قائده خالد بن لؤي يطلبون منه عقد هدنة بين الطرفين فأجابهم بأنه يجب على الملك علي أن يقدم إليه، وأن أمر السلم والحرب من شأن الملك عبدالعزيز. فأرسلوا إلى خالد وفداً للمفاهمة. أما الملك علي فأعلن تصميمه على المقاومة . وقد خيّر خالد أهل الحجاز بين أمرين : القبض على الملك علي، أو إخراجه من الحجاز. فإن كانوا لا يقدرون على ذلك فإنه مستعد لإمدادهم بقوة تحقق لهم ما يختارون . فلم يتفقوا على رأي . ولما علم الملك علي بما حدث كتب إلى الملك عبدالعزيز رسالة يبدي فيه رغبته في الصلح، لكن الملك عبدالعزيز لم يرض بديلاً عن تخلي الملك علي عن الحكم . وفي أثناء ذلك تلقى خالد بن لؤي وسلطان بن يجاد رسائل من معتمدي الدول الأجنبية وقناصلها في جدة يفيدون بأن دولهم تلتزم الحياد في النزاع في الحجاز ما دامت رعاياها في أمان . وتوجه الملك عبدالعزيز بجيش كبير من الحاضرة والإخوان، فدخل الجميع مكة المكرمة معتمرين في الثامن من جمادى الأولى . ولما قضى الملك عمـرتـه أقبل عليه السكـان يـرحبــون بـه ويبايعونه، ووعدهم بإزالة المظالم ، وتطبيق الشريعة، وتحقيق الأمن .

وبقي الملك عبدالعزيز في مكة شهراً حاولت خلاله جهات مختلفة أن تصلح بينه وبين الملك علي، لكنها لم تنجح . وبعد ذلك أمر أتباعه بالزحف إلى جدة واجتمع أولئك الأتباع بقيادته في الوزيرية ثم الرغامة . وكان الملك علي قد أحاط جدة بما استطاع من وسائل الدفاع كالخنادق والأسلاك الشائكة. وبالإضافة إلى ذلك فقد وصلت إليه من أبيه وأخيه عبدالله إمدادات من الرجال والأسلحة والأموال ، كما وصلت إليه طائرات ومدافع ومصفحات . وظل الملك عبدالعزيز معسكراً في الرغامة؛ مشدّداً الحصار على جدة، ومتبادلاً الهجمات مع خصمه من وقت إلى آخر . ولم يحاول أن يقتحم تلك البلدة لأنه كان يدرك حجم الخسائر التي قد تنجم عن الاقتحام، ويخشى حدوث خطر على ممثلي الدول الأجنبية هناك فتقف ضده. وتوالت الإمدادات إليه من داخل البلاد فازداد موقفه العسكري تحسناً يوماً بعد آخر.

على أن الملك عبدالعزيز لم يقصر نشاطه على جبهة جدة. بل بعث سرايا من جيشه إلى جهات متعددة في الحجاز. وكان أمير الليث والقنفدة قد دخل في طاعته سلماً بعد دخول أتباعه مكة . ثم نجح من بعثهم إلى رابغ في إدخالها تحت حكمه . وكان هذا وذاك من المكاسب العظيمة له . ذلك أنه تمكّن من الإعلان بأن السبل إلى مكة ميسرة آمنة عن طريق هذه الموانئ . وفي آخر ذي القعدة توجه من معسكره إلى مكة لأداء الحج. وقدم إلى هذه البلاد آلاف كثيرة من داخل البلاد لتأدية حجهم، كما وصلت إليها أعداد لا بأس بها من الخارج عبر الموانئ التي دخلت تحت طاعته للقيام بالركن الخامس من أركان الإسلام. وأدَّى الجميع الحج بأمان واطمئنان. فكان لهذا أثره الطيب معنوياً واقتصادياً .

ولقد حاول الملك علي استغلال فرصة ذهاب الملك عبدالعزيز إلى مكة، فهاجم معسكر السعوديين. لكنه رُدَّ على أعقابه . وكان قد وصل إلى مكة الزعيم القحطاني ، فيصل بن حشر، ومعه أكثر من ألف رجل من أتباعه، فأمرهم الملك عبدالعزيز أن يتجهوا ـ بعد قضاء عمرتهم ـ إلى معسكره قرب جدة لمساعدة من فيه من جيشه . ووصل ذلك الزعيم بمن معه إلى هناك، دون أن يعلم أتباع الملك علي بوصوله . فاقترح خطة دفاعية جيّدة، ووافق القادة الآخرون عليها . ونتج عن ذلك إبادة أكثر من هاجم السعوديين من أتباع الملك علي .

