البدارين الدواسر ودورهم الحضاري والسياسي في نجد

 بقلم: عبدالكريم بن عبدالرحمن الصهيل الفعيم

تمهيد:

يعرف كل باحث في تاريخ نجد قبل قيام الدولة السعودية الأولى صعوبة البحث في تلك الحقبة، لندرة المصادر المدوّنة فيها. فالباحث يعتمد غالبًا على الرواية الشفهية، وعلى إشارات متفرقة ترد في بيت من الشعر، أو في كتب تاريخ غير مختصة بنجد، أو في مصادر أخرى ليست من مظانّ هذا التاريخ. لذلك قد تتغير بعض المعلومات المبنية على هذه المصادر إذا ظهرت إشارة جديدة هنا أو هناك.

الدواسر: القبيلة الأم

يبدأ الحديث عن البدارين من قبيلتهم الأم الدواسر، وهي من القبائل العربية القديمة في نجد. يتكون كيانها المعروف من جذمين كبيرين هما آل زايد وتغلب. ومن آل زايد آل سالم، ومن آل سالم البدارين.

ومن أقدم الشواهد على قِدم كيان الدواسر ما أورده الطبري في حوادث سنة 101هـ، في خبر نصرة الأزد لمدرك بن المهلب، إذ قال ثابت قطنة العتكي الأزدي:

ألم ترَ دَوسرًا منعت أخاها … وقد حشدت لتقتله تميمُ

وقال في القصيدة نفسها:

عليها كلُّ أصيدَ دوسريٍّ … عزيزٍ لا يفرُّ ولا يريمُ

ووقوع الحادثة سنة 101هـ لا يعني أن كيان القبيلة نشأ فيها. فورود اسم الجماعة والنسبة إليها بلفظ «دوسري» يدل على أن لها كيانًا معروفًا قبل الحادثة. ومن ثم يمكن الاستدلال بذلك على وجود كيان للدواسر في القرن الأول الهجري، وإن تعذّر تحديد بداية هذا التكوّن القبلي على وجه الدقة.

ثم جاء النص الصريح في القرن السادس الهجري، إذ قال نشوان الحميري (ت 573هـ) في «شمس العلوم»: «والدواسر: حيٌّ من العرب».

البدارين وإمارة الدواسر:

ينتسب البدارين إلى جدهم بدران. وتشير الشواهد التاريخية والروايات القديمة إلى أن الإمارة في الدواسر كانت في بيت بدران منذ زمن مبكر، ثم استمرت في ذريته قرونًا.

ففي أواخر القرن السابع الهجري، على التأريخ الذي يجعل هجرة الضياغم من منازلهم في ذلك العصر، مرّ الضياغم في طريق هجرتهم بوادي الدواسر ونزلوا على عامر بن بدران. وتذكر دراسة رحلة الضياغم أن منازلهم كانت حينئذ جنوب شرقي تثليث، وأن خط هجرتهم اتجه شمالًا مارًّا بقرية الفاو ثم وادي الدواسر. وقال شاعرهم في مدحه:

ضِفنا وضيّفنا ابن بدران عامرٌ … حُيّيتَ يا غمرٍ فلاحه بادِ

وقال:

فلا ظلَّ إلا ظلُّ غارٍ من الصفا … ولا شيخَ إلا عامرُ بن زيادِ

وفي القرن الثامن الهجري يأتي شاهد تاريخي صريح، إذ ذكر ابن فضل الله العمري (ت 749هـ) الدواسر، ونصّ على أن شيخهم رواء بن بدران. وبذلك يرتبط اسم بيت بدران بإمارة الدواسر في مصدر تاريخي من القرن الثامن الهجري.

ثم تذكر الروايات المتوارثة معركة قوز الشريف، التي هزم فيها الدواسر جيش الشريف، وكان أمير الدواسر فيها عامر بن بدران المتأخر. ويرجّح بعض الباحثين وقوعها في أوائل القرن الثاني عشر الهجري، وإن كان تاريخها الدقيق غير مقطوع به.

وعلى هذا تمتد الشواهد على إمارة بيت بدران في الدواسر من أواخر القرن السابع إلى أوائل القرن الثاني عشر الهجري، أي أكثر من أربعة قرون. ولا تسعفنا المصادر بما يكفي لإثبات أسماء جميع الأمراء خلال هذه المدة، وإنما تدل على طول بقاء الإمارة والمكانة القيادية في بيت بدران عبر قرون متعاقبة.

ثم انتشرت جماعات البدارين شمالًا في نجد، وكان أبرز انتشارهم في المحمل ثم سدير ثم القصيم. ولم يكن ذلك مجرد انتقال للسكن، بل صاحبه قيام إمارات وتأسيس بلدان وعمارتها واستيطانها.

