تمهيد:
حظيت عقود البيع في المجتمع النجدي بعناية كبيرة، إذ لم تقتصر على إثبات انتقال الملكية بين البائع والمشتري، بل تضمنت بيان أوصاف المبيع وحدوده، وتحديد أطراف العقد، وإثبات أهلية البائع للتصرف، وذكر مقدار الثمن، وتوثيق الشهود، وبيان ما قد يترتب على البائع من ضمان أو كفالة للمشتري عند وجود شركاء أو ورثة أو أصحاب حقوق. وقد أسهم هذا النوع من الوثائق في حفظ الحقوق، والحد من المنازعات، وأصبح اليوم مصدرًا مهمًا لدراسة تاريخ الملكيات، والأسر، والمواضع، والمصطلحات الشرعية والإدارية في نجد.
نص الوثيقة:
لموجب لذلك با ان الحر المكلف الرشيد علي ابن عبدالله ابن عمران بصحة من عقله وبدنه قد باع نصيبه ونصيب اخواته بنات عبدالله ابن عمران وهن هيا ومضاوي وشما في الارض لمسمات أم جنيب يحد الارض من شرق لجاده ومن شمال الوضيمة ومن جنوب منحات شعيبة بثمن معلوم اقر علي ببلوغه على محمد بن عباد وعلي كافل لمحمد ما جاه من جهة أخواته شهد على ذالك حسين ابن شويش وموسى ابن عثمان ابن موسى وشهد به وكتبه عبدالله ابن حماد وصلى الله على محمد واله وسلم سنة 1273.
وصف الوثيقة:
الوثيقة عبارة عن ورقة متوسطة الحجم، كُتبت بالحبر الأسود، وقد تعرضت بمرور الزمن لعدد من مظاهر التلف، من أبرزها اصفرار الورق، وظهور طيات رأسية وأفقية واضحة، إضافة إلى تهتك في أطرافها، وفقد جزء من أسفلها الأيسر. كما تظهر عليها آثار رطوبة وبقع بنية خفيفة، مع تآكل في بعض الحواف، في حين لا يزال معظم النص مقروءًا على الرغم من بهتان الحبر في بعض الكلمات. وقد كُتبت الوثيقة بخط نسخي بسيط، مع تقارب بين الأسطر، وهو ما يتفق مع أساليب كتابة الوثائق الشرعية في نجد خلال تلك الفترة.
موضوع الوثيقة:
تتضمن هذه الوثيقة عقد بيع شرعي مؤرخًا بسنة 1273هـ، باع بموجبه علي بن عبدالله بن عمران نصيبه ونصيب أخواته: هيا، ومضاوي، وشما بنات عبدالله بن عمران، في الأرض المسماة أم جنيب إلى محمد بن عباد، ولم يذكر مقدار الثمن في الوثيقة، وإنما اكتفى بعبارة “بثمن معلوم”.
وقد تضمنت بيان حدود الأرض، وإثبات أهلية البائع للتصرف، وكفالته للمشتري، وإثبات الشهود، واسم كاتب الوثيقة.
الأعلام الواردون في الوثيقة:
- علي بن عبدالله بن عمران: البائع، وهو علي بن عبدالله بن عمران بن محمد بن عامر، وله أخوان هما: محمد (المطوع) وعمر، وقد باع نصيبه ونصيب أخواته في الأرض محل العقد.
- هيا بنت عبدالله بن عمران: إحدى الشريكات في ملكية الأرض.
- مضاوي بنت عبدالله بن عمران: إحدى الشريكات في ملكية الأرض.
- شما بنت عبدالله بن عمران: إحدى الشريكات في ملكية الأرض، وورد اسمها في وثيقة أخرى سبق نشرنا مقال عنها في الموقع.
- محمد بن عباد: المشتري الذي آلت إليه الأرض بموجب هذا العقد، وهو من أسرة العباد في عودة سدير.
- حسين بن شويش: أحد شاهدي الوثيقة، وهو من أسرة الشويش في عودة سدير، ومن ذريته: سلطان، وعلي، وشويش، ومحمد، وقد توفي سلطان وعلي في البصرة بالعراق.
- موسى بن عثمان بن موسى: أحد شاهدي الوثيقة، والراجح أنه من أسرة الموسى في عودة سدير.
- عبدالله بن حماد: كاتب الوثيقة، وهو الشيخ عبدالله بن محمد بن ناصر بن حماد، إمام جامع عودة سدير، وأحد أبرز كُتّاب الوثائق الشرعية في البلدة، وقد تولى الإمامة بين سنتي 1254هـ و1277هـ.
الأماكن الواردة في الوثيقة:
- أم جنيب: اسم الأرض المباعة، وهي أرض زراعية تقع في الناحية الجنوبية من بلدة عودة سدير، وحددت هذه الوثيقة حدودها بدقة.
- الجادة: الحد الشرقي للأرض، وهو الطريق العام أو الطريق الرئيس الذي تسلكه الدواب والناس.
- الوضيمة: وردت في الوثيقة بوصفها الحد الشمالي للأرض، والوضيمة هي مجرى سيل ضيق من صنع الإنسان، يتحكم في توجيه مياه السيول إلى المزارع وسقيا النخيل، وتتفرع منه منافذ إلى المزارع، يكون لكل منها بوابة أو حاجز يُفتح لإدخال مياه السيل، ويُغلق بعد امتلاء المزرعة، ويُعد جزءًا من نظام الري التقليدي.
- منحات شعيبة: الحد الجنوبي للأرض، وهي منحاة تقع في شعيبة، والمنحاة هي الطريق أو الممر الذي تسير فيه الدواب عند السانية أثناء استخراج الماء من البئر، وشعيبة، وشعيبة من المواضع الزراعية القديمة في الناحية الجنوبية من بلدة عودة سدير، وسميت بهذا الاسم لأن مسيلها شعيب صغير ينحدر من الجبل الجنوبي للبلدة.
مصطلحات الوثيقة:
- الحر المكلف الرشيد: وصف شرعي يدل على اكتمال أهلية الشخص للتصرف، من حيث الحرية، والبلوغ، والعقل، والرشد.
- بثمن معلوم: أي بثمن متفق عليه بين البائع والمشتري، ومعلوم لديهما، وهي من الصيغ المتداولة في الوثائق الشرعية للدلالة على أن مقدار الثمن كان محددًا عند طرفي العقد، وإن لم يذكر في نص الوثيقة.
- اقر علي ببلوغه: أي أقر علي بن عبدالله بن عمران بوصول الثمن إليه واستيفائه من المشتري، وهي من صيغ الإقرار باستلام الثمن في الوثائق الشرعية.
- كافل: أي ضامن، ويقصد هنا أن البائع يضمن للمشتري أي مطالبة قد تنشأ من جهة أخواته فيما يتعلق بالبيع.
- شهد على ذلك: صيغة إثبات حضور الشهود للعقد وإقرارهم بما جرى.
- شهد به وكتبه: عبارة يختم بها الكاتب الوثيقة للدلالة على أنه حررها بعد ثبوت مضمونها.
التعليق على الوثيقة:
تثبت الوثيقة أن علي بن عبدالله بن عمران باع نصيبه ونصيب أخواته: هيا، ومضاوي، وشما بنات عبدالله بن عمران في الأرض المسماة أم جنيب، مما يدل على اشتراك الورثة في ملكية هذه الأرض، وأن البيع تم نيابة عن الجميع، مع تحمله الضمان للمشتري فيما قد ينشأ من مطالبة من قبل أخواته.
وتدل هذه الوثيقة على أن بيع نصيب النساء في هذه الواقعة تم بواسطة أخيهن علي بن عبدالله بن عمران، مع تحمله الضمان للمشتري فيما قد ينشأ من مطالبة من جهتهن.
كما حفظت الوثيقة اسم الأرض وحدودها، فذكرت أن حدها الشرقي الجادة، والشمالي الوضيمة، والجنوبي منحات شعيبة، وهو ما يمثل قيمة جغرافية مهمة في التعرف على المواضع الزراعية القديمة، وربطها بما يرد في الوثائق الأخرى.
تشير عبارة ” أقر علي ببلوغه على محمد بن عباد، وعلي كافل لمحمد ما جاه من جهة أخواته” إلى أن البائع أقر بوصول الثمن إليه واستيفائه من المشتري، كما تكفل للمشتري محمد بن عباد بأي مطالبة قد تنشأ من جهة أخواته، وهو من الأساليب الشرعية المتداولة في عقود البيع آنذاك لضمان استقرار الملكية.
وقد شهد على العقد حسين بن شويش وموسى بن عثمان بن موسى، بينما تولى كتابة الوثيقة عبدالله بن حماد، ثم ختمها بالدعاء المعتاد، وأرخها بسنة 1273هـ.
الفوائد التاريخية:
- توثق ملكية أسرة العمران للأرض المعروفة باسم أم جنيب في ذلك الزمن.
- تثبت أسماء بنات عبدالله بن عمران: هياء، ومضاوي، وشما.
- توثق إحدى صيغ البيع التي تتم نيابة عن الشركاء، مع تحمل البائع الكفالة والضمان للمشتري فيما قد ينشأ من مطالبات.
- تبين استمرار استعمال الكفالة والضمان في عقود البيع النجدية خلال القرن الثالث عشر الهجري.
- تعكس أساليب تحديد حدود الأراضي الزراعية في عودة سدير بالاعتماد على المعالم الطبيعية والزراعية، دون الحاجة إلى تحديد المساحات.
- تحفظ أسماء عدد من المواضع الزراعية القديمة، مثل: أم جنيب، والجادة، والوضيمة، ومنحات شعيبة.
- توثق أسماء الشهود وكاتب الوثيقة، مما يسهم في تتبع حركة التوثيق والكتابة في عودة سدير خلال القرن الثالث عشر الهجري.
مصدر الوثيقة:
تفضل الأستاذ علي العباد (أبو البراء) مشكورًا بتزويدنا بهذه الوثيقة، وهي من الوثائق المحفوظة لدى أسرته.