تمهيد:
تُعد الرسائل الأسرية القديمة من أبرز ما يكشف طبيعة العلاقات الاجتماعية بين أهل نجد والزبير، بما تحمله من أخبار ومشاعر ولهجة الحياة اليومية في ذلك الزمن، ومن ذلك رسالة مؤرخة في 20 رجب سنة 1301هـ، بعث بها عمران وإبراهيم أبناء حمد العمران إلى أبناء عبدالله بن عمران، تعكس ما كان يجمعهم من صلة وشوق واهتمام رغم تباعد الديار.
نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام من عمران وإبراهيم حمد العمران إلى حضرة الإخوان الكرام عمران وناصر وعلي وإبراهيم ومحمد أبناء المرحوم العم عبدالله بن عمران المحترم سلمهم الله تعالى وأبقاهم، ومن كل شر نجاهم، وأول السؤال عن صحة حالكم، وعنا من فضل الله بخير، ولا زلتم كذلك امين، وفي أبرك الساعات وأشرف الأزمان والأوقات تشرفنا بورود مكاتبيكم الشريفة السابق مع بن زكري واللاحق مع الحدرة، وأسر الخاطر خبر سلامتكم، وما عرفتم صار لدى الأخ معلوم، والصويغة مع بن زكري وصلت، أنعم الله عليكم، ما قصرتم مشكورين السعي، وصار معلوم اسعار من طرفكم وأخبارها، ولازلتم دايم تفيدون عنا ما يسر.
ونخيناكم على ركز فيد بن حمد، واللي ذكرتو لنا نرجوكم إن شاء الله تركزونه، وهو ما يريد كلافة بس يثبت، ما يريد سقي، وتخلون من يركزه يأكل ثمرة النخل حتى يثبت، وكذلك يأكل ما يزرع له، وتعطونه ناقة أو بقرة يصدر عليها، وتجرونها علينا، والفروخ إن شاء الله تدركونهن قدر ثمانين فرخ، ومن طرف نصيب خالتي هياء ثمناه منها وتقول إن شاء الله إذا بغيت أحج أخليه لكم، ومن طرف الأراضي الذي غيره: الرطابا، ركية حميد، والعواوير، وأرض القصب، وجميع الذي لنا نصيب والدتي، إن شاء الله تحاسبون خالتي على الذي يجي منهن وتقبضونه، وأنتم الله الله قضوا اللازم في ركزه.
ومن طرف عبدالعزيز العمران اشترى له خرابة حارة رنج، يبني فيها، يمكن في شهر ذو القعدة أو الحجة يقضي ويظهر من بيتنا إن شاء الله، وحنا أنوي بالظهرة لنجد، والحج كل سنة هالسنة، وأشوف الدنيا ما هيب مساعفتنا، نسأل الله حسن التوفيق، ودنا والله ما تغاب الشمس إلا حنا عندكم بالحمل والزمل أو الرجال بنفسه لو يحج، نسأل الله أن ييسر أمورنا وكل مسلم.
وأحسن ما بشرتونا به بعبدالله العمران، وعبدالله الناصر، والله إن الواحد من قراه إن كأنه معطى ملك البصرة، وصلنا الخط في البصرة، تعرفونا عنهم في كل دفع عسى الله يبارك فيهم ويصلحهم ويرزقكم غيرهم إن شاء الله أولاد، وحنا إلى الآن ما قسم الله لنا شيء، نسأل الله أن يرزقنا الذرية الصالحة والمسلمين، عبدالعزيز جاه بنت، وتعرفونا عن أحوالكم مع كل قادم، هذا ما لزم رفعه.
مع إبلاغ سلامنا الوالدة، والعيال، وابراهيم بن عثمان وولده، وعبدالرحمن أبا حسين وعياله، وعمتي، وعيال عبدالله بن علي، وعبدالله الدباس، والخميس كافة، والشويش، وعبدالله العباد، وجميع الجماعة من غير عدد.
ومن لدينا محمد الريس، وعبدالله وعبدالعزيز الريس، وعبدالعزيز العمران، والشيخ بن دايل، ومقرن، وفوزان البراهيم، والحاجي أبو ليفة وخوه وولده، والجماعة كافة يسلمون والسلام، ومنصور من جمهور يسلم، وعلي بن سعود.
20 رجب 1301هـ.
(تنويه: تم تقسيم الرسالة على شكل فقرات وبفواصل ليتضح المعنى)
بيانات الرسالة:
– المرسلان: عمران وإبراهيم أبناء حمد بن عمران بن محمد بن عمران بن محمد بن عامر. (الزبير)
– المرسل إليهم: عمران وناصر وعلي وإبراهيم ومحمد أبناء عبدالله بن عمران بن محمد بن عمران بن محمد بن عامر. (عودة سدير)
– مكان الإرسال: الزبير.
– مكان الوصول: عودة سدير.
– التاريخ الهجري: يوم الجمعة 20 رجب 1301هـ.
– التاريخ الميلادي: 16 مايو 1884م.
صلة المرسلين بالمرسل إليهم في شجرة الأسرة:
المرسلان من الزبير هما عمران وإبراهيم أبناء حمد بن عمران؛ بينما المرسل إليهم في عودة سدير أبناء عمهم الأشقاء: عمران وناصر وعلي وإبراهيم ومحمد أبناء عبدالله بن عمران، إذ يجتمع الطرفان في جد مباشر واحد هو: عمران (الثاني) بن محمد بن عمران (الأول) بن محمد بن عامر.
(تنويه: عمران الأول تجتمع فيه جميع فروع الأسرة).
وصف الوثيقة:
كُتبت الرسالة على ورقة أوروبية قديمة مائلة إلى الاصفرار، ولا نعلم هل هذا لونها الأصلي أم بفعل التقادم، وقد خُطّت بالحبر الأسود، وبخط واضح، وباستخدام أدوات الكتابة التقليدية في ذلك الزمن.
وتحمل الورقة في أعلاها ختمًا بارزًا يحمل كلمة (BATH) أسفل تاج، وهو من الأختام المعروفة على أوراق المراسلات الأوروبية الفاخرة في القرن التاسع عشر الميلادي، ويرجّح ارتباطه بمدينة باث الإنجليزية، مما يدل على جودة الورق المستورد المتداول آنذاك.
وضع الزبير في ذلك الوقت:
في سنة 1301هـ/1884م كانت الزبير إحدى أبرز الحواضر النجدية خارج نجد، تضج بالأسواق والقوافل القادمة من البصرة ونجد، وتسكنها أسر نجدية حملت معها لهجتها وعاداتها وروابطها القديمة. وكانت المكاتبات والرسل لا تنقطع بين الزبير وبلدان نجد، يحملها المسافرون مع الأخبار والهدايا وأشواق الأقارب.
وفي تلك الفترة كانت الزبير مدينة عامرة داخل سورها القديم، تنبض بالحركة التجارية والعمرانية، ويبلغ عدد سكانها حوالي 5500 نسمة، ويتولى مشيختها إبراهيم عبداللطيف الزهير بين عامي 1874م و1888م.
السياق التاريخي:
زمن كتابة هذه الرسالة كانت معظم فروع أسرة العمران قد غادرت عودة سدير إلى الزبير والكويت، ولم يبقَ في البلدة من ذرية عمران بن محمد بن عمران بن محمد بن عامر إلا أبناء عبدالله (عمران، وناصر، وعلي، وإبراهيم، ومحمد)، ومن ذرية علي بن عبدالله بن عمران بن محمد بن عامر إلا عبدالله، بينما انتقلت بقية الفروع إلى الزبير والكويت، مع استمرار التواصل بينهم رغم تباعد الديار.
الأشخاص الوارد ذكرهم في الوثيقة:
– عمران وإبراهيم أبناء حمد العمران: عمران وإبراهيم أبناء حمد بن عمران بن محمد بن عمران بن محمد بن عامر، مرسلي الرسالة، أمهم منيرة بنت الشيخ عبدالله بن محمد بن ناصر بن حماد إمام جامع العودة وكاتبها الشرعي.
– ابن زكري: من حوطة سدير، ورد ذكره ناقلًا لبعض المكاتبات والصويغة.
– خالتي هياء: المقصود هياء أخت منيرة أمهم بنت الشيخ عبدالله بن محمد بن ناصر بن حماد، والدة المرسلَين.
– عبدالعزيز العمران: عبدالعزيز بن علي بن عبدالله بن عمران بن محمد بن عامر.
– عبدالله العمران: عبدالله بن عمران بن عبدالله بن عمران بن محمد بن عمران بن محمد بن عامر.
– عبدالله الناصر: عبدالله بن ناصر بن عبدالله بن عمران بن محمد بن عمران بن محمد بن عامر.
