سدير في معجم وسط الجزيرة العربية سنة 1904م

سدير في معجم وسط الجزيرة العربية سنة 1904م

نبذة عن المعجم:

صدر سنة 1904م في شِملا بالهند البريطانية مجلد بعنوان “معجم الخليج الفارسي، الجزء الثاني: المواد الجغرافية والوصفية، القسم الثالث: وسط الجزيرة العربية”، وهو عمل جغرافي مرتب على أسماء المواضع والبلدان والأقاليم والقبائل والمعالم الطبيعية في وسط الجزيرة العربية.

ويمثل هذا المجلد مرحلة مبكرة من العمل الذي ارتبط لاحقًا باسم جون جوردون لوريمر، وظهر قسمه الجغرافي والإحصائي الموسع سنة 1908م ضمن “دليل الخليج وعُمان ووسط الجزيرة العربية”، بينما صدر القسم التاريخي سنة 1915م.

وسنشير إلى نسخة سنة 1904م في هذا المقال اختصارًا باسم “معجم وسط الجزيرة العربية”.

ولا تقوم مادة المعجم كلها على مشاهدات مؤلفه المباشرة، بل جمع معلوماته من عدد من الرحالة والموظفين والباحثين الذين سبقوه، ومن بينهم بالغريف وبيلي وروس ودوتي وغيرهم. ولهذا فإن السنوات التي تظهر في بعض المداخل، مثل 1862م و1865م، تشير في الغالب إلى زمن المعلومة أو الرحلة التي نُقلت عنها، لا إلى زمن تأليف المعجم نفسه.

وتبرز أهمية المعجم بالنسبة إلى سدير في أنه جمع في موضع واحد معلومات متفرقة عن الإقليم وبلدانه وطرقه ومعالمه، كما حفظ اختلافات بين المصادر في تحديد بعض المواضع ونسبتها إلى سدير أو إلى الأقاليم المجاورة.

سدير إقليم من أقاليم نجد:

يظهر اسم سدير في المعجم بوصفه إقليمًا قائمًا بذاته من أقاليم نجد.

وعند عرض اختلاف الرحالة في تقسيم نجد، أورد المعجم تقسيم بالغريف وبيلي وروس، وكانت سدير حاضرة في القوائم الثلاث، ثم خلص إلى أن:

“سدير والقصيم والوشم والعارض واليمامة والأفلاج تنتمي بلا شك إلى نجد، جغرافيًا وسياسيًا.”

وتكشف هذه العبارة أن سدير لم ترد في المعجم بوصفها مجرد مجموعة من البلدان، بل إقليمًا جغرافيًا وسياسيًا معروفًا ضمن أقاليم نجد.

كما تكشف مقارنة قوائم الرحالة عن اختلافهم أحيانًا في حدود الأقاليم وفي نسبة بعض البلدان إليها، وهو ما يظهر بوضوح في حالة حريملاء.

جبل عتالة وثنية عتالة:

من أهم ما يضيفه المعجم إلى جغرافية سدير مدخل مستقل باسم “عتالة: الجبل والثنية”.

ويصف المعجم عتالة بأنها سلسلة جبلية:

“تقع شرقي أعلى هضبة سدير.”

ثم يذكر أن الطريق من المجمعة إلى الدرعية يعبر هذه المرتفعات من خلال ممر يسمى “ثنية عتالة”، وأن أعلى نقطة فيها تقع على مسافة تتراوح بين 15 و20 ميلًا جنوب شرقي تمير.

ويكتسب هذا الوصف أهمية خاصة عند مقارنته بما ذكره بالغريف في رحلته، إذ جعل “جبل عتالة” أعلى نقطة في طويق، ووضعه بالقرب من ملتقى سدير والعارض.

أما معجم سنة 1904م فيضيف تحديدًا أكثر تفصيلًا، بربطه الجبل بطريق المجمعة والدرعية، وذكر ثنية عتالة، وتحديد أعلى نقطة فيه بالنسبة إلى تمير.

وبذلك تساعد مادة المعجم على تقريب موقع “عتالة” الذي ورد عند بالغريف، وتؤكد أن الاسم كان مستعملًا في المصادر الجغرافية الأجنبية لوصف مرتفعات تقع في نطاق سدير وطريقها إلى وسط نجد.

(معجم وسط الجزيرة العربية، 1904م، الورقة 16ظ).

الداخلة:

وردت الداخلة في المعجم في مدخل موجز جدًا، ونصه:

“قرية في إقليم سدير.”

وعلى قصر العبارة، فإنها مهمة في إثبات ورود اسم الداخلة ضمن البلدان التي نسبها المعجم صراحة إلى سدير في بداية القرن العشرين.

ولم يضف المعجم معلومات أخرى عن حجم البلدة أو سكانها أو عمرانها في هذا المدخل.

(معجم وسط الجزيرة العربية، 1904م، الورقة 18ظ).

حريملاء بين سدير والعارض:

يقدم مدخل حريملاء مثالًا واضحًا على اختلاف المصادر الأجنبية في رسم حدود سدير.

فالمعجم يقول:

“يضعها بالغريف في سدير، ويضعها روس في العارض، وهي تقع تقريبًا على الحد بين الاثنين.”

وهذه العبارة مهمة؛ لأنها توضح أن نسبة حريملاء إلى سدير عند بالغريف لم تكن بالضرورة خطأ جغرافيًا مجردًا، وإنما كانت جزءًا من اختلاف أوسع في تصور الحدود بين سدير والعارض.

ووصف المعجم حريملاء بأنها ذات نخيل، وتقع عند نهاية ممر أو وادٍ يمتد شمالًا، كما ذكر وجود حصن كبير فيها سنة 1862م، وقدر بالغريف سكانها بنحو عشرة آلاف نسمة.

ومن ثم فالأدق عند قراءة المصادر الأجنبية في القرن التاسع عشر ألا نتعامل مع نسبة حريملاء إلى سدير أو العارض على أنها حدود إدارية ثابتة بالمفهوم الحديث، بل بوصفها موضعًا على التخوم اختلف الرحالة في إلحاقه بأحد الإقليمين.

(معجم وسط الجزيرة العربية، 1904م، الورقة 26ظ).

موضع Hoolah في سدير:

يورد المعجم بلدة باسم “Hoolah”، ويصفها صراحة بأنها:

“بلدة في إقليم سدير.”

ويذكر أنها تقع على مسيرة نحو نصف يوم شمال حريملاء في الطريق إلى المجمعة، وأنها كانت سنة 1862م بلدة كبيرة نشطة مزدهرة.

كما يصف سكانها بأنهم كانوا يعملون بالزراعة والتجارة، وأن الأراضي المحيطة بها كانت مزروعة لمسافة ملحوظة، وأن البلدة كانت محاطة بأسوار ذات أبراج مبنية من اللبن مع استعمال بعض الحجارة غير المشذبة.

غير أن المدخل يتضمن إشارة جغرافية تستحق التوقف؛ إذ يربط ازدهار البلدة أيضًا بقربها من شقراء وطريق الوشم.

وهنا يظهر إشكال في تحديد الموضع؛ فالجمع بين كونها شمال حريملاء على طريق المجمعة وبين قربها من شقراء وطريق الوشم لا يقدم تحديدًا جغرافيًا واضحًا يمكن إسقاطه مباشرة على موضع حديث بعينه.

ولهذا فمن الأنسب إبقاء الاسم بصورته الواردة في المصدر “Hoolah”، وعدم الجزم بأنه يقابل بلدة معاصرة محددة حتى تتوافر قرائن جغرافية أو محلية أخرى تساعد على التعرف عليه.

كما ينبغي التنبيه إلى أن تاريخ 1862م الوارد في هذا المدخل يعود إلى زمن المعلومة التي اعتمد عليها المعجم، وليس إلى زيارة قام بها لوريمر في تلك السنة.

(معجم وسط الجزيرة العربية، 1904م، الورقة 26ظ).

حرمة:

ورد اسم حرمة في المعجم بصيغة قريبة من “Horma”، وجاء تعريفها مختصرًا:

“بلدة أو قرية في إقليم سدير.”

ولا يقدم المدخل تفاصيل أخرى عن سكانها أو عمرانها، إلا أن أهميته تكمن في إدراج حرمة صراحة ضمن بلدات سدير.

ويضاف ذلك إلى سلسلة المداخل التي تكشف تصور المعجم للامتداد الجغرافي للإقليم في مطلع القرن العشرين.

(معجم وسط الجزيرة العربية، 1904م، الورقة 26ظ).

حوطة سدير:

بعد مدخل حرمة مباشرة يورد المعجم موضعًا باسم “Howtah”، ويميزه عن موضع آخر يحمل الاسم نفسه.

ويصف الموضع الأول بأنه:

“موضع في سدير على مسافة قصيرة جنوب جلاجل.”

وهذا الوصف يجعل المقصود على الأرجح حوطة سدير.

ثم يورد المعجم رواية قيلت سنة 1865م عن سكان الموضع، تتعلق بتاريخ معتقداتهم ووجود كهوف منحوتة قيل إنها كانت مرتبطة بعبادة قديمة.

غير أن المدخل لا يسمّي الشخص أو المصدر الذي نقل هذه الرواية، وإنما يكتفي بالقول إنها “قيلت سنة 1865م”.

ولذلك ينبغي الفصل بين المعلومة الجغرافية الواضحة، وهي وجود موضع بهذا الاسم في سدير جنوب جلاجل، وبين الرواية التاريخية والدينية التي أوردها المعجم دون إسناد ظاهر في المدخل.

ولا تتوافر في هذا النص وحده قرائن كافية تسمح بالتعامل مع تلك الرواية بوصفها حقيقة تاريخية، ولذلك تبقى خبرًا منقولًا يحتاج إلى مصدر مستقل يؤيده قبل الاعتماد عليه.

كما أن المعجم يورد بعد ذلك مباشرة موضعًا آخر باسم “Howtah”، ويناقش موقعه وعلاقته بالحريق واليمامة؛ وهو موضع مختلف عن حوطة سدير المذكورة أولًا. وهذا التمييز مهم حتى لا تختلط المعلومات بين الموضعين.

(معجم وسط الجزيرة العربية، 1904م، الورقة 26ظ).

جلاجل والمياه والزراعة:

ترد جلاجل في المعجم ضمن بلدات سدير، ويرتبط وصفها بمشهد زراعي لافت في المصادر الأجنبية عن الإقليم.

فالمادة المنقولة عن ستينيات القرن التاسع عشر تصور جلاجل وما حولها بوصفها منطقة واسعة من النخيل والأراضي المروية، وهو ما ينسجم مع الصورة العامة التي تقدمها المصادر عن اعتماد بلدات سدير على المياه الجوفية والزراعة في بطون الأودية.

لكن من المهم هنا عدم التعامل مع المعجم بوصفه مصدرًا مستقلًا يؤكد رواية بالغريف؛ لأن المعجم نفسه يعتمد في كثير من مادته عن تلك الفترة على الرحالة السابقين، ومنهم بالغريف.

وتزداد المسألة أهمية عند مقارنتها بما كتبه بالغريف نفسه عن المياه السطحية في نجد؛ فقد ذكر أنه لم يشاهد منذ الجوف وحتى نجد وطويق مجرى ماء جاريًا ظاهرًا، ثم استثنى:

“مجرى صغير جدًا لا أهمية له بين جلاجل والرويضة في سدير.”

وهنا توجد ملاحظة تستحق الانتباه أكثر من مجرد القول بتطابق المصدرين؛ فبالغريف يقلل من شأن المجرى نفسه، في حين ترتبط صورة المنطقة في المادة الجغرافية اللاحقة باتساع النخيل والأرض المروية.

ولا يلزم من ذلك وجود تناقض؛ فقد يكون المجرى الظاهر صغيرًا بينما تعتمد الزراعة أساسًا على الآبار والمياه الجوفية ووسائل الري. لكن النصين معًا يقدمان صورة أكثر دقة لطبيعة المياه والزراعة في سدير من الاعتماد على أحدهما منفردًا.

بنو تميم وسدير:

عند حديث المعجم عن سكان نجد وقبائلها، ينقل عن بالغريف تقسيمًا عامًا جعل فيه بني تميم غالبين في بعض أقاليم جنوب نجد، بينما جعل سدير والقصيم والوشم في نطاق تسكنه جماعات أخرى لم يقدم عنها وصفًا واضحًا.

ثم يعقب المعجم على ذلك بأن رواية دوتي تدل، على خلاف هذا التصور، على قوة حضور بني تميم في القصيم.

لكن الملاحظة لا تقف عند القصيم؛ فإغفال حضور بني تميم في سدير أيضًا يجعل تعميم بالغريف بحاجة إلى الحذر عند استعماله في وصف سكان الإقليم.

فالمعجم هنا لا يقدم تعدادًا قبليًا مفصلًا لبلدان سدير، وإنما يعرض تصورات الرحالة المختلفة عن التركيب السكاني لنجد. ولهذا فإن قيمة النص تكمن في إظهار اختلاف تلك التصورات أكثر من كونه أساسًا لتحديد الانتماء القبلي لكل بلدة.

ويؤكد ذلك ضرورة الفصل بين الانطباعات العامة التي سجلها الرحالة وبين التاريخ المحلي والأنساب المستقرة في بلدات سدير.

(معجم وسط الجزيرة العربية، 1904م، الورقة 38ظ في النسخة الأخرى المحفوظة بمكتبة قطر الرقمية).

سدير بين روايات الرحالة:

تكشف مداخل المعجم أن جانبًا مهمًا من صورة سدير في المصادر البريطانية في مطلع القرن العشرين لم يكن نتيجة رحلة واحدة أو مشاهدة واحدة، وإنما حصيلة تراكم معلومات نقلها عدد من الرحالة والموظفين خلال القرن التاسع عشر.

ولهذا تظهر أسماء بالغريف وروس وبيلي ودوتي وغيرهم في مواضع مختلفة، ويحتفظ المعجم أحيانًا باختلافهم بدل أن يحسمه.

وأبرز مثال على ذلك حريملاء، حيث سجل صراحة اختلاف بالغريف وروس في نسبتها إلى سدير أو العارض.

وتظهر أهمية هذه الطريقة أيضًا في دراسة أسماء المواضع؛ فمدخل “Hoolah” مثلًا يقدم معلومات تفصيلية عن بلدة عدها المعجم من سدير، لكن وصف موقعها لا يسمح حتى الآن بالجزم بهويتها الحديثة.

وبذلك يصبح المعجم مصدرًا مهمًا ليس فقط لما يقدمه من معلومات، بل كذلك لما يكشفه من اختلافات ومشكلات في تحديد أسماء المواضع وحدود الأقاليم.

صورة سدير في معجم سنة 1904م:

تظهر سدير في “معجم وسط الجزيرة العربية” إقليمًا واضح الاسم ضمن نجد، يضم عددًا من البلدان والمواضع التي يصرح المعجم بنسبتها إليه.

وتبرز من مداخله أسماء الداخلة وحرمة وحوطة سدير، إلى جانب جلاجل وحريملاء وموضع “Hoolah”، كما يقدم وصفًا مهمًا لمرتفعات عتالة وثنيتها والطريق الذي يصل المجمعة بالدرعية.

ولا تتساوى هذه المداخل في مقدار المعلومات؛ فبعضها لا يتجاوز سطرًا واحدًا يثبت نسبة البلدة إلى سدير، بينما يقدم بعضها الآخر وصفًا للعمران والزراعة والطرق والتحصينات.

وتكشف المقارنة بينها أيضًا عن ضرورة الحذر عند استعمال المعجم. فهو ليس سجلًا لمشاهدات تمت كلها سنة 1904م، وإنما عمل تجميعي استفاد من معلومات تعود إلى أزمنة مختلفة ومن رحالة متعددين. ولهذا فإن وصف بلدة “سنة 1862م” ينبغي أن يقرأ في سياق المصدر الذي نقل عنه، لا أن ينسب تلقائيًا إلى لوريمر.

وفي الوقت نفسه، تكمن قيمة المعجم في أنه جمع تلك المادة المتفرقة وحفظ أسماء مواضع وحدود وطرق ربما يصعب الوصول إليها لو قرئت كل رحلة بمعزل عن الأخرى.

ومن أبرز ما تضيفه هذه المادة إلى تاريخ سدير تحديد “عتالة” وثنيتها بالنسبة إلى تمير وطريق المجمعة والدرعية، وتسجيل اختلاف المصادر في حريملاء، وإثبات عدد من البلدان والمواضع ضمن إقليم سدير في التصور الجغرافي للمصادر البريطانية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

المصادر:

John Gordon Lorimer, “Persian Gulf Gazetteer, Part II: Geographical and Descriptive Materials, Section III: Central Arabia”, Simla: Government Central Press, 1904، النسخة المحفوظة في المكتبة البريطانية، IOR/R/15/1/728، والمتاحة في مكتبة قطر الرقمية.

مدخل “Atala (Jebel and Theneeyat)”، الورقة 16ظ.

مدخل “Dakhlah”، الورقة 18ظ.

مداخل “Hoolah”، و”Horeymelah”، و”Hormah”، و”Howtah”، الورقة 26ظ.

مادة السكان والقبائل في نجد، ومن بينها ملاحظات بالغريف ودوتي عن بني تميم وسدير والقصيم، نسخة معجم وسط الجزيرة العربية المحفوظة في مكتبة قطر الرقمية.

William Gifford Palgrave, “Observations made in Central, Eastern, and Southern Arabia during a Journey through that Country in 1862 and 1863,” Journal of the Royal Geographical Society of London, Vol. 34, 1864.

John Gordon Lorimer, “Gazetteer of the Persian Gulf, ‘Oman and Central Arabia”, Vol. II, Geographical and Statistical, Government of India, 1908.

شارك هذا المقال مع المهتمين