1343–1344هـ

وكانت أول سريّة وجهها الملك عبدالعزيز إلى المدينة النورة تلك التي بقيادة صالح بن عَذل . ثم وجّه إليها سرية أخرى بقيادة إبراهيم النشمي . وبعد انقضاء موسم الحج بعث إلى جهاتها كلاً من فيصل الدويش وعبدالمحسن الفِرْم بأتباعهما . واستقر المقام أخيراً بالأول منهما في العوالي. ومع أن المدينة أصبحت محاصرة فقد وصلت إليها أسلحة وأطعمة من الأردن وكان ذلك مما شجع حاميتها . على الخروج منها ومهاجمة المحاصرين لها، لكنها تكبدت خسائر فادحة، فعادت إليها . وبعد أن أقام الدويش ومن معه فترة في العوالي ارتحل صوب نجد في شهر ربيع الثاني من عام 1344هـ . وبقي أتباع الملك عبدالعزيز الآخرون محاصرين للمدينة، فندرت فيها الأطعمة، وغادرها أعداد كبيرة من أهلها . ثم أدرك بعض كبارها أن من الأفضل الدخول في طاعة الملك، فأرسلوا إليه مندوباً يطلبون إرسال أحد أبنائه ليسلموا له . فبعث إليها ابنه محمداً . لكنه لما وصل إلى مشارفها وجد أن من كان في أيديهم الأمر يأبون التسليم . فأقام محاصراً لها . ولما اشتد الحصار على من فيها خرج وفد منهم لمفاوضته على التسليم. واتفق الطرفان على أن يؤمنهم الأمير على دمائهم وأموالهم، ويسلموه جميع ما للحكومة من أموال وأسلحة وغيرهما. وكان ذلك في الثامن عشر من جمادى الأولى عام 1344 هـ / 3 / 12 / 1925م. ودخلها ذلك الأمير في اليوم التالي .

ونتيجة لفشل مؤتمر الكويت صمَّم الملك عبدالعزيز على حسم الموقف بينه وبين الملك حسين بالقوة. فاتخذ الاحتياطات اللازمة تجاه ابنيه فيصل وعبدالله في العراق وشرق الأردن. وكان من ذلك أن وجه إلى القطر الأخير حملة من الإخوان يزيد عددها على الألفين. فتوغلت في أراضيه أوائل عام 1343 هـ ، حتى اقتربت من عمان ذاتها . وقد دارت بينها وبين القبائل الأردنية عدة معارك منها معركة دامت عدة ساعات. وقامت الطائرات والمصفحات بقصف للمقاتلين من الطرفين. وكانت النتيجة أن قتلت أعداد كبيرة منهما، وأسر عدد قليل من الإخوان، ثم انسحب باقيهم إلى الأراضي السعودية .

حاشية:

وكان من بين قادة الإخوان ندا بن نهير والذويبي .

ثم أن الملك عليا أبرق من جدة إلى ابن سعود عن طريق البحرين يقول: أن أقصى رغبتى أن يسود السلام في الجزيرة العربية، وأن تعود السكينة ما بين الحجاز ونجد، وانى باسط لك يدى بالسلم، ومقترح عليك عقد مؤتمر للرجوع إلى إتمام المفاوضات التي بدأت في الكويت ولازالة بواعث الخلاف، وقد اشترط جلاء الجنود النجدية من الحجاز، فأجابه ابن سعود يقول: إذا كنتم تحبون السلام وحقن الدماء فأخلوا الحجاز وانتظروا حكم العالم الإسلامي، فان اختاركم أو اختار غيركم فنحن نقبل حكمه بكل إرتياح، أما إذا بقيتم في الحجاز فان المسئولية تقع على عاتقكم.

مكان الوقوع: الحجاز (جدة)

أن الملك على قرر الدفاع، فكتب إليه الحزب يتوسل اليه باسم الانسانية أن ينزل على رأي المسلمين الحجازيين بالرجوع عن الدفاع الذى استعد له فأجاب: أن لابد من الدفاع عن بلاد آبائه وأجداده وهدد دعاة السلم بالعقاب الشديد، وعلاوة على ذلك فان الملك علياً حينما اطلع على الكتابات التي جرت بين الحزب وخالد كتب إلى خالد. على أثر هذا الكتاب أرسل قناصل الدول الموجودون فى جدة كتابا إلى قواد ابن سعود في مكة. فجاء الجواب دون إبطاء. ولما تلقى القناصل هذا الكتاب أرسلوا ردهم عليه فى الحال: جدة في 7 نوفمبر 1924

مكان الوقوع: الحجاز (جدة)

بعد هذا جاءت وسائط السلم من سوريا ولبنان ومصر والعراق إلى جدة وشرعت تفاوض ابن سعود وتتزلف له بكل ما تستطيع من جهود فى مفاوضات السلم وحقن الدماء، وبينما المفاوضات تجرى بين جدة ومكة ودعاة السلم يبذلون جهدهم فإذا بالطائرات تحلق في سماء مكة وتلقي على أهلها منشوراً حربياً. لقد أغضب هذا المنشور عبدالعزيز، فجمع قواد الجيش في يوم 4 جمادى الثانية وأخذ يبحث معهم في أمر الحرب ويستشيرهم. فقال الأمير سلطان بن بجاد ان من الحزم الاقتراب من جدة ومحاصرة الشريف علي حتى يرغم على التسليم فقال خالد بن لؤى انى كنت أتمنى قدومك ياعبدالعزيز لانهاء الحرب بسرعة، ولكن قدومك المتأخر أخر ذلك، ونرجو أن تبين لنا ياعبدالعزيز هل هناك دليل شرعى يمنع ملاقاة الشريف على، وان كان القصد منك أن تحولنا بعيدا بأنفسنا عن الموت فأعلم أن أحداً لا يموت قبل يومه. ثم اتفقوا على الزحف ومحاصرة جدة فوافق ابن سعود وقال لهم: سيكون الزحف يوم الخميس الموافق 6 جمادى الثاني فاستعدوا. وفى اليوم المحدد زحفوا فوصلوا أطراف جدة وشددوا عليها الحصار عاما كاملا كان فى أثناء الحصار قتال ومناوشات ووقائع عديدة كان النصر فيها حليف ابن سعود، وحصل في أثنائها مفاوضات لم تسفر عن شيء،

مكان الوقوع: الحجاز (مكة وجدة)

1343–1344هـ

فى أثناء حصار جدة الذي استمر عاما كاملا سير السلطان عبدالعزيز قسما من جنده لمحاصرة المدينة المنورة مع صالح بن عذل ، وأمر هؤلاء الجنود أن لا يدخلوا المدينة ولو فتحت أبوابها لهم إلا بعد مراجعته فاستمر هذا الجند محاصراً للمدينة مدة طويلة من غير أن يأتى بحركة عدائية أو تدمير أو تخريب غير أن أقلام الدعاية ضد ابن سعود والنجديين قد طبلت وزمرت وافترت أكاذيب باطلة فكتبت الصحف ماكتبت عن هذه الاشاعات الباطلة، وأذاعت شركة (أنباء رويتر) ما أذاعته عن هذه الأكاذيب في مصر والهند وغيرها من الأقطار الإسلامية.

مكان الوقوع: الحجاز (المدينة)

1343–1344هـ

وفى أثناء حصار جدة أيضا أرسل السلطان عبدالعزيز سرية من جنده يقودها الأمير سعود بن عبدالعزيز ال سعود ( سعود الكبير فاحتلت بدرا ووادى الصفراء، ثم تقدمت نحو الساحل الشمالى وحاصرت مدينة ينبع وشددت الحصار عليها فاضطرت إلى التسليم بعد أن هربت الحامية منها، ثم دانت له جميع قرى الساحل الشمالى بما فيه بلدان: أملج، والوجه، وضبا.

مكان الوقوع: الحجاز (بدر وينبع والساحل الشمالي)

1343–1344هـ

وقد أرسل أيضاً سرية إلى الساحل الجنوبى مع مساعد بن سويلم فاحتلت الليث، والقنفذة، بعد مقاومة عنيفة قام بها أهلها من الأشراف بني حسن.

مكان الوقوع: الحجاز (الليث والقنفذة)

وفى عزلته أرسل بلاغا إلى رئيس وكلاء الحكومة وفيه يحتج على الحكومة الدستورية سيما في الحرمين الشريفين ويعدد فيه تجاوز ابن سعود ومطامع الإمام يحيى حميد الدين إمام صنعاء. حرر في 15 ربيع أول عام 1343هـ.

تعليق المحرر وسبب التأريخخبر سياقي من الحولية النجدية؛ وقع خارج نجد، ولا يدل إدراجه على أن موضعه داخل نجد. أبقي لصلته بسياق تاريخ نجد والدولة ورواية المؤلف.

نشرت مذكرات شفيق كمالي باشا تباعًا في جريدة الأهرام في نوفمبر وديسمبر، وفق ما ذكره الريحاني.

زحف الإخوان، وعددهم بين ألفين وثلاثة آلاف، من أطراف وادي سرحان إلى الشرق العربي بأمر السلطان عبدالعزيز، فقتلوا ثلة من جنود شرقي الأردن كانت تحمل المؤن والذخيرة إلى حامية قصر الأزرق إلا واحدًا وغنموا الحملة، ثم هجموا على الطنيب وأم العمد والقسطل واليادودة وكادوا يبلغون عمان؛ فاشتبكوا مع الصخور والحويطات، وأرسل بيك باشا الطائرات والسيارات المدرعة فرمت الفريقين، وتجاوز عدد القتلى بحسب المؤلف أربعمئة.

اجتمع عبدالعزيز بن سعود بعلماء مكة في الحميدية بعد وصوله، وشرح عقيدته ودعا إلى المبايعة على الكتاب والسنة، ثم وافق على اجتماع علماء مكة بعلماء نجد.

