أخبار العثيمين
تاريخ المملكة العربية السعودية
المؤلف: عبد الله بن صالح العثيمين
«تاريخ المملكة العربية السعودية»، تأليف عبد الله بن صالح العثيمين. مصدر تاريخي يضم أخبارًا وحوادث مرتبطة بنجد وأعلامها؛ تُعرض أخباره المستخرجة بحسب السنوات أو الفترات التي نُسبت إليها.
تُرتب الأخبار المتاحة من هذا المصدر بحسب تأريخها، ويمكن الرجوع من كل خبر إلى موضع توثيقه ومقارنة الروايات المتاحة.
تصفية الأخبار والبحث فيها
603 نتائج
في: العثيمين إزالة التصفية
القرون
المؤرخون
1319هـ 1901–1902م تقريبًا
وفي اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان، سنة 1319هـ، انطلق عبدالعزيز بن عبدالرحمن بمن معه من يبرين صوب الرياض . ولما تجاوز منتصف الطريق بين المكانين أخبر رفاقه بهدفه . وواصلوا السير الحثيث؛ يكنون نهاراً، ويدلجون ليلاً. ولم تــرخ ليـلـة الخامس من شوال سدولها إلا وهم في ضواحي الرياض. ووضع عبدالعزيز خطة محكمة لدخولها، والاستيلاء عليها . فقسم رجاله إلى ثلاث مجموعات : واحدة ترابط عند الإبل حتى الصباح. فإن حل الصباح ولم يأتها منه خبر فعلى أفرادها أن ينجوا بأنفسهم . والثانية - بقيادة أخيه محمد - تكمن في إحدى مزارع البلدة حتى تأتيها أوامره . أما الثالثة فتدخل البلدة بقيادته ولم يجد عبدالعزيز ومن معه صعوبة في الدخول إلى الرياض. ذلك أن أسوارها كانت مهدّمة، وأن عدد الداخلين إليها كان قليلاً لا يحدث ضجة ولا يثير انتباهاً ؛ إذ لم يتجاوز السبعة. واستطاع هؤلاء الطليعة أن يدخلوا بيتاً مجاوراً لبيت عامل ابن رشید عجلان بن محمد فاستدعى الملك عبدالعزيز أخاه محمداً ومن معه . فلما وصلوا إليه تسلّق هو ورفاقه الستة إلى بيت عجلان، لكنهم لم يجدوه فيه . فقد أخبرتهم زوجته أنه نائم في قصر المصمك عند رجال الحامية الرشيدية ؛ وذلك لعدم اطمئنانه إلى الأوضاع المحيطة به، وأنه يأتي من ذلك القصر إلى بيته بعد طلوع الشمس . ثم التحق بالملك عبدالعزيز أخوه محمد بن عبدالرحمن ورفاقه، وانتظر الجميع خروج عجلان من المصمك في الصباح. ولما خرج انقضّ عليه عبدالعزيز ورفـاقـه ، فحاول العودة إلى داخل القصر، لكنهم تمكنوا من مداهمة بوابة ذلك القصر والدخول إليه . وقتِل عجلان بيد عبدالله بن جلوي، كما قُتِل عدد من أتباعه. واضطر باقي رجال الحامية إلى الاستسلام. وما إن تم ذلك حتى نودي في البلدة أن الحكم الله ثم لعبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود . وهكذا خطا هذا القائد خطوته الأولى لاستعادة الحكم السعودي في البلاد، وتوحيد أجزائها المختلفة. وبدأت الدولة السعودية الثالثة يوم الخامس من شوال سنة 1319هـ، الخامس عشر من يناير عام 1902م. واندفع سكان الرياض يبايعون حاكمهم الجديد، الذي كانت بلدتهم عاصمة لدولة قادة أسرته من قبل. وكانوا - وهم يضعون أيديهم في يده مبايعين - يأملون أن تعود به إلى هذه البلدة مكانتها السياسية وتنتعش حياتهم الاقتصادية .
نحو سنة 1319هـ نحو 1901م
وكان الملك عبدالعزيز يدرك غاية الإدراك قوة الأمير عبدالعزيز بن رشيد. ولم تغرّه مشاعر فتوّته، أو تلهه نشوة انتصاره، عن أن يُعدَّ لكل خطر محتمل عدته . فما إن استتب له الأمر في الرياض حتى شرع في إعادة بناء أسوارها المهدمة . ولم تمر خمسة أسابيع إلا وهذه البلدة محصنة كل التحصين . وفي الوقت نفسه لم يجعل إخبار أبيه والشيخ مبارك بن صباح بما تمَّ له من نصر مجرَّد بشارة لهما ؛ بل قرن ذلك بطلبه نجدة بقيادة أخيه سعد . وقد وصلت إليه هذه النجدة بالسرعة التي أمل أن تصل بها .
ولقد علم ابن رشيد باستيلاء خصمه الجديد، عبدالعزيز آل سعود، على الرياض وهو في حفر الباطن. وإذا كان لم يغب عن ذهنه خطر هذا الشاب السعودي قبل استيلائه على تلك البلدة، بدليل طلبه من العثمانيين مضايقة أنصاره، فإن هذا الاستيلاء أكد له ذلك الخطر. على أن المصادر تختلف في إشارتها إلى ردّ فعله . فمنها ما ذكر أنه جمع كبار قومه، واستشارهم في الإجراءات التي ينبغي اتخاذها، وأن بعض هؤلاء قد ملُّوا غيابهم الطويل نسبياً عن أولادهم وأوطانهم وشؤونهم الخاصة، وخافوا أن يتوجه بهم صوب الرياض، فيزيد غيابهم طولاً. ولذلك أشاروا عليه أن يعود إلى حائل ليبدأ بتجهيز جيش قادر على الحصار والمطاولة إن اقتضى الأمر. فاستحسن هذا الرأي، وعاد إلى قاعدة حكمه. ومكث هناك عدة شهور قبل أن يخرج لمنازلة عبدالعزيز بن عبدالرحمن . ومن تلك المصادر ما أشار إلى أنه أظهر عدم مبالاة في الأمر، وظلّ في الحفر أربعة شهور يتصرف تصرف من يرى أن قضية الكويت أصل، وقضية الرياض فرع، وأنه لا بد من التعامل مع الأصل أولاً لا مع الفرع . ثم مضى بعد ذلك إلى حائل.
من 1319 إلى 1320هـ 1901–1903م تقريبًا
واعتقد الملك عبدالعزيز - وهو مصيب في هذا الاعتقاد - أنه إذا تمكن من كسب ولاء سكان الجهات الجنوبية من نجد استطاع أن يتحرك إلى الجهات الشمالية والغربية وظهره أكثر أماناً. ولقد وجد من سكان جنوبي نجد، بصفة عامة، ما توقعه من استجابة له وتعاون معه . ودخلت تحت حكمه الخرج والأفلاج والحريق وحوطة بني تميم، وأصبح نفوذه يمتد من الرياض إلى وادي الدواسر .
بعد النجاح الذي حققه الملك عبدالعزيز في جنوبي نجد، مع نهاية عام 1319 هـ وبداية العام الذي تلاه، بدأ التحرك باتجاه غرب الرياض ؛ خاصة صوب عالية نجد . لكن ذلك التحرُّك كان موجهاً ضد فئات من البادية لا ضد البلدان والقرى . وكان النصر حليفه وحليف من بعثه نائباً عنه .
وكان مما قام به في تلك الشهور أن بعث أخاه محمداً إلى الكويت ليصحب والدهما عبدالرحمن من هناك إلى الرياض . وبعودة ذلك الوالد إلى هذه البلدة اجتمع شمل الأسرة في مقر الحكم السعودي .
من 1319 إلى 1322هـ 1901–1905م تقريبًا
أما هو فقد اتصل بها بعد دخوله الرياض، وطلب تأييدها له. لكنها لم تتخذ أية خطوة في هذا المجال. وبعد معركة البكيرية طلب منها الحماية لمساعدة العثمانيين لابن رشيد. لكنها لم تستجب لطلبه وإن حذرت العثمانيين من التدخل عسكرياً في نجد.
1320هـ 1902–1903م تقريبًا
أما الأمير عبدالعزيز بن رشيد فقد خرج من حائل في شهر ربيع الأول، سنة 1320 هـ ، ومعه قواته من حاضرة جبل شمر وباديته . واستنفر أتباعه في القصيم والوشم وسدير والمحمل والشعيب. فوصل بالجميع إلى رغبة، إحدى بلدان المحمل. وبقي هناك شهرين، ثم انتقل إلى الحسي . وقد نزل بجيشه خلال ذلك وباء توفيت بسببه أعداد غير قليلة . وكان قد حلَّ ببعض البلدان النجدية وباء في ذلك العام . وفي أثناء إقامة ابن رشيد تلك وجـه بـادية قحطان للنزول قرب بلدة ضرما ، وأرسل إلى هناك، أيضاً، سالم بن سبهان ومعه غزو أهل القصيم . وأمر سعداً الحازمي أن يستنهض القبائل المجاورة للأحساء. لكن الحازمي فشل في مسعاه لأن الملك عبدالعزيز كان قد بعث أخاه محمداً وعبدالله بن جلوي إلى تلك القبائل فتمكنا من استقطابها . ومن الواضح أن من بين أهداف هذه الإجراءات الرشيدية محاولة تطويق الرياض من شمالها الغربي وجنوبها الشرقي . على أن ابن رشيد لم يتحرّك من الحسي لمهاجمة هذه البلدة؛ بل انتقل إلى الحفر. ولعله أراد بهذا الانتقال التمويه ليقوم بعد ذلك بهجوم أشد مفاجأة .
ولقد خطط الملك عبدالعزيز لاستدراج خصمه ابن رشيد إلى مواجهة عسكرية مباشرة على ساحة تناسبه . فخرج من الرياض بعد أن ترك فيها جيشاً قادراً على الدفاع عنها بقيادة أبيه . وتوجه إلى حوطة بني تميم يستنهض أهلها، وبعث أخاه سعداً إلى الحريق يستنجد بسكانها. وجعل عبدالله بن جلوي يرابط بقوات بين هاتين البلدتين . وكانت له سريّة في الدلم بقيادة السديري . ولما علم ابن رشيد بخروج الملك عبدالعزيز من الرياض سار بقواته مسرعاً حتى وصل إلى ضواحيها ظانا ـ كما تقول بعض الروايات ـ أن خلافاً وقع بين الملك وأبيه مما سيسهل عليه الاستيلاء على هذه البلدة. لكنه أدرك عند اقترابه منها أن ظنّه لم يكن صحيحاً. فتوجه إلى إقليم الخرج بقواته التي تقرب من أربعة آلاف مقاتل لمنازلة الملك عبدالعزيز والقضاء على قوته. ووصل إلى بلدة نعجان، ثم أخذ يغير على الدلم محاولاً الاستيلاء عليها. وفي أثناء ذلك وصل الملك عبدالعزيز بقواته القريبة من الألفين إلى هذه البلدة، ودخلها دون أن يعلم به خصمه . ولما أغارت قوات هذا الخصم - كعادتها - عليها فوجئت بمقاومة أدركت أنها تؤكد وصول عبدالعزيز إليها. وتمكن المدافعون من الصمود، وإنزال بعض الخسائر بالمهاجمين، فاضطر ابن رشيد إلى الانسحاب من الدلم إلى مركزه في نَعْجان . ثم سار الملك عبدالعزيز بقواته في أثره ، ووقعت بينهما اشتباكات غير حاسمة، لكنها أظهرت لابن رشيد أن خصمه قادر على مجابهته وإنزال الضرر به . فانسحب من الإقليم ليلاً بعد أن ترك نيران معسكره موقدة للتمويه في تغطية الانسحاب . وهكذا كانت المواجهة الأولى، في الدلم وما حولها، بين ابن سعود وابن رشيد نصراً للأول ؛ قلت خسائر الثاني أو كثرت . وقد حدثت في ربيع الأول عام 1320 هـ / يونيو 1902م.
نحو سنة 1320هـ نحو 1902م
بعد انسحاب ابن رشيد من إقليم الخرج وصل إلى أطراف بريدة. ثم توجه إلى شمال شرقي الجزيرة العربية، حيث هاجم فئات من قبائل مختلفة قبل أن يتخذ من حفر الباطن مركزاً له مرة أخرى . وأحس مبارك بن صباح بالحاجة إلى من يساعده في الدفاع عن إمارته، فاستنجد بالملك عبدالعزيز، الذي هبّ لنجدته ومعه آلاف من المحاربين. ولما وصل إلى الكويت وجد حاكمها قد أعد جيشاً كبيراً بقيادة ابنه جابر. وانطلق الجميع صوب حفر الباطن لمهاجمة خصمهم الأكبر. لكن الأخبار وافتهم بأنه ارتحل من هناك إلى حائل . فغيّروا خطتهم، وهاجموا فئات من قبيلة مطير في جوِّ لَبَن، وغنموا منها إبلاً وغنماً كثيرة، ثم عادوا إلى الكويت . على أنه اتضح أن ابن رشيد لم يذهب إلى عاصمة حكمه ؛ بل توجّه إلى الرياض. ومن الواضح أنه فعل ذلك منتهزاً فرصة ذهاب الملك عبدالعزيز مع أتباعه الكثيرين إلى الكويت، ومؤملاً أنه سيفاجئ الرياض ويستولي عليها. لكن قادة هذه البلدة علموا باقترابه منها ، فاستعدوا للدفاع عنها . وانتهت غارته عليها بتقطيعه بعض النخيل الواقعة خارج أسوارها .
من 1320 إلى 1321هـ 1902–1904م تقريبًا
وكانت انتصارات الملك عبدالعزيز في الرياض وما يليها جنوباً من الأمور التي شجّعت المؤيدين للحكم السعودي في البلدان الواقعة شمالها على التحرك ضد الحكم الرشيدي، كما كانت مما هيأ الملك لبدء العمل في توحيد هذه البلدان الشمالية. وكان في طليعة المؤيدين المشار إليهم سابقاً أهل شقراء الذين زاد تصرُّف أمير ابن رشيد، عبدالله الصويغ، لديهم تصميمهم على التخلُّص منه . فثاروا عليه وأخرجوه من بلدتهم حيث وصل فيما بعد إلى ثرمداء . وبعثوا إلى الرياض يعلنون ولاءهم، ويطلبون سريّة تقف معهم ضد أي هجوم محتمل فتوجهت إليهم سرية بقيادة مساعد بن سويلم. ولما وصل إلى هناك قام بمهاجمة ثرمداء . وتمكّن من دخولها، وقتل الصويغ، والقبض على أميرها مشاري العنقري، الذي أرسل إلى الرياض حيث بقي سجيناً حتى وفاته . ويقال : إن دخول ابن سويلم إلى ثرمداء كان بممالأة من بعض أهلها . على أنه انسحب منها إلى شقراء حذراً من هجوم ابن رشيد عليه فيها .
ونتيجة لما حدث في الوشم قام الأمير عبدالعزيز بن رشيد بالإغارة على بعض الفئات القبلية هنا وهناك إظهاراً لقوته . ثم توجه إلى شقراء، وحاول استمالة أهلها ، لكنهم لم يستجيبوا لـــه، فحاول إخضاعهم بالقوة، فلم يتمكن من دخول بلدتهم. فما كان منه إلا أن عزّز دفاعات ثرمداء، وجعل فيها حامية بقيادة حمد بن عسكر. ثم تقهقر إلى بريدة . وما كان من الملك عبدالعزيز إلا أن خرج من الرياض، وتوجه إلى شقراء حيث بعث من هناك سرية إلى ثرمداء بقيادة عبدالله بن جلوي . وتمكّن عبدالله من دخول هذه البلدة، وبدأ يحاصر القصر الذي كانت فيه حامية ابن رشيد . لكن أفراد تلك الحامية فتحوا ثغرة في أحد جدران القصر، وهربوا . وكان مما قام به الملك عبدالعزيز وهو في شقراء أن بعث سرية، بقيادة أحمد السديري إلى روضة سدير لمهاجمة حامية ابن رشيد فيها ، فنجحت في إخراج تلك الحامية منها . ودخلت بقية بلدان سدير تحت الحكم السعودي سوى المجمعة، التي بقيت خارج هذا الحكم إلى ما بعد مقتل الأمير عبدالعزيز بن رشيد بقليل . ولما اطمأن الملك عبدالعزيز إلى استتباب الأمور له في الوشم وسدير، بصفة عامة رجع إلى الرياض في ربيع الأول عام 1321 هـ . وكان إقليما الشعيب والمحمل قد دخلا، أيضاً، في طاعته دون مقاومة تذكر.
1321هـ 1903–1904م تقريبًا
وكان من الوسائل التي رآها الملك عبدالعزيز مهمة في تحقيق هدفه هناك أن بعث إلى زعماء أسرتي آل مهنا وآل سُلَيْم في الكويت يحثهم على التوجه إليه ليعملوا جميعاً لتخليص القصيم من حكم ابن رشيد . ولم يكن شيء أحبَّ إلى نفوس هؤلاء الزعماء من أن يتحركوا للعودة إلى إمارة بلديهم . فتوجهوا مع من انضم إليهم من مؤيديهم مسرعين، ولحقوا بالملك عبدالعزيز الذي كان حينذاك في طريقه صوب ذلك الإقليم . وقد وصل الجميع إلى الزلفي في أول رمضان سنة 1321 هـ . وكانت تلك السنة سنة قحط، كما كانت إبل الجيش الذي مع الملك عبدالعزيز وخيله قليلة جداً بحيث كان هذا سبباً من أسباب عدم مواصلة سيره نحو القصيم، وعودته إلى الرياض . على أن ذلك الأمر - مع أهميته الكبيرة ــ لم يكن أهم مما ذكره أحد المؤرخين المحليين المعاصرين لتلك الأحداث؛ وهو أن الملك عبدالعزيز كتب إلى كبار أهل عنيزة من الزلفي يخبرهم أنه على وشك التوجه من هناك إليهم، فما مدى تعاونهم معه؟ فرد عليه أولئك ـ ربما خضوعاً للظروف المحيطة بهم ومن بينها وجود ابن رشيد على مقربة منهم ـ بأن في رقابنا بيعة لابن رشيد وها هو موجود في القصيم . فإن قضيت عليه فنحن معك . وعلى أية حال فإن الملك عبدالعزيز اقتنع بأن مواصلة السير نحو القصيم غير مناسبة حينذاك، فعاد إلى الرياض. وتوجه آل مهنا وآل سُلَيْم إلى شقراء .
نحو سنة 1321هـ نحو 1903م
أما الأمير عبدالعزيز بن رشيد فإنه بعد فقده أقاليم نجد الواقعة جنوب القصيم قد أقام في بريدة يرتب أمور هذا الإقليم ويعزّز دفاعاته ضد خطر أي هجوم محتمل. ومما يلفت النظر أنه حاول كسب رضا السكان المحليين بإظهار المودة لهم، ومشاورتهم في الإجراءات التي ينبغي اتخاذها . ولقد استقر رأيه في نهاية الأمر على أن يعزز السريّة التي في بريدة بقيادة عبدالرحمن بن ضبعان، وأن يبعث بسرية إلى عنيزة قوامها خمسون رجلاً بقيادة فهيد بن سبهان، ويرسل سرية مكونة من أربع مئة مقاتل بقيادة حسين بن جراد لترابط في إقليم السر الواقع على حدود القصيم الجنوبية، ويبعث سرية عددها يقرب من عدد التي قبلها بقيادة ماجد الحمود بن رشيد لترابط قرب عنيزة . ولما اطمأن نوعاً ما إلى ترتيباته في القصيم؛ إضافة إلى عودة خصمه الملك عبدالعزيز إلى الرياض توجه إلى حدود العراق في العاشر من شوال. وكان هدفه من التوجه إلى هناك أن يتزوّد هو وأتباعه بما يحتاجون إليه من طعام ويستنهض من في ذلك القطر من قبيلة شمر، ويستنجد العثمانيين لإمداده بالقوات والمؤن والأموال .
1321هـ 1903–1904م تقريبًا
وكان من نتائج مغادرة ابن رشيد للقصيم أن ازداد حماس الملك عبدالعزيز وأتباعه من آل مهنَّا وآل سليم كي يتوجهوا إلى ذلك الإقليم . فتوجه على رأس قواته إلى هناك. فلما تجاوز الوشم وافته الأخبار بنزول حسين بن جراد ومن معه فيضة السّر. فشنّ هجوماً مباغتاً عليهم وقتل ابن جراد نفسه كما قتل عدد ليس قليلاً من أفراد سريته ، وغُنم ما كان معهم من إبل وأموال. وذلك في الثامن والعشرين من ذي القعدة سنة 1321هـ . ومع أن هذا كان كسباً كبيراً للملك عبدالعزيز فإنه أدرك أن ذلك الحادث قد أصبح نذيراً لقوات ابن رشيد والمتعاونين معها في القصيم مما سيفقده عنصر المفاجأة، ويجعلهم على أهبة الاستعداد لصـده. ولذلك عاد إلى الرياض، وعاد آل مهنا وآل سُلَيْم إلى شقراء . وكان ماجد الحمود بن رشيد قد راوده الخوف بعد أن علم بما حصل الحسين بن جراد ومن معه . فانتقل إلى مكان قريب من سور عنيزة ؛ محاولة منه لتقليل خطر هجوم مباغت ضده من ناحية، ورغبة منه في دعم السرية الموجودة في تلك البلدة من ناحية أخرى .
من 1321 إلى 1322هـ 1903–1905م تقريبًا
وفي العشر الأواخر من ذي الحجة عام 1321هـ، خرج الملك عبدالعزيز من الرياض مستنهضاً أتباعه للغزو. وانضم إليه ـ وهو في الوشم ـ آل مهنا وآل سُلَيم ومؤيدوهم . وقد أظهر أنه يريد التوجه إلى أطراف الكويت ؛ وذلك للتمويه على خصومه . ثم غيّر اتجاهه مسرعاً نحو القصيم. وما إن حلّت ليلة الخامس من شهر المحرم، سنـة 1322هـ، حتى كان قد وصل بقواته إلى الحميدية التي تبعد عن عنيزة ثلاث ساعات بسير الإبل. ثم اقترب من هذه البلدة، فنزل خارج أسوارها الجنوبية . وأمر آل سُلَيْم وآل مهنا وبعض أتباعهما أن يدخلوا عنيزة ليستولوا عليها . فدخلوها دون صعوبة، وكمنوا لرئيس السرية الرشيدية فيها، فهيد بن سبهان فتمكنوا من قتله، وأخذوا يحاصرون قصر الإمارة الذي تحصَّنت فيه تلك السريّة . وفي صباح اليوم التالي أرسل إليهم الملك عبدالعزيز الأمير عبدالله بن جلوي مع مئة من الرجال . وكانت نتيجة ذلك الحصار أن هرب عدد ممن كانوا داخل القصر، واستسلم الباقون بأمان . وبذلك تمت السيطرة على مقاليد الأمور في عنيزة مع إطلالة اليوم الخامس من المحرّم . وكان أمير هذه البلدة من قبل ابن رشيد صالح اليحيى، قد خرج إلى ماجد الحمود بن رشيد يحثه على التحرك إلى داخل البلدة. لكن ماجداً اقتنع بأن عدم مقاومة أهلها، بصفة عامة، لمن دخلها من أتباع الملك عبدالعزيز دليل واضح على تضامنهم مع هذا الملك، وأنه لا فائدة من محاولة تغيير ما حدث. فأمر أتباعه بالرحيل . لكنهم ما إن بدأوا بالتحرك حتى فاجأهم الملك عبدالعزيز وأتباعه بالهجوم. وقتِل ممن كانوا مع ماجد حوالى خمسين رجلاً بينهم أخوه عبيد . وهرب الباقون ؛ بعضهم إلى بريدة، وبعضهم إلى حائل . وهكذا عادت إمارة عنيزة إلى آل سليم تحت حكم الملك عبدالعزيز، وأصبح أميرها عبدالعزيز بن عبدالله، وإلى جانبه صالح الزامل قائداً لغزوها .
نحو سنة 1322هـ نحو 1904م
ولقد شجّع ما حدث في عنيزة كبار أهل بريدة على إيضاح موقفهم المؤيد للملك عبدالعزيز. فبعد يومين من دخوله عنيزة قدم إليه وفد منهم يبدون وقوفهم معه. فسيَّر آل مهنا إليها، واستقبلهم أهلها بحماس . ثم توجه إليها هو بقواته فبايعه سكانها، وبدأ يحاصر عبدالرحمن بن ضبعان الذي تحصَّن مع رجال حاميته بقصرها المنيع . وقد دام ذلك الحصار حوالى شهرين ونصف الشهر. ولما نفد ما كان لدى المحاصرين من أطعمة، وأصبح شبح الموت جوعاً يهددهم، اضطر قائدهم إلى التفاوض مع الملك عبدالعزيز بشأن إنهاء الحصار. وتوصل معه إلى اتفاق يسلّم بموجبه القصر إلى الملك، ويخرج المحاصرون منه بأسلحتهم الشخصية آمنين على أرواحهم، وتؤمن لهم ركائب تنقلهم إلى بلادهم . وقد وفى الملك بما اتفق عليه مع ابن ضبعان على أحسن وجه. ومع أن ذلك الاتفاق يبدو، في بعض جوانبه، كسباً لقائد الحامية الرشيدية، التي كانت مهددة بالموت جوعاً، فإنه كان نجاحاً واضحاً للملك عبدالعزيز. ذلك أنه كان حريصاً على سرعة خروج تلك الحامية من بريدة لئلا يصل ابن رشيد إلى أطرافها وهي لا تزال داخلها فينشغل بملاقاته عنها. وهكذا عادت إمارة بريدة إلى آل مهنا تحت حكم الملك عبدالعزيز، وأصبح صالح الحسن المهنَّا أميراً لها. وبدخول عنيزة وبـريـدة تحت الحكم السعودي يمكن القول : بأن إقليم القصيم كله أصبح واقعيًّا تحت هذا الحكم.
وصل إلى الأمير عبدالعزيز بن رشيد خبر دخول عنيزة وبريدة تحت حكم الملك عبدالعزيز بتأييد من أهاليهما وهو لا يزال قرب السماوة في العراق للتزود بالأطعمة، واستنهاض شمَّر الموجودين في ذلك القطر، والاستنجاد بالدولة العثمانية. وقد أثار موقف أهل القصيم غضبه الشديد، فقام بحجز ما وجده من إبل العقيلات القصيميين في شمال الجزيرة العربية ، ثم حمل عليها قسماً كبيراً مما حصل عليه من أطعمة ومؤن وأسلحة من العراق إلى نجد . وكان مما اتَّبعه من أساليب للحصول على مساعدة العثمانيين أن دفع هدايا مغرية إلى موظفيهم الكبار؛ خاصة أولئك الذين كانوا في العراق والحجاز، وادعى أن الملك عبدالعزيز ومبارك بن صباح قد أبرما اتفاقاً مع بريطانيا يخوّلها السيطرة على جزيرة العرب .
سار الأمير عبدالعزيز بن رشيد من الحدود العراقية باتجاه القصيم ومعه القوة النظامية العثمانية، ومئات من حاضرة قومه، وفئات كبيرة من البادية أغلبها من قبيلة شمر . ولما دخل إلى ذلك الإقليم انضم إليه ماجد الحمود بن رشيد ومن خرج معه من حاضرة شمر. ووصل الجميع إلى بلدة قصيباء . وهناك قدم عليهم عبدالرحمن بن ضبعان ورجاله . وقد أسف ابن رشيد أسفاً شديداً لعدم وصوله إلى بريدة قبل خروج قائد حاميته منها . واستمر في زحفه نحو هذه البلدة حتى وصل في نهاية الأمر إلى السيحيَّة المجاورة للبكيرية .
1322هـ 1904–1905م تقريبًا
وكان الملك عبدالعزيز قد علم بحجم القوات التي أقبل بها الأمير عبدالعزيز بن رشيد إلى القصيم، وتابع تحركاته. فبعث إلى جميع أتباعه من الحاضرة والبادية يطلب منهم أن يوافــوه بزيادة محاربين حتى اجتمع لديه عدة آلاف . ثم خرج من بريدة، ونزل البصر ثم ارتحل إلى البكيرية حيث أصبح في مواجهة قوات خصمه ؛ وذلك في شهر ربيع الثاني سنة 1322 هـ / يوليو 1904م . وما كاد الملك عبدالعزيز يصل إلى قرب البكيرية حتى بدأ القتال بين الطرفين عند منتصف النهار. وقد ركّز ابن رشيد وأتباعه هجومهم على الجهة التي كان فيها الملك عبدالعزيز ومن معه من أهل العارض وأقاليم نجد الواقعة جنوب القصيم. ولم يحل وقت صلاة العصر إلا وقد أُنهك هؤلاء ؛ خاصة من نيران المدافع التي أصابت شظية منها يد الملك اليسرى، فبدأوا ينهزمون. واقتفى أثرهم قوم ابن رشيد. وكان أهل القصيم قد أحرزوا تقدُّماً ضد من كانوا أمامهم من جيش هذا الأخير، وهزموهم. ولم يعلموا أن الملك ومن كانوا في جهته قد انهزموا . وفي تعقبهم لمن انهزموا أمامهم وصلوا إلى أولئك الذين كانوا في ساقة المنهزمين من جيش الملك عبدالعزيز. ويبدو أن هؤلاء قد ظنُّوا أن الملك لم ينهزم حقيقة، وإنما عمل التفافاً حولهم، فانهزموا أيضاً أمام أهل القصيم . وظلّ هؤلاء في أثرهم حتى حلول الليل . وكانت خسائر الطرفين المتحاربين كبيرة. لكن المصادر تختلف في أعداد القتلى . وقد قُتِل في المعركة ماجد الحمود بن رشيد وكان أكثر القتلى من جيش الملك عبدالعزيز من سكان إقليم العارض خاصة وأقاليم نجد الواقعة جنوب القصيم عامة لتركيز هجوم ابن رشید بفرسانه و مدافعه عليهم . أما القتلى من جيش ابن رشيد فكان أكثرهم من القوات النظامية .