أولًا: البدارين في المحمل

كان المحمل من أهم مواطن البدارين القديمة في وسط نجد، ومن أبرز بلدانهم فيه البير وثادق.

ففي سنة 1015هـ استولى البدارين بقيادة محمد وعبدالله آل حنيحن على بلدة البير، وأخرجوا منها العرينات، ثم عمروها وغرسوها. وتداولت ذرية محمد بن حنيحن الإمارة فيها من بعده.

وفي سنة 1079هـ أسس الشيخ محمد بن منيع ومعه العواسج بلدة ثادق، حاضرة إقليم المحمل. وقد ورد في بعض كتب التاريخ النجدي في حوادث تلك السنة: «عُمرت بلد ثادق، عمرها آل عوسجة من الدواسر وغرسوها». وآل عوسجة من البدارين، فارتبط عمران ثادق بالبدارين، واستمرت لهم فيها الإمارة والحضور العلمي والاجتماعي.

وبذلك كان للبدارين في المحمل عمران واستيطان وإمارة منذ القرن الحادي عشر الهجري.

ثانيًا: البدارين في سدير

كان للبدارين حضور سياسي قوي في سدير، وأبرز مراكزه جلاجل، حيث قامت لهم إمارة قديمة منذ القرن الحادي عشر الهجري. ومن شواهد ذلك أن أمير روضة سدير رميزان بن غشام التميمي (ت 1079هـ) مدحهم حين نصروه على خصومه. ولم تقتصر إمارتهم في بعض الفترات على جلاجل وحدها.

ومن أوضح الشواهد على ذلك أحداث سنة 1135هـ التي ذكرها مؤرخو نجد، ومنهم ابن ربيعة والفاخري وابن لعبون وابن عيسى. ففيها استولى محمد بن عبدالله الدوسري، رئيس جلاجل، على روضة سدير، وبنى منازل آل أبي هلال وآل أبي سليمان وآل أبي سعيد، وأخرج العبيد من حوطة سدير وأعاد إليها أهلها آل أبي حسين، ثم عزل ابن قاسم عن إمارة الجنوبية وولّى فيها ابن غنام من العناقر. وقد أورد ابن عيسى الخبر بلفظ صريح في رئاسة محمد بن عبدالله لجلاجل واستيلائه على الروضة.

وهذه الأفعال من الاستيلاء والعزل والتولية وإعادة الإسكان تدل على سلطة سياسية وإدارية تتجاوز حدود بلدة واحدة. ولذلك فالأدق القول إن للبدارين في القرن الثاني عشر الهجري إمارة قوية مركزها جلاجل، امتد نفوذها في بعض الفترات إلى أجزاء من سدير.

ومن أشهر بيوت البدارين كذلك السدارى (آل السديري) أهل الغاط، وهم من أشهر الأسر البدرانية في تاريخ نجد. وتؤكد المصادر قدم إمارة السدارى على الغاط. وقد برزوا في الإمارة والسياسة، ولم يقتصر دورهم على الغاط، بل تولى رجال منهم إمارات ومهام قيادية في عهود الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة، فكان لهم أثر بارز في التاريخ السياسي السعودي.

كما كانت للبدارين إمارة في عودة سدير على فترات، قبل قيام الدولة السعودية الأولى وبعدها.

وهكذا يكشف تاريخ البدارين في سدير وما جاورها عن إمارات ونفوذ سياسي يتجاوز حدود البلد الواحد، ومن أبرز مظاهره إمارة آل ابن خميس في جلاجل ونفوذها، وإمارة السدارى في الغاط، وإمارتهم في عودة سدير.

ثالثًا: البدارين في القصيم

كان للبدارين من الدواسر وجود قديم في القصيم. فيرجع تأسيسهم لبلدة النبقية إلى القرن التاسع أو العاشر الهجري، ولبلدة الشماسية إلى القرن الحادي عشر الهجري. وكانت هاتان البلدتان من أقدم مواطنهم في القصيم، استقرت فيهما فروع من البدارين، ثم انتقلت منهما أسر إلى بلدان أخرى. ثم انتشرت فروعهم في عدد من حواضر القصيم، فاستوطنوا بريدة وعنيزة والمذنب.

خاتمة

يتبين مما سبق أن خروج البدارين من مواطن الدواسر في جنوب نجد لم يكن في فترة واحدة ولا في جماعة واحدة، بل كان في أزمنة مختلفة وجماعات متعددة، قصدت كل جماعة منها إقليمًا واستقرت فيه. وقد اقترن هذا الانتشار بتأسيس البلدان وعمارتها وقيام الإمارات فيها، في المحمل وسدير والقصيم، مما يجعل للبدارين دورًا حضاريًا وسياسيًا بارزًا في تاريخ نجد.

شارك هذا المقال مع المهتمين