عقد عبدالعزيز بن سعود في مكة اجتماعًا عامًا حضره العلماء والأعيان والتجار عقب اجتماعاته بالعلماء، وخطب فيهم لتأسيس مجلس أهلي للشورى، فاجتمع الناس في دار البلدية وانتخبوا مجلسًا من أربعة عشر عضوًا برئاسة عبدالقادر الشيبي.

تقدمت المدفعية النجدية في قصف جدة حتى بلغت قنابلها قلب المدينة وطرفها الغربي، فأصيبت الوكالتان البريطانية والسوفيتية والقنصلية الفرنسية ومخيم الهلال الأحمر؛ وقرر القناصل البقاء على الحياد، ولم تأذن جمعية الهلال الأحمر في القاهرة لبعثتها بالرحيل. ولما اشتدت الحرب المدفعية في رجب وشعبان نصب النجديون مدفعًا في الرويس، فقتل وجرح عدد من الناس، وهاجر كثير من الأهالي في المراكب إلى سواكن ومصوع وعدن، ثم في السنابيك إلى الليث ومنها إلى مكة.

تقدم فيصل الدويش بجيشه إلى العوالي حول المدينة واستولى عليها دون مقاومة، ضمن التعبئة النجدية لحصار المدينة والضغط عليها للتسليم.

أمر عبدالعزيز بن سعود جنوده بالانسحاب من جبهة جدة ليتمكنوا من الحج، فلم يبق هناك غير قوة صغيرة من الخيالة والهجانة تشرف على الرغامة، فزاد ذلك حكومة الملك علي أملًا بالفوز.

مشى الإخوان في الشهر الأول من السنة، بأمر عبدالعزيز بن سعود، من أطراف وادي سرحان إلى شرق الأردن، وعددهم بين الألفين والثلاثة آلاف، فلقوا ثلة من جنود شرق الأردن عددهم مع رجال الحملة خمسة وعشرون يحملون المؤن إلى حامية قصر الأزرق فقتلوهم إلا واحدًا وغنموا الحملة؛ ثم هجموا على الطنيب وأم العمد والقسطل واليادودة وكادوا يصلون العاصمة، فاشتبك معهم العربان وفي مقدمتهم بنو صخر والحويطات في معركة دامت بضع ساعات، وأرسل بيك باشا الطائرات والسيارات المدرعة فرمت الفريقين بالقذائف، وتجاوز عدد القتلى من الإخوان وعربان عمان الأربعمئة. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

اجتمع عبدالعزيز بن سعود بعلماء مكة في الحميدية بطلب من الشيخ عبدالقادر الشيبي، فخطب فيهم مبينًا عقيدته وأن أحكامه على اجتهاد الإمام أحمد بن حنبل، ودعاهم إلى التبايع على العمل بالكتاب والسنة؛ فطلب أحد العلماء الاجتماع بعلماء نجد للتباحث في الأصول والفروع، فوعدهم بذلك قريبًا. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

وصلت إلى الحكومة الحجازية من ألمانيا في الصيف ست طائرات جديدة مجهزة بالمدافع الرشاشة ومعها قنابلها، وكان عندها قبل ذلك خمس طائرات إيطالية لا يصلح منها للعمل غير واحدة. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

احتل فيصل الدويش العوالي حول المدينة المنورة دون مقاومة؛ وكانت القوات النجدية في آخر السنة مرابطة حول الوجه وينبع والمدينة وفي ينبع النخل والعوالي والحناكية، للضغط على أهل المدينة ليحملوا أولياء الأمر فيها على التسليم. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

أمر عبدالعزيز بن سعود جنوده بالانسحاب من جبهة جدة ليتمكنوا من الحج، فلم يبق هناك غير قوة صغيرة من الخيالة والهجانة للإشراف على الرغامة. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

نقل الشريف حسين من العقبة إلى قبرص في الصيف، فابتعد عن حكومة ابنه علي في جدة واشتدت ضائقتها المالية. (تاريخ نجد وملحقاته، الريحاني)

توفي محمد بن عبدالكريم الشبل.

توفي عبدالله بن محمد القاضي.

توفي سليمان مراد في الطائف أثناء اصطيافه بعد مرض، وكان قد تولى قضاء ينبع والطائف.

توفي عبدالله بن أحمد أبو الخير في مكة، وكان خطيبًا ومدرسًا في المسجد الحرام وله مؤلف في تراجم علماء مكة.

تم الاستيلاء على مكة وجدة والطائف.

توفي محمد بن عوجان الزبيري الحنبلي.

وفيها أمر الإمام عبدالعزيز على ابن منصور بن لؤي وابن بجاد وجانب من الإخوان يغزون الطائف.

