تمهيد:
عندما نناقش تاريخ بلدتنا عودة سدير، فإن هدفنا هو السعي إلى تحقيق تاريخ البلدة وتمحيصه وفق المنهج العلمي. ومن هنا، فإن من المهم أن تستند الآراء المطروحة، متى أمكن، إلى مصدر تاريخي موثوق أو وثيقة تؤيدها، مع بيان وجه الاستدلال وكيفية الوصول إلى النتيجة.
ولا يكفي في الدراسات التاريخية الاعتماد على التشابه اللفظي بين الأسماء لإثبات المسميات أو تحديد المواضع؛ إذ قد تتكرر الأسماء في أكثر من موقع. كما أن اقتطاع النصوص من سياقها قد يؤدي إلى فهم غير دقيق، لذلك لا بد من مراعاة السياق الكامل والاستناد إلى القرائن التاريخية والجغرافية.
المسميات التي قيل إنها أطلقت على عودة سدير:
وردت في بعض الكتب والمقالات والتغريدات إشارات إلى عدد من المسميات التي قيل إنها أُطلقت على بلدة عودة سدير، ومن أشهرها: “الفقي”، و”جماز”، و”النخلين”. غير أن هذه الأقوال لا تستند – فيما ظهر لنا – إلى نصوص تاريخية صريحة أو وثائق تثبتها، وإنما بني كثير منها على اجتهادات في تفسير بعض النصوص والإشارات التاريخية.
وفيما يأتي نستعرض هذه الأقوال، ونناقشها في ضوء ما تيسر من المصادر والوثائق والقرائن التاريخية.
هل كانت عودة سدير تُعرف باسم الفقي؟
الفقي هو اسم قديم لوادي سدير، وقد ذهب بعض الباحثين إلى ربطه ببلدة معينة. ومن ذلك ما ذكره الأستاذ عبدالعزيز الفايز البدراني الدوسري، من أهالي جلاجل، في مقال نشره في جريدة الجزيرة بعنوان: (قارة بني العنبر)، إذ ختم مقاله بقوله: “فالفقي هي قارة بني العنبر”.
غير أن هذا الرأي – وكذلك القول بأن الفقي هو عودة سدير – لا يستند، فيما وقفنا عليه، إلى نص تاريخي صريح أو وثيقة تثبت ذلك، وإنما هو اجتهاد في تفسير بعض الإشارات التاريخية. ومثل هذه المسائل لا يثبت فيها شيء إلا بدليل واضح.
ولو كان المجال مفتوحًا لمثل هذه الاستنتاجات المجردة، لأمكن القول – على سبيل المثال – إن الفقي هو حوطة سدير؛ إذ ورد في كتاب (معجم البلدان) لياقوت الحموي: “الحائط: من نواحي اليمامة، قال الحفصي: به كان سوق الفقيّ”. كما قال الهمداني في كتاب (صفة جزيرة العرب): “والفقي لآل حماد من تميم، والحائط لبني تميم”. ومع ذلك، فإن هذه النصوص وحدها لا تكفي للجزم بتحديد موضع الفقي، ما لم تؤيدها قرائن تاريخية أو جغرافية صريحة.
هل جماز اسم لعودة سدير أم موضع فيها؟
الذي يظهر من نص الهمداني أن “جماز” كانت سوقًا في قرية عظيمة، وليست اسمًا لتلك القرية؛ إذ قال: “ثم تقفز من العتك في بطن ذي أراط ثم تسند في عارض الفقي فأول قراه جماز”، ثم قال: “وكذلك جماز سوق في قرية عظيمة”. فإذا سلمنا بأن المقصود بهذه القرية عودة سدير، فإن ظاهر النص يدل على أن “جماز” كانت سوقًا أو موضعًا فيها، لا اسمًا عامًا للبلدة.
ولا يمنع ذلك من احتمال أن يكون اسم “جماز” قد أطلق على البلدة في مرحلة من المراحل، إذ قد يشتهر اسم الجزء فيطلق على الكل، إلا أن إثبات هذا الاحتمال يحتاج إلى دليل تاريخي صريح، ولا يكفي فيه مجرد إشارة تحتمل أكثر من وجه.
ومن أوجه تفسير كلام الهمداني أن القرية العظيمة كانت تضم عدة مواضع أو منازل، كما كانت روضة سدير مقسمة إلى أربع منازل، لكل بطن من بطون المزاريع من بني تميم منزلة خاصة، ولكل منزلة أمير.
فمن المحتمل أن تكون عودة سدير حينها قد عرفت تنظيمًا مشابهًا، فتكون “جماز” و”مسافر” و”غيلان” وغيرهم، أسماء لمواضع أو منازل داخل القرية، وكان “جماز” أولها بالنسبة لمسير الهمداني، ولذلك قال: “فأول قراه جماز”، ثم استدرك فقال: “وكذلك جماز سوق في قرية عظيمة”.
وعلى هذا الفهم يكون “جماز” اسمًا لأحد مواضع القرية، لا اسمها العام، ما لم يثبت خلاف ذلك بدليل تاريخي صريح.
النخلين: موضع لا اسم بلدة:
أما “النخلين”، فيظهر أن المقصود بهما نخل الفارس ونخل الخريف الواقعان في العليا من بلدة عودة سدير، وقد وردت هذه التسمية في وثيقة رد محمد بن ربيعة على أحمد بن منقور سنة 1116هـ.
كما وردت – إن صحت نسبة البيت إلى خريف الخريف وصحت قصته – في قوله:
تشطر (تنزح) عن النخلين لا عمر جالها
ترى الجار فيها قالات حشايمه
ويظهر أن المراد بـ”النخلين” هما نخل الفارس ونخل الخريف المتجاوران، ولا يدل ذلك على أن “النخلين” كان اسمًا لبلدة عودة سدير، وإنما هو اسم لهذين النخلين المعروفين.
الاسم الثابت في الوثائق التاريخية:
وعليه فإن الاسم الذي ثبت في الوثائق والمصادر التاريخية هو “عودة سدير”، وربما ورد في بعض الفترات باسم “العودة” فقط، وقد وردت بهذا الاسم في عدة وثائق ومصادر تاريخية على مدى مئات السنين، بل إن هناك وثائق ومصادر تاريخية تثبت أن اسم العودة كان موجودًا في بعض الفترات التي يذكر أنه أطلق عليها اسم آخر، لا يسع المجال لذكرها هنا، وسنفردها في دراسة علمية مستقلة. ونحن هنا لا ننفي أي مسمى آخر للعودة ولا نثبته، وإنما نؤكد أن ما ثبت تاريخيًا بشكل صريح ومتكرر هو اسم “عودة سدير”.
هل تغيرت أسماء بلدان سدير؟
ومما يجدر ذكره هنا أن كثيرًا من بلدات سدير لم تتغير أسماؤها عبر الزمن، ومن ثم فإن القول بتغير اسم عودة سدير يحتاج إلى دليل تاريخي صريح؛ لأن الأصل بقاء أسماء البلدان واستمرارها، لا تغيرها.
ومن المعلوم أن تغيير أسماء البلدان من الأمور غير الشائعة، خصوصًا في البلدان التي استمر عمرانها وسكن أهلها فيها جيلاً بعد جيل؛ إذ يبقى الاسم مرتبطًا بذاكرة السكان وموروثهم المحلي. وحتى إن خربت البلدة ثم أعيد إحياؤها يستمر اسمها القديم دون تغيير.
ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في كتاب “تاريخ حمد بن محمد بن لعبون الوائلي الحنبلي النجدي”، حيث قال في حديثه عن التويم: “وكانت بلد التويم قبل ذلك قد استوطنها أناس من عايذ بني سعيد، بادية وحاضرة، ثم إنهم جلوا عنها ودمرت، وعمرها مدلج وبنوه، وذلك سنة 700 تقريبًا”. ومع ذلك بقي اسم “التويم” كما هو، أو لحقه شيء من التحريف اليسير، رغم خراب البلدة ثم إعادة عمرانها على يد جماعة أخرى، مما يدل على أن بقاء أسماء البلدان هو الغالب في نجد، وأن تغييرها أمر ممكن، لكنه لا يثبت إلا بدليل تاريخي صريح.
ولا يفهم من هذا أن أسماء البلدان لم تتغير مطلقًا، وإنما المقصود أن ذلك ليس هو الأصل، بل هو استثناء يحتاج إلى دليل.
ومن الشواهد على استمرار كثير من أسماء المواضع ما ذكره الهمداني في كتاب “صفة جزيرة العرب”، إذ قال: “ثم تصعد في بطن الفقي فترد الحائط حائط بني غبر قرية عظيمة فيها سوق وكذلك جماز سوق في قرية عظيمة أيضاً، ثم تخرج منها إلى روضة الحازمي وبها النخيل وحصن منيع، ثم تمضي إلى قارة الحازمي وهي دون قارة العنبر…”، ثم قال: “وأنت في النخيل والزروع والآبار طول ذلك، ثم توم ثم أشّي ثم الخيس ثم تنقطع الفقي وتيامن كأنك تريد البصرة فترد منيخين ثم الحنبلي وهما ماءان فبمنيخين نخل قليل ولا نخل على الحنبلي”.
ويلاحظ من وصف الهمداني فإن كثيرًا من المواضع التي ذكرها لا تزال معروفة بأسمائها أو بما يقاربها إلى اليوم، مما يعزز أن الأصل في أسماء البلدان والمواضع هو الاستمرار، ما لم يقم دليل تاريخي واضح على خلاف ذلك.
سبب تسمية عودة سدير:
لا يوجد – فيما وقفنا عليه – دليل تاريخي صريح يبين سبب تسمية عودة سدير، وما ذكر في ذلك لا يعدو أن يكون فرضيات واجتهادات.
ومن الفرضيات المحتملة:
أن “العودة” في اللغة تعني الرجعة؛ فقد قال الجوهري: “وعاد إليه يعود عودة، وعودًا: رجع”. فلعله اسم أطلقه أهل البلدة عليها عندما عادوا إليها بعد أن غادروها زمنًا بسبب القحط أو الجفاف، إذ عرفت بلدان سدير بهجرة أهلها منها في بعض الفترات، ثم عودتهم إليها عند تحسن الأحوال.
كذلك أن “العودة” يراد بها الموضع القديم، ويستأنس لهذا بما ذكره الأستاذ محمد الفهد العيسى في حديثه عن عودة الدرعية، حيث قال: “(العودة): وتعرف بعودة الدرعية، وهي بلدة الدرعية القديمة، وغالبًا ما يطلق أهل نجد هذا الاسم على البلدة القديمة، مثل (عودة سدير) و(العود) إحدى محلات الرياض القديمة”. وقد يفهم من ذلك أن إطلاق اسم “العودة” قد يرتبط أحيانًا بقدم الموضع أو تمييزه عن موضع أحدث.
وكذلك بما أورده الأستاذ خالد بن برغش البرغش الوهبي التميمي في مقاله “المساجد القديمة في بلدة التويم: أئمتها ومؤذنوها 1200هـ إلى 1422هـ”، من وثيقة جاء فيها: “من عبدالعزيز بن عيبان إلى الأخ المكرم إبراهيم بن محمد العتيقي… من طرف مسجد عود التويم خلت حلته من السكن وصار من خارج الحلة حلة أخرى وهي القديمة…”. فمن المحتمل أن يكون أهل عودة سدير قد انتقلوا في فترة من الفترات إلى موضع آخر، ثم عادوا إلى موضعهم الأول، فسميت بالعودة.
ومع ذلك، فإن جميع هذه التفسيرات لا تتجاوز كونها فرضيات، ولا يصح الجزم بشيء منها في غياب نص تاريخي صريح أو وثيقة تثبت سبب التسمية، ولذلك تطرح على سبيل البحث والاحتمال، لا على أنها حقائق تاريخية ثابتة.
النتائج: