تمهيد:
تعد منارة جامع عودة سدير من أبرز الشواهد العمرانية التاريخية في البلدة، وأحد المعالم التي ارتبطت بالجامع القديم ووظائفه الدينية والاجتماعية. وقد حظيت المنارات في العمارة النجدية بأهمية خاصة، إذ لم تقتصر وظيفتها على رفع الأذان، بل مثلت كذلك عنصرًا معماريًا بارزًا يعكس مهارة البنّائين المحليين وتطور أساليب البناء التقليدي. وتكتسب منارة جامع عودة سدير أهمية إضافية لكونها من أشهر معالم البلدة التاريخية التي حفظت المصادر أوصافها وتاريخ بنائها.
الوصف المعماري للمنارة:
تقع منارة جامع عودة سدير إلى الجهة الشرقية الجنوبية من الجامع، وتعد من أبرز المعالم العمرانية التاريخية في البلدة. وتتخذ المنارة شكلًا مخروطيًا مستدقًا، وتتخلل بدنها فتحات مثلثة صغيرة خُصصت للتهوية والإضاءة، وفق الطراز المعماري النجدي السائد في تلك الفترة.
شُيدت المنارة على قاعدة دائرية من الحجر يبلغ قطرها عند الأساس نحو خمسة أمتار، ويتناقص تدريجيًا حتى يصل إلى نحو متر واحد عند أعلاها، بينما يبلغ ارتفاعها قرابة 23.5 مترًا. وتتكون من ثمانية مستويات متدرجة، ولها باب يفتح من جهة الجامع يؤدي إلى درج حلزوني داخلي يلتف حول محور المنارة بعكس اتجاه عقارب الساعة، وينتهي إلى شرفة علوية كان يقف عليها المؤذن لرفع الأذان.
ويعود بناء المنارة إلى أواخر القرن الثالث عشر الهجري، وقد ظلت لعقود طويلة من أبرز معالم عودة سدير العمرانية. كما تعد منارة جامع عودة سدير من أبرز المنارات الطينية التاريخية التي عُرفت في إقليم سدير، وتمثل نموذجًا مميزًا للمنارات النجدية المخروطية التي شُيدت في تلك الحقبة.
باني المنارة:
شيد هذه المنارة الأستاذ إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن حمد بن إبراهيم بن علي بن محمد بن حمد بن سلامة بن عمران العوسجي البدراني الدوسري (1251هـ – 1332هـ تقريبًا)، من أهل الصفرات بإقليم المحمل.
ويجدر التنبيه إلى أن لفظ “الاستاد” – بالدال لا بالذال – هو المصطلح الذي كان شائعًا في نجد للدلالة على معلم البناء ورئيس العمال، وهو من المرجح تحريف محلي لكلمة “أستاذ”.
وكان إبراهيم العوسجي من أشهر معلمي البناء الطيني في المنطقة، وعُرف بخبرته في تشييد منارات المساجد، حيث شارك في بناء عدد من المنارات في حريملاء وغيرها من بلدات نجد، كما عُرف بالشعر إلى جانب اشتغاله بالبناء.
وقد عاونه في بناء المنارة الأستاذ حسين بن محمد بن حسين التمامي وأبناؤه، وهم من العبادل من تميم، من أهل عودة سدير.
وتعكس هذه المنارة جانبًا من الخبرة العمرانية التي اشتهرت بها عودة سدير، إذ برز فيها خلال القرن الرابع عشر الهجري عدد من أساتذة البناء المهرة، ومن أبرزهم الأستاذ عبدالله بن عبدالرحمن بن حمد أبو وحيمد، الذي أعاد تشييد جامع الجنيفي القديم باللبن والحجارة، كما قام ببناء جامع الخطامة في أواخر القرن الرابع عشر الهجري، مما يعكس ما بلغته البلدة من خبرة في فنون العمارة التقليدية النجدية.
الوضع الحالي:
استمرت المنارة التاريخية قائمة حتى هدم الجامع القديم سنة 1395هـ، وذلك مع انتشار البناء الحديث بالخرسانة المسلحة في المنطقة. وعند إعادة بناء الجامع بالطوب الأسمنتي والخرسانة المسلحة على نفقة عبدالرحمن بن عبدالله بن حمد الحاتم، أزيلت المنارة القديمة وشُيدت مكانها مئذنة حديثة.
وفي سنة 1430هـ شهد الجامع مشروع ترميم وإعادة تأهيل شمل إعادة إبراز طابعه المعماري التقليدي، حيث أُعيد بناء المنارة على هيئتها التاريخية الأولى باستخدام الطوب الأسمنتي والخرسانة المسلحة، ثم غُطيت بالطين لتحاكي شكل المنارة القديمة وتحافظ على حضورها العمراني في البلدة. وقد تم تنفيذ هذا المشروع على نفقة محمد بن عبدالله السعيد.
وعليه فإن المنارة القائمة اليوم ليست البناء التاريخي الأصلي، وإنما إعادة إنشاء حديثة استُلهمت من شكل المنارة القديمة وأبعادها المعروفة، بهدف المحافظة على الهوية العمرانية والتراثية لجامع عودة سدير.
المصدر:
العمران، حمد بن إبراهيم بن عبدالله. “أوقاف جامع عودة سدير: وثيقة حصر وإثبات”، مجلة وقف، العدد السادس، 2022م، ص 71-139.