وفي ٨ جماد أول وصل الإمام عبدالعزيز إلى مكة، وفيها صار حصار جدة، ويقدر جنوده نحو ١٤٠٠٠، بقي منهم ألف بمكة، وأمر ابن عذل ومعه بعض الجنود غير ما ذكرت على محاصرة المدينة المنورة، واستمروا على حصارها إلى أن دخلت سنة ١٣٤٤هـ.

صحب عبدالله بن حسن آل الشيخ الملك عبدالعزيز في فتح الحجاز، وكان إمام الجيش ومستشارًا له، واستمر معه في حصار جدة بالرغامة.

رحل عبدالله بن علي بن يابس من الرياض إلى القاهرة لطلب العلم ولازم علماء الأزهر؛ وكانت الحكومة تجري له ما يؤمن معيشته عن طريق فوزان السابق.

رحل عبدالله بن عمر بن دهيش إلى الرياض ولازم علماءها.

استولت الحكومة السعودية على مكة والطائف وجدة من الحجاز، وذكر القاضي أنها استولت بعدها على المدينة.

توفي مصطفى لطفي المنفلوطي.

توفي محمد جميل الشطي.

حضر محمد بن عثمان الشاوي دخول مكة والطائف، وهنأ الملك عبدالعزيز بنظم عند دخوله مكة.

توفي عبدالله المحمد العبدالكريم القاضي. (الموسوعة في تاريخ نجد وحوادثها ووفيات أعيانها، القاضي)

توفي محمد العبدالكريم الشبل. (الموسوعة في تاريخ نجد وحوادثها ووفيات أعيانها، القاضي)

استولت الحكومة السعودية على الحجاز: مكة وجدة، ثم المدينة والطائف، بحسب هذا الموضع. (الموسوعة في تاريخ نجد وحوادثها ووفيات أعيانها، القاضي)

توفي لطفي المنفلوطي. (الموسوعة في تاريخ نجد وحوادثها ووفيات أعيانها، القاضي)

توفي محمد العبدالكريم الشبل، إمام مسجد الجوز ومدرس في عنيزة. (الموسوعة في تاريخ نجد وحوادثها ووفيات أعيانها، القاضي)

توفي محمود شكري الألوسي في بغداد. (الموسوعة في تاريخ نجد وحوادثها ووفيات أعيانها، القاضي)

توفي محمد بن عوجان الزبيري، من فقهاء الحنابلة. (الموسوعة في تاريخ نجد وحوادثها ووفيات أعيانها، القاضي)

توفي عبدالله بن محمد العبدالكريم القاضي في عنيزة. (الموسوعة في تاريخ نجد وحوادثها ووفيات أعيانها، القاضي)

اجتمع علماء نجد وعلماء مكة المكرمة صباح يوم الإثنين للمداولة في العقائد، فدار الحوار بينهم في المسائل الأصولية فلم يختلفوا في أصل منها، ووقع الجدال في المسائل الفرعية. ثم اتفقوا على نشر بيان صادر عن علماء حرم الله الشريف وأئمته موجّه إلى علماء الحكومات الإسلامية وملوكها وأمرائها، وهؤلاء العلماء هم: الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي، والشيخ عمر باجنيد، والشيخ درويش عجيمي، والشيخ محمد مرزوقي، والشيخ أحمد بن علي النجار، والشيخ جمال المالكي، والشيخ حسين بن سعيد، ومحمد بن سعيد عبدالغني، والشيخ حسين مفتي المالكية، والشيخ عبدالله حمدوا، والشيخ عبد الستار، والشيخ سعد وقاص، والشيخ عمر بن صديق خان، والشيخ عبدالرحمن الزواوي. وذكروا فيه أنهم اجتمعوا بمشايخ نجد القادمين مع الإمام عبدالعزيز، وهم الشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف، والشيخ عبدالله بن حسن، والشيخ عبدالوهاب بن زاحم، والشيخ عبدالرحمن بن محمد بن داود، والشيخ محمد بن عثمان الشاوي، والشيخ مبارك بن عبدالمحسن بن باز، والشيخ إبراهيم بن ناصر بن حسين، فعرض كل فريق عقيدته على الآخر، وحصل الاتفاق بينهم بعد البحث والمراجعة في مسائل. ومن هذه المسائل: أن من أتى بمكفّر ينقض إسلامه، قوليًّا أو فعليًّا أو اعتقاديًّا، يكون كافرًا بذلك ويُستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قُتل؛ وأن من جعل بينه وبين الله وسائط من خلقه يدعوهم ويرجوهم في جلب نفع أو دفع ضرر فهو كافر يحل دمه وماله؛ وأن طلب الشفاعة من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك؛ وتحريم البناء على القبور وإسراجها والصلاة عندها، وأن ذلك بدعة محرمة؛ وأن من سأل الله بجاه أحد من خلقه فهو مبتدع مرتكب حرامًا؛ وأنه لا يجوز الحلف بغير الله، لا بالكعبة ولا بالأمانة ولا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا بغير ذلك. ولم يحصل بينهم خلاف في شيء من ذلك، فاتفقت عقيدة علماء الحرم وعلماء نجد.

أبرق الإمام عبدالعزيز إلى كافة المسلمين في سائر الأنحاء أن يرسلوا وفودهم لعقد مؤتمر إسلامي عام يقرر شكل الحكومة التي يرونها صالحة لإنفاذ أحكام الله في الحجاز. وقد ذكر ذلك في خطابه لأهل مكة المكرمة ونواحيها في 12 جمادى الأولى، ضمن إعلانه أن الأمر في البلاد المقدسة سيكون شورى بين المسلمين.

وفد على الإمام عبدالعزيز في مخيمه وفد من قبيلة حرب، من المقيمين بين رابغ وجدة، ومن قادتهم ابن حمادي، وابن جاسم، وسليمان النتاف، والمصباحي، وعطية بن عبدالعزيز، وصالح بن عجب، وحظيظ بن ختيرش، وعبدالله بن محمد، والشريف عبدالله بن عبيد، ومبارك بن مبارك بن سليم. فقدّموا طاعتهم للإمام، وعاهدوه على السمع والطاعة وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وعلى أن يحموا الطريق بين جدة ورابغ، وأقسموا الأيمان على ذلك، ثم ساروا إلى ديارهم بعد أن أمّنهم الإمام على ما عندهم.

وفد ابن مبيريك صاحب رابغ على الإمام عبدالعزيز يكرر عرض طاعته، وبذلك لحق ساحل رابغ بالبلاد التي أُنقذت من يد الحسين.

كتب الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل آل سعود إلى كافة أهالي جدة يبلغهم أن أغلب العالم الإسلامي قد أبدى عدم رضاه عن حكم الحسين وأولاده للحجاز، وأنه حرصًا على سيادة الإسلام وحقن الدماء يعرض عليهم أنهم في عهد الله وأمانه على أموالهم وأنفسهم إن سلكوا مسلك أهل مكة المكرمة. ونظرًا لوجود الأمير علي في جدة وخروجه على الرأي الإسلامي، عرض عليهم الخروج من البلدة والإقامة في مكان معيّن، والقدوم إلى مكة سلامةً لأرواحهم وأموالهم، والضغط على الشريف علي بن الحسين لإخراجه من بلادهم. وأعلمهم أنهم إن فعلوا غير ذلك بمساعدة علي وموالاته فهو معذور أمام العالم الإسلامي، وأن تبعة ما يقع من الحوادث على المتسبب فيها.

وقعت وقعة عسفان، وسببها أن قبائل تسكن بطن تهامة من أرض الحجاز، وتمتد ديارها إلى المدينة المنورة وما جاورها، كانت في كل موسم حج تؤذي الحجاج وتأخذ منهم الخراج وتقطع السبل، وتأخذ من حكومة الحجاز أموالًا أشبه بالإتاوة. فلما دخل الجيش النجدي الحجاز أقبل بعض قادتها يطلبون أن يُعطَوا ما كان لهم من قبل، فأجابهم قادة الجند بأنه ليس لهم عندهم غير ذمة الإسلام، وأنهم إن دخلوا في الأمر معهم فهم وسائر المسلمين سواء. فلم يرضوا بذلك وعادوا إلى قطع السبل، فسارت إليهم سرية من الإخوان فأغارت عليهم صباحًا في منازلهم وقاتلتهم حتى فرّ منهم من فرّ وأُخذ منهم من أُخذ، واستاق الإخوان ما تركه المنهزمون من إبل وغنم وعبيد ومتاع. وكان ذلك في عسفان، الموضع المعروف بين مكة المكرمة والمدينة المنورة.

سلّم الشريف عبدالله بن حمزة، أمير القنفذة والليث، ما بيده لمحمد بن عجاج. وكانت القنفذة والليث ساحلين من بلاد اليمن تابعين لحكومة الشريف حسين، فلما دخلت الجنود النجدية مكة المكرمة ذهب الشريف عبدالله بن حمزة إلى أبها مركز عسير، فقدّم طاعته للأمير هناك من قبل الإمام عبدالعزيز، وأُمر أن يسلّم ما بيده لمحمد بن عجاج ويتوجه إلى مكة المكرمة، فنفّذ الأمر وقدم مكة المكرمة.

قُطع الطريق بين المدينة المنورة وشرق الأردن، وكان يُرجى أن تُسلَّم المدينة المنورة للجنود النجدية بغير مقاومة ولا قتال.

خطب الشيخ حافظ في اجتماع بمكة المكرمة، فبيّن مقاصد السلطان عبدالعزيز بن سعود في الحجاز. فذكر أنه يرى هذه البلاد من أقدس بلاد الله، ويريد أن يعود الأمر فيها كما بدأ وأن تُطهَّر من البدع والضلالات، وأنه يريد الارتقاء الديني بالرجوع إلى الكتاب والسنة لا ما يسمى الترقي المدني، وأنه يريد إنجاح عهد الشورى الذي أُنشئ فيها ولا يريد أن يستبد بأهلها، وأن بابه مفتوح لكل ناصح. وذكر أنه لا يريد أن يكون البيت ملكًا لأحد، بل مشاعًا بين المسلمين لكل شعب وفرد منهم فيه حق، وأن التجارب دلّت على أن الحسين وآله غير صالحين لإدارة هذه الأمور، فلذلك يبذل السلطان ومن معه نفوسهم وأموالهم في تطهير البلاد المقدسة. ثم تكلم الشيخ حبيب الله الشنقيطي فأثنى على غاية السلطان عبدالعزيز في نصرة الإسلام.

ضاق الرزق على أهل مكة المكرمة لما منع الشريف علي دخول الأقوات والأرزاق إليهم عن طريق جدة، حتى بات كثير منهم جائعين، وربما مات بعضهم جوعًا. فكتب أعيانهم باسم عموم جيران بيت الله الحرام، ومنهم عبدالقادر الشيبي، وعقيل بن محمد، ويحيى أبو بكر بابصيل، وعبدالرحمن الزواوي، وعباس مالكي، وصالح بن سليمان حجازي، ومحمد نور إبراهيم ملائكة، إلى السلطان عبدالعزيز في 20 جمادى الأولى يشكون الضيق مع علمهم بسعيه في جلب الأرزاق من اليمن وغيرها. وذكروا أنه شاورهم في مسألة جدة فأشاروا عليه بالتوقف عن العجلة فأجابهم، ورجوه أن يوصل كتابًا منهم إلى الشريف علي. فأجابهم السلطان في 20 جمادى الأولى بأن ما يؤلمهم يؤلمه كثيرًا، وأنه يجلب الأرزاق لجنده من الخارج خوفًا من التضييق على البلد، وأنه لم يمنعه من جدة إلا رجاء سلامتها وسلامة أهلها في دمائهم وأموالهم، وأنه سيرسل كتابهم إلى علي وإن كان لا يظن أنه يفيد فيهم شيئًا. وكان كتابهم إلى الأمير علي محررًا في 18 جمادى الأولى، وموقّعًا من صاحب مفتاح بيت الله الحرام وجمع كبير من العلماء والأعيان ورئيس المجلس البلدي أحمد سبحي، وفيه يلومونه على منع الأقوات عن سكان البلد الحرام. وذكروا فيه أنهم طلبوا منه عند دخول جيوش حكومة نجد الطائف تخليص عائلاتهم وأموالهم منها فأبى، وأن عليًّا وأباه وعداهم بالدفاع عنهم في مكة ثم تركاهم فوضى، فقام ابن السعود وجنده بالواجب حرمةً لبيت الله الحرام. وطلبوا منه أحد أمرين: أن يتقدم بجيوشه فيخرج الحكومة النجدية حتى تنفتح طرق أرزاقهم، أو أن يهيئ لهم سبيلًا لجلب أقواتهم، وإلا رفعوا أمرهم إلى الله واستغاثوا بكافة المسلمين.

طلب بعض علماء مكة المكرمة وأعيانها من السلطان عبدالعزيز أن يجعل لهم يومًا في الأسبوع يجتمعون به فيه، فجعل لذلك موعدًا صلاة عصر الجمعة من كل أسبوع. فلما حان الموعد حضر العلماء والأعيان إلى منزل باناجة حيث كان السلطان ينتظرهم، يتقدمهم شيخ بني شيبة الشيخ عبدالقادر الشيبي، ومعه كثير من العلماء ووجوه البلد. فقال لهم السلطان إنه يقدّر ما يقاسونه ويقاسيه عموم الأهالي من انقطاع ورود الأقوات عن طريق جدة، وإن دخول جدة يسير عليه، ولكنه يسعى إلى أن يتم ضمها بغير إراقة دماء وإتلاف أنفس، وإنه آسف لحالهم، أما أهل نجد فقد تعودوا الصبر والجوع وعندهم من وسائط النقل ما يسهّل لهم طول الإقامة. ودعاهم إلى مناصحته مشافهةً أو كتابةً، وقال إنه ليس من الملوك المتكبرين وإن بابه مفتوح لكل ناصح، فأجابوه بأنهم سيكتبون إليه بما يحتاجون. ولما همّوا بالانصراف كان بعضهم يصافحه مع انحناء قليل، فرجاهم ألّا يفعلوا ذلك وأن يصافحوه مصافحة عربية إسلامية.

كتب الشريف علي إلى السلطان عبدالعزيز يطلب الصلح، وتوسط في ذلك بعض غير المسلمين ممن ليست لهم علاقة بالديار المقدسة. فأجابه السلطان بأن الأمر معلّق على مشيئة العالم الإسلامي، وأن عليه أن يترك جدة ويفتح الطريق لوفود المسلمين ليجتمعوا في البلد الحرام وينتخبوا من يرونه أهلًا لإدارة شؤون هذه البلاد. وقد ذكر السلطان ذلك لعلماء مكة المكرمة وأعيانها في مجلسه بهم.

وصل مكة المكرمة صباح يوم الإثنين عدد عظيم من قبائل حرب ومطير ممن تديّنوا منذ زمن بعيد، وكانوا قد قضوا قرابة نصف عام في حلّ وترحال يجاهدون، فلبّوا وطافوا وسعوا. ثم ساروا بجموعهم إلى المقر السلطاني فعُرضوا أمام السلطان عبدالعزيز وهم يهلّلون ويكبّرون، ثم أقبلوا عليه وسلّموا، فوعظهم وأوصاهم بسكان بيت الله الحرام ومجاوريه خيرًا، وقال إن الواجب أن يحافظوا عليهم كما يحافظون على أولادهم وأهلهم حرمةً لهذا البيت، فأجابوه بالسمع والطاعة. وطلبوا أن يسيّرهم للقتال، فاستمهلهم بضعة أيام لتستريح مطاياهم وأجسامهم من وعثاء السفر. وكان فيهم جمع ممن حضر وقائع شرق الأردن، وبينهم الراكب والرديف والماشي على قدميه.

شرع النصارى في بناء اثني عشر قصرًا في حفر الباطن، في موضع قريب من الزبير من جهة قبلته. ومن هذه القصور قصر مغلق ليس له باب، فيه ثلاثون غرفة، ولا يُدخل إليه إلا بالطائرة من أعلاه، وهو مبني بالحصى والإسمنت وسقوفه من أضلاع الحديد. وتم بناء القصور سنة 1347، وكانوا يريدون مد سكة حديدية من البصرة إلى بلد الزبير، ثم إلى هذه القصور، ثم إلى مكة المكرمة، تاركة القصيم عن يسارها.

وفيها أُفرزت عقارات منصور بن موسى بن عمران بين ورثته بأمر الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري، وأُخرج منها ما فيها من الأسبال، فصار الجبيلي في بكران سبلًا على مؤذن المسجد الجامع وصوام مسجد آل موسى وإمام مسجد باب البر.

وفيها ورد أمر إلى الأمير محمد بن عبدالعزيز بن ماضي بتنفيذ مطالبة تتعلق بأجرة منزل، وهو شاهد على مباشرته الشؤون الإدارية والقضائية الواردة إليه.

وفيها توفي الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى، المؤرخ.

وقائع مؤرخة تقريبًا حول هذه السنة

أُرّخت هذه الأخبار بعبارة «نحو سنة 1343هـ»، فتُذكر منفصلة عن أخبار السنة.

نحو سنة 1343هـ

وفي غضون ذلك أرسل الملك عبدالعزيز إلى الجهات الشمالية والشمالية الغربية من الحجاز عدة سرايا . ومن أولى تلك السرايا سرية بقيادة عمر بن ربيعان انطلقت إلى جهة ينبع لتأديب بعض القبائل التي اعتدت على القوافل القادمة من هناك . ومنها تلك التي بقيادة سعود بن عبدالعزيز سعود الكبير ومعظم جنودها من أهل القصيم . وكان الملك قد أمر عبدالعزيز بن مساعد أن يبعث قوات لمهاجمة بلدة العقبة، التي كان الحسين بن علي يوالي نشاطه المعادي له منها . ولما رأى البريطانيون اقتراب تلك القوات من هذه البلدة طلبوا من الملك عبدالعزيز أن يمنعها من مهاجمتها على أن يبعدوا الحسين عنها . فتم هذا وذاك .

أخبار يشمل تأريخها هذه السنة

  • الصانع والعلي (1342–1343هـ): 11 - أول طبيب عين من قبل الحكومة طبيب هندي اسمه ودواني وذلك سنة 1924م هندي الجنسية .… اقرأه في موضعه

في «وقائع غير محددة السنة» 9 أخبار يشمل تأريخها التقريبي هذه السنة. اعرضها

كتب تغطي هذه الفترة ولم تذكر شيئًا في هذه السنة (7)

آل ماضي (مختصر تاريخ آل ماضي)، البسام (نبذة تاريخية عن مدينة عنيزة)، البسام (تاريخ عبدالرحمن الصالح البسام)، الذكير (مطالع السعود في تاريخ نجد وآل سعود)، القاضي (العنيزية)، الرشيد (نبذة تاريخية عن نجد)، ابن الغملاس (تاريخ الزبير والبصرة مع إشارات إلى تاريخ الكويت والأحساء)