تمهيد:
أ. موجات النزوح المبكرة للبدارين:
وتذكر بعض الروايات الشفهية المتناقلة لدى عدد من أبناء البدارين الدواسر أن النزوح الأول للبدارين إلى شمال نجد كان باتجاه ثلاث مناطق رئيسية استقروا فيها في مراحل مبكرة، وهي:
- إقليم المحمل: البير، ثم انتقلت بعض الأسر لاحقًا إلى ثادق وأسهمت في عمرانها والاستقرار فيها.
- إقليم سدير: عودة سدير، والخيس ومنه إلى الغاط وجلاجل.
- منطقة القصيم: النبقية.
غير أن هذه الروايات ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والمقارنة بالوثائق والمصادر التاريخية؛ لتحديد دقتها الزمنية، وطبيعة مراحل النزوح والاستقرار، وما طرأ عليها من انتقالات لاحقة بين بلدان نجد المختلفة.
كما يجدر التنبيه إلى أن الحديث عن مواضع الاستيطان الأولى لا يمنع وقوع انتقالات متعددة لاحقة بين بلدان نجد عبر القرون، وهو أمر معروف في تاريخ الأسر النجدية وتحركاتها بين الأقاليم والبلدات.
ب. انتقالات فروع البدارين في القصيم:
أما في منطقة القصيم، فتشير الوثائق والروايات إلى وقوع موجات انتقال لاحقة لبعض فروع البدارين خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، ويمكن ترتيب تلك الانتقالات على النحو الآتي:
1. خروج شتوي وإخوته أبناء محمد بن حمود بن غزي:
أورد الشيخ عبدالله البسام في كتاب “علماء نجد” (ج4، ص491) عند حديثه عن بلدة المذنب ما نصه: “وتولى الإمارة فيه عبد الله الخريدلي، ثم بعده ابنه إبراهيم، وطالت مدة إمارة إبراهيم، واتسع العمران في زمنه، ونزل عليه لفيف من الجيران، منهم: شتوي الدوسري من أهل الشماسية، نزل فداويًّا عند إبراهيم مدة، ثم أعانه على عمارة عين نبعة، وطلب منه الإعانة فأعانه على عمارتها”.
ومما يُستأنس به في تأريخ هذه الحادثة أن الأمير إبراهيم بن عبدالله الخريدلي توفي سنة 1193هـ، مما يدل على أن انتقال شتوي وإخوته إلى المذنب كان قبل هذا التاريخ.
كما تذكر بعض الروايات الشفهية المتناقلة لدى أهل الشماسية أن خروج شتوي كان في حدود سنة 1156هـ تقريبًا، أي بعد منتصف القرن الثاني عشر الهجري.
2. انتقال آل غزي أهل الزلفي:
وتدل بعض الوثائق على أن انتقالهم وقع في زمن جدهم محمد بن صالح بن حمود بن غزي، ومن ذلك وثيقة بيع حمد وحمود ابني سبهان بن محمد بن صالح بن حمود بن غزي لقاع محمد بن صالح بن حمود غزي، وهي وثيقة غير مؤرخة، إلا أن زمنها يُستدل عليه بوصية سبطه عبدالعزيز بن محمد الحماد المحررة سنة 1263هـ، إذ إن أمه شما بنت سبهان بن محمد بن صالح بن حمود بن غزي.
فإذا قُدِّر أن عبدالعزيز الحماد كتب وصيته وهو في حدود الستين من عمره، فإن ميلاده يكون تقريبًا سنة 1203هـ، وبذلك يكون جده محمد بن صالح قد عاش قبل القرن الثالث عشر الهجري، مما يدل على أن خروجهم من الشماسية وانتقالهم إلى الزلفي كان في أواخر القرن الثاني عشر الهجري.
وتذكر بعض الروايات أن الانتقال وقع في زمن صالح بن حمود بن غزي، إلا أن ما تشير إليه الوثائق يبدو أقرب إلى وقوعه في زمن ابنه محمد بن صالح.
3. انتقال الشمسان:
وهم ذرية شمسان بن عثمان بن غزي، وتشير الروايات الشفهية المتناقلة إلى أن خروجهم كان في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، في حدود سنة 1200هـ تقريبًا.
ومن أقدم ما وُقف عليه من وثائقهم رسالة تتعلق بملك جدهم عثمان بن غزي في الشماسية، وهي وثيقة غير مؤرخة، إلا أن كاتبها محمد العبدالله بن شبل عُرف له عدد من الوثائق المؤرخة في سنتي 1258هـ و1268هـ، مما يُقوّي احتمال كون هذه الرسالة من وثائق القرن الثالث عشر الهجري القريبة العهد بزمن الانتقال.
ثالثًا: التوزع الجيني ومسارات الاستيطان التاريخية
يجدر التنبيه إلى أن القراءة الجينية لا تُستخدم منفردة في دراسة التاريخ والأنساب، بل تُقرأ ضمن سياق تاريخي ووثائقي وموروثي متكامل، بحيث تُقارن نتائجها بالوثائق والمصادر والروايات المتداولة، دون الاكتفاء بها بوصفها دليلًا مستقلًا أو حاسمًا في جميع المسائل التاريخية.
أ. التوزع الجيني:
ويُعد من أبرز ما يلفت النظر توافق التوزع الجيني الحالي مع الروايات المتناقلة حول مسارات الاستيطان القديمة؛ إذ ظهرت التكتلات الوراثية الكبرى متقاربة مع مواضع الاستقرار التاريخية المنقولة في الموروث المحلي. فقد ظهر لأهل البير تكتل جيني خاص، كما تكتلت أسرة العمران من آل عامر في عودة سدير ضمن مسار أبوي متمايز، وكذلك ظهر لأهل جلاجل تكتل يجمع عددًا من فروعهم، كما برز لأهل النبقية فرع وراثي مستقل، إضافة إلى تكتل خامس يرتبط بأسر المنيع.
وتلتقي هذه التكتلات جميعها في تحور جيني أعلى جامع بينها، بما يوحي بوجود أصل أبوي مشترك قديم لهذه الفروع.
ويُفسَّر هذا التقارب بين التكتلات الجينية ومسارات الاستيطان التاريخية بطبيعة المجتمعات النجدية القديمة، التي كانت تقوم في الغالب على استقرار الأسر المتقاربة نسبًا في نطاقات جغرافية متجاورة، مع استمرار التواصل والمصاهرة والانتقال داخل الفروع ذات الامتداد العائلي الواحد، مما يؤدي عبر الزمن إلى ظهور تكتلات وراثية يغلب ارتباطها ببعض المواطن التاريخية.
ومع ذلك، فإن هذا لا يمنع من وقوع انتقالات لاحقة، أو دخول فروع أخرى، أو حدوث تحالفات ومصاهرات بين الأسر عبر المراحل التاريخية المختلفة، وهو ما يستوجب التعامل مع النتائج الجينية في إطارها العلمي والتاريخي دون تحميلها ما لا تحتمله من القطع أو الجزم.
خاتمة:
- إمتاع السامر بتكملة متعة الناظر/ شعيب بن عبدالحميد بن سالم الدوسري؛ تحقيق عبدالرحمن الرويشد وعبدالله الحميد. دارة الملك عبدالعزيز، 1419هـ .
- هــاري سانت جــون فيلبي. الذكرى العربية للمملكة العربية السعودية. مكتبة العبيكان، الرياض، 1424هـ.
- أحمد بن حسن بن عبد الله النعمي. عسير في مذكرات سليمان الكمالي.
- روايات منقولة عن بعض كبار السن في هذه البلدات.
- وثائق الأسر البدارنية.