– الوالدة: يقصد والدتكم موضي بنت عبدالله بن سعود بن شويش، زوجة عبدالله بن عمران بن محمد بن عمران بن محمد بن عامر.
– إبراهيم بن عثمان وولده: الشيخ إبراهيم بن عثمان بن حمد أبو حيمد، تولى إمامة جامع العودة بين 1276هـ و1300هـ، ثم خلفه ابنه الشيخ عثمان حتى سنة 1338هـ.
– عبدالرحمن أبا حسين: الشيخ عبدالرحمن بن عبدالمحسن أبا حسين، زوج سارة بنت عمران بن محمد بن عمران بن محمد بن عامر.
– عمتي: المقصود سارة بنت عمران بن محمد بن عمران بن محمد بن عامر زوجة الشيخ عبدالرحمن أبا حسين.
– عيال عبدالله بن علي: عبدالله وهيلة ابنا عبدالله بن علي بن عبدالله بن عمران بن محمد بن عامر.
– الخميس: أسرة الخميس من البدارين الدواسر.
– الشويش: أسرة الشويش من الوداعين الدواسر.
– عبدالله بن عباد: أسرة العباد من أهل عودة سدير، ويُرجّح أنه عبدالله بن عباد، أخو عثمان، ووالد عبدالعزيز وعلي وقويت وسارة، وزوج هياء بنت إبراهيم بن عباد.
– محمد الريس: يحتاج تحقق.
– عبدالله وعبدالعزيز الريس: ابنا حمد بن عبدالله الريس، وعبدالله زوج هياء بنت الشيخ عبدالله بن محمد بن ناصر بن حماد.
– الشيخ بن دايل: الشيخ محمد بن ناصر بن دايل، من مشايخ الزبير المعروفين، عُرف بالتدريس والوعظ وكتابة الوثائق والعقود، وكان إمام مسجد الحصي، وتوفي سنة 1320هـ، وله لدينا وثائق كثيرة بخطه، وأخوه عبدالرزاق.
– مقرن: مقرن بن علي بن سعود بن شويش، زوج حصة بنت الشيخ عبدالله بن محمد بن ناصر بن حماد.
– فوزان البراهيم: يحتاج تحقق.
– أبو لييفة وأخوه: عبدالله بن عبدالرحمن اللييفه المتوفى سنة 1338هـ، وأخوه مطلق، ولقبهم في الزبير “الليفة”، واسمهم الأصلي “العلي”. وعبدالله زوج حصة بنت حمد بن عمران.
– منصور بن جمهور: منصور بن عبدالله بن جمهور، تزوج منيرة بنت عبدالله بن محمد بن حماد بعد وفاة والدهم حمد بن عمران، وله منها بنت اسمها هيلة، وهي أخت عمران وأخيه إبراهيم أبناؤ حمد بن عمران من الأم.
– علي بن سعود: علي بن سعود بن شويش والد مقرن، ويدل ذلك على أنه في تلك الفترة كان في الزبير.
مواضع وردت في الوثيقة:
– فيد بن حمد: يقصد به فيد حمد بن محمد بن عمران، وقد آل إلى ذرية عبدالله بن عمران بن محمد بن عمران مع ذرية حمد بن عمران بن محمد بن عمران بطريق العصبة بعد وفاة حمد بن حمد بن محمد بن عمران دون وريث.
– الرطابا: موضع نخل في العلاوة بعودة سدير، آل إلى عمران وإبراهيم وأخواتهما إرثًا عن والدتهم منيرة بنت عبدالله بن حماد.
– ركية حميد: موضع نخل شمال عودة سدير قرب المقبرة القديمة، آل إلى عمران وإبراهيم وأخواتهما إرثًا عن والدتهم منيرة بنت عبدالله بن حماد.
– العواوير: موضع قديم في عودة سدير بين السور الخارجي والسور الأوسط، ويبدو أنه كان يضم نخيلاً وآبارًا قديمة، وتخترقه الوضيمة الجنوبية التي تسقي بعض نخيل العلاوة.
– أرض القصب: موضع زراعي في بلدة القصب بالوشم، آل إلى عمران وإبراهيم وأخواتهما إرثًا عن والدتهم منيرة بنت عبدالله بن حماد.
الألفاظ في الوثيقة:
يظهر من الرسالة أن اللهجة النجدية لا تزال غالبة على أسلوب المملي عمران بن حمد، مع وجود ألفاظ متأثرة ببيئة الزبير والبصرة، ومن الألفاظ الواردة في الرسالة:
– الحدرة: اسم يُطلق على القوافل المتجهة من نجد إلى الزبير، وعكسها التثويرة.
– أسر الخاطر: أي أفرح النفس وطيّب الخاطر.
– الصويغة: تصغير “الصوغة”، أي الهدية التي تُجلب من السفر.
– أسعار: يقصد بها أسعار السلع وأثمانها.
– الركّز: غرس النخل أو تثبيته في الأرض.
– يثبت: أي يستقر النخل ويقوى بعد غرسه.
– يصدر عليها: أي تُستخدم في استخراج الماء من القليب.
– الفروخ: فسائل النخل الصغيرة.
– تدركونهن: أي تلحقونها بعد نموها وكبرها.
– ركية: البئر التي لم تُطوَ بالحجارة، وجمعها “ركايا”.
– الخرابة: الأرض أو الدار القديمة غير المعمورة.
– يظهر من بيتنا: أي يخرج أو ينتقل من المنزل.
– الظهرة لنجد: الرجوع من الزبير باتجاه نجد.
– الحج كل سنة هالسنة: تعبير يدل على تعذر السفر أو تأجيله رغم الرغبة فيه.
– الحمل والزمل: السفر بالمتاع والركائب.
– الخط: الرسالة أو الكتاب المكتوب.
– في كل دفع: أي مع كل قافلة أو رسول قادم.
– الحاجي: لفظة زبيرية تقابل “الحاج”.
– خوه: لفظة زبيرية بدل “أخوه”.
وتعكس هذه الألفاظ مقدار التأثير اللغوي المتبادل بين أهل نجد والزبير والبصرة في تلك المرحلة.
العلاقة التاريخية بين نجد والزبير:
شهدت القرون المتأخرة حركة تنقل مستمرة بين نجد والبصرة والزبير للتجارة وطلب الرزق، واستقرت خلال ذلك أسر نجدية كثيرة في تلك المناطق مع بقاء ارتباطها ببلدانها الأصلية.
وتكشف هذه الرسالة جانبًا من ذلك التواصل؛ إذ يتبادل الطرفان الأخبار، ويتابعون شؤون الأراضي والزراعة والحقوق المالية وأحوال الأسرة والمواليد، مما يعكس قوة الروابط العائلية آنذاك، كما تظهر أهمية المكاتبات في إدارة الممتلكات والتنسيق بين أفراد الأسرة مع تباعد أماكن إقامتهم.
أسلوب المخاطبات في الرسائل النجدية القديمة:
تتميّز المراسلات الواردة في وثائق أسرة العمران، ولا سيما الرسائل القادمة من الزبير، بطول مقدمات السلام والدعاء، وكثرة عبارات الاحترام والتوقير، وهو أسلوب كان شائعًا في مكاتبات تلك المرحلة.
ومن ذلك قول مرسلي الرسالة عمران وإبراهيم أبناء حمد: “السلام من عمران وإبراهيم حمد العمران إلى حضرة الإخوان الكرام عمران وناصر وعلي وإبراهيم ومحمد أبناء المرحوم العم عبدالله بن عمران المحترم سلمهم الله تعالى وأبقاهم، ومن كل شر نجاهم”.
كما يظهر في الرسالة حضور الجانب العاطفي بوضوح، من خلال تكرار الدعوات، وكثرة نقل السلام إلى الأقارب في عودة سدير، وهو ما يعكس طبيعة المجتمع آنذاك؛ مجتمعًا محافظًا يقوم على صلة الرحم، والتودد في الخطاب، وتعظيم الروابط الأسرية رغم تباعد الديار.
البعد العاطفي والأسري في الرسالة:
تحمل الرسالة قدرًا كبيرًا من الشوق والترابط الأسري، ويتجلى ذلك في كثرة الدعوات والسؤال عن الأحوال والفرح بالأبناء والمواليد.
ومن أبلغ ما ورد فيها قول عمران بن حمد بعد وصول خبر ولادة بعض أفراد الأسرة:
“والله إن الواحد من قراه إن كأنه معطى ملك البصرة”.
وتكشف هذه العبارة عن فرحٍ بالغ بالبشارة، كما تحمل بُعدًا عاطفيًا عميقًا؛ إذ جاءت في وقت كانت فيه معظم فروع أسرة العمران قد تفرقت بين الزبير والكويت، وقبل ذلك الحصون وحرمة، حتى أصبح أبناء عبدالله بن عمران: عمران وناصر وعلي وإبراهيم ومحمد، آخر الفروع المقيمة في عودة سدير.
وكانت والدتهم موضي بنت عبدالله بن سعود بن شويش ترعاهم بعد وفاة والدهم وهم صغار، لذلك كان خبر ولادة عبدالله بن عمران وعبدالله بن ناصر حدثًا أسريًا مهمًا، لكونهما من أوائل الأحفاد في هذا الفرع الباقي في العودة، بما يحمله ذلك من معنى استمرار النسل وبقاء اسم الأسرة في البلدة.
ويبدو من حرارة العبارة أن كاتب الرسالة لم يكن يعبّر عن فرح عابر، بل عن شعور امتزج فيه الشوق والخوف من انقطاع بعض الفروع بعد تشتتها خارج العودة، لذلك شبّه أثر هذه البشارة بمن أُعطي “ملك البصرة”، وهي من أعظم صور السرور عند أهل ذلك العصر.
ويزداد أثر هذه المشاعر حين تُقرأ العبارة إلى جانب قوله: “وحنا إلى الآن ما قسم الله لنا شيء، نسأل الله أن يرزقنا الذرية الصالحة والمسلمين”.
وهو ما يعكس مقدار التعلّق بالأبناء والذرية، وصدق المشاعر التي حملتها تلك المكاتبات، وعمق الروابط العائلية بين أفراد الأسرة رغم تباعد الديار.
القيمة الاجتماعية والوجدانية للرسالة:
إن محافظة أجدادنا على هذه المكاتبات تمثل دليلًا آخر على ما كان بينهم من محبةٍ ومعزةٍ وصلةٍ وثيقة بأبناء عمومتهم؛ إذ إن الاحتفاظ بالرسائل وحفظها عبر السنين لم يكن لمجرد قيمتها الخبرية، بل لما تحمله من مشاعر وذكريات وروابط أسرية عميقة.
ويبدو أن لهذه المكاتبات جانبًا عاطفيًا كبيرًا قد لا نستشعره اليوم بالصورة نفسها، إلا أن عبارات الشوق، وكثرة السلام، وتتابع الدعوات، والفرح بالأبناء والمواليد، كلها تكشف عن حالة وجدانية قوية كانت تجمع أفراد الأسرة بعضهم ببعض رغم تباعد الديار.
ومن الجوانب اللافتة في هذه المكاتبات أن العلاقة بين الطرفين لم تكن تقتصر على تبادل الأخبار والرسائل فحسب، بل كانت تُرفق معها الصوغات (الهدايا) بينهم، وهو أمر يتكرر ملاحظته في عدد من وثائق الأسرة ومكاتباتها القديمة، وكأن الرسالة لم تكن تُقرأ فحسب، بل تُعاش بما تحمله من كلماتٍ وهدايا وآثار أصحابها.
ويكشف ذلك عن طبيعة العلاقة الوجدانية العميقة التي كانت تربطهم؛ إذ كانت الرسالة تصل محمّلة بالمشاعر، ومعها صوغة تحمل أثر المرسل وحضوره الرمزي إلى أهله وأقاربه. وربما كان لمثل هذه الهدايا أثر عاطفي كبير في نفوسهم، خاصة في زمنٍ كانت فيه المسافات طويلة، واللقاء نادرًا، فغدت الرسائل والصوغات وسيلة لحفظ المودة واستحضار القرب رغم تباعد الديار.
خاتمة:
تمثل هذه الرسالة المؤرخة سنة 1301هـ نموذجًا حيًا للوثائق النجدية المرتبطة ببيئة الزبير والبصرة، بما تحمله من ألفاظ محلية، وتفاصيل اجتماعية وزراعية، ومشاعر أسرية صادقة.
كما تكشف عن استمرار الروابط بين أهل نجد وأقاربهم خارجها، وتمنح صورة واضحة لطبيعة الحياة اليومية وأساليب التواصل في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، مما يجعل مثل هذه الوثائق من أهم المصادر في دراسة التاريخ الاجتماعي واللهجات والعلاقات الأسرية في منطقة الخليج.
وتبرز الرسالة كذلك أهمية الوثائق الأسرية الخاصة بوصفها سجلًا حيًا لمشاعر الناس وحياتهم اليومية، ولعل ما أبقاها محفوظة إلى اليوم ليس الورق والحبر وحدهما، بل ما تحمله من مودةٍ وذكرياتٍ وروابط إنسانية امتد أثرها عبر الأجيال.
صور للزبير: