جماز وغيلان في عودة سدير: بين المكان والشخص والرواية الشعبية

تمهيد:

يتناقل بعض أهالي عودة سدير حكاية عن أخوين، جماز وغيلان، لكل منهما قصر على جانب من وادي سدير (الفقي)، وقعت بينهما خصومة انتهت بحرب، ويذكرون أن غيلان خلّف كنزًا في بئر قصره تحرسه الجن، كما يروون عن غيلان معرفته بالإبل والأنواء وكثرة أسفاره. كما تورد بعض الروايات المتداولة في سياق الحديث عنه المثل: “مات غيلان ما لحق للدنيا طرف”، من غير أن يتبين منشأ هذا المثل أو مدى اختصاصه بهذه الرواية.

والقصران قائمان إلى اليوم: أطلال جماز على بعد نحو كيلومترين ونصف من البلدة القديمة، وقصر غيلان على جبل معترض في الوادي قريب من موقع جماز.

والسؤال الذي يثيره الاسمان يتجاوز تحديد موقع أثرين: هل حفظت أسماء المواضع ذكرى رجلين عاشا هنا، أم أن أسماء الأماكن سبقت الحكاية، ثم ارتبطت بأشخاص في الرواية؟ أم أن الاسمين والرواية تطورا معًا؟

والجواب يقتضي التفريق بين ثلاثة أمور يخلط بينها كثير مما يُكتب: ثبوت اسم المكان، وثبوت وجود شخص يحمل الاسم، وثبوت نسبة المكان إلى ذلك الشخص. فكل واحد منها يحتاج إلى دليل مستقل، ولا يلزم أحدها من الآخر. وسنرى أن الاسمين مختلفان في نوع ما نملكه عنهما، وأن كل نوع من الأدلة يشير إلى جهة غير التي يشير إليها الآخر.

أولًا: جماز في نص الهمداني

من أقدم ما وقفنا عليه من ذكر جماز نص الحسن بن أحمد الهمداني في “صفة جزيرة العرب” في القرن الرابع الهجري، ضمن وصفه طريق وادي الفقي، وهو وادي سدير. وقد ذكرها في موضعين من فقرة واحدة، والفرق بينهما مهم:

“ثم تقفز من العتك في بطن ذي أراط، ثم تسند في عارض الفقي، فأول قراه جماز، وهي ربابية ملكانية عدوية من رهط ذي الرمة، ثم تمضي في بطن الفقي وهو واد كثير النخل والآبار، فتلتقي قارة بلعنبر”.

ثم يمضي في وصف قرى الوادي، فيقول في وصف حائط بني غبر: “قرية عظيمة فيها سوق، وكذلك جماز سوق في قرية عظيمة أيضًا”.

ويحتاج النص هنا إلى قراءة العبارتين معًا. فقوله أولًا: “فأول قراه جماز” يثبت أن جماز عُدّت من قرى وادي الفقي، ويصف أهلها بأنهم ربابيون ملكانيون عدويون من رهط ذي الرمة. ثم قال في وصف حائط بني غبر: “قرية عظيمة فيها سوق، وكذلك جماز سوق في قرية عظيمة أيضًا”. وتحتمل العبارة الأخيرة من حيث اللفظ أن يكون “جماز” اسمًا لسوق في قرية عظيمة لم يسمها، غير أن وصفه جماز قبل ذلك بأنها من قرى الفقي، والموازاة التي عقدها بلفظ “وكذلك” مع حائط بني غبر، يرجحان أن جماز نفسها كانت قرية، وأن فيها سوقًا أو عُرفت بسوقها. ومع ذلك لا يكفي النص وحده لتحديد موضع تلك القرية على وجه القطع، ولا لإثبات أن جماز كان اسمًا قديمًا لبلدة العودة الحالية. أما مطابقة جماز المذكورة عنده لموضع جماز الأثري المعروف اليوم في نطاق عودة سدير، فهي فرضية تقويها دلالة الاسم والتسلسل الجغرافي، وتحتاج إلى قرائن أثرية وجغرافية أخرى. (الهمداني، “صفة جزيرة العرب”، تحقيق محمد بن علي الأكوع الحوالي، ص255).

غير أن النص لا يقول إن رجلًا اسمه جماز أسّس القرية، ولا يذكر نسب هذا الرجل أو زمنه. ولا يعني قوله “من رهط ذي الرمة” أن الشاعر كان له شأن في القرية أو باني قصر فيها، بل يصف صلة أهل جماز بقبيلته. فاسم المكان ثابت في النص، وأما الشخص الذي ربما حمل الاسم أو انتقل الاسم عنه ففرضية لم تثبت.

ثانيًا: غيلان بين القصر والشاعر

على الجانب الآخر قصر غيلان، وهو أثر قائم على سطح جبل برز في الوادي يشرف على من يمر به. وصفه مسح وكالة الآثار والمتاحف سنة 1417هـ المنشور في حولية “أطلال”، ثم موسم التنقيب الأول الذي أعلنت نتائجه هيئة السياحة والتراث الوطني في خبر لوكالة الأنباء السعودية في صفر 1440هـ. وهو مبني بمداميك الحجارة تربط بينها مونة الطين، على خلاف حوامي البلدة القديمة المبنية بعروق الطين، وفي نطاقه بئر منحوتة في الصخر.

والاسم ربطه بعض أهل العودة بالشاعر غيلان بن عقبة العدوي، ذي الرمة، المتوفى نحو سنة 117هـ. وقد دُوّنت هذه النسبة الشفهية في نقاش عبدالقدوس أبو صالح، محقق ديوان ذي الرمة، سنة 1395هـ حين نقلها محمد الحمدان عن أهل العودة في “بئر ذي الرمة وشجرته”. ثم أثبتها عبدالله بن خميس في “معجم اليمامة”. ولا يكفي تاريخ تدوين النسبة لمعرفة زمن نشأتها في التداول الشفهي.

ويظهر الالتباس عند ابن خميس في أنه أورد وصف الجبل والقصر والبئر المنحوتة، وهي أوصاف تتصل بموضع غيلان، تحت مادة “جماز”. وتفيد هذه الملاحظة في تتبع انتقال الرواية المكتوبة؛ فالنسبة التي دوّنها الحمدان عن أهل العودة وناقشها الدكتور عبدالقدوس أبو صالح بوصفها رواية تحتاج إلى تحقيق، انتقلت في الكتابة اللاحقة إلى وصف بلداني جمع بين اسم جماز ووصف موضع غيلان. ولذلك ينبغي الفصل بين أصل الرواية الشفهية عن غيلان، وبين ما طرأ عليها أو على عرضها من التباس عند تدوين المواضع.

واعترض حمد الجاسر على النسبة في “مجلة العرب” سنة 1400هـ بحجج تستحق التلخيص، لأن كثيرًا ممن ينقل اعتراضه لا يذكر منها شيئًا. فالشاعر عند من درسوا حياته عاش بدويًا في الدهناء والصمان ومات بدويًا، ولا نص يدل على سكناه القرى. وشعره من أغنى الشعر بأسماء المواضع، ذكر فيه نحو مئة وأربعين موضعًا، ليس بينها هذا الموضع ولا وادي سدير كله، مع تكراره أسماء مرابع صباه. ويستبعد الجاسر بقاء بناء ثلاثة عشر قرنًا في بلاد أكثر بنائها بالطين، “ما لم يثبت ذلك من قبل عالم أثري خبير”. ويرى أن اسم غيلان شائع، وأن حصر النسبة في الشاعر قد يكون منبعثًا عن عاطفة. ويتساءل: الشاعر اشتهر بلقبه، فلماذا لم يُنسب القصر إلى ذي الرمة؟

وتحتاج حجج الجاسر إلى التفريق بين ما تنفيه وما لا تنفيه. فاشتهار الشاعر بلقب ذي الرمة لا يمنع أن تسميه الذاكرة الشعبية باسمه غيلان؛ وقد استشهد الجاسر نفسه بالمثل: “هفّ هفّة غيلان على صيدح”. غير أن ورود اسم غيلان في مثل لا يثبت نسبة القصر إليه. وأما قدم البناء، فقد كشف المنقبون كسرًا فخارية أُرّخ بعضها بالفترة الإسلامية المبكرة، لكنها تدل على نشاط في الموقع ولا تؤرخ إنشاء القصر بالضرورة؛ وأكثرها وُجد في ردم البئر مختلطًا بحجارة السور المنهارة. كما أن حياة الشاعر البدوية وغياب اسم الموضع من شعره قرينتان مهمتان، لكنهما لا تنفيان مروره بوادي سدير أو معرفته به. والخلاصة أن نسبة القصر إلى ذي الرمة لم يثبت لها حتى الآن شاهد نصي قديم أو دليل أثري يعيّن صاحب البناء.

ثالثًا: ما تقوله الآثار عن الموقعين

أهم ما في نتائج الموسم الأول أن المنقبين قارنوا قصر غيلان بالمواقع المسجلة في العودة، وهي جماز ومسافر والقرناء وقارة الزبير، فوجدوا تشابهًا في مواد البناء وتقسيمات المنشآت والملتقطات السطحية، واستنتجوا أن هذه المواقع “مرتبطة ببعض وفي فترة تاريخية متقاربة، وربما هي أحياء لمدينة في وادي سدير”. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية عند قراءتها مع انتشار بقايا الاستيطان القديمة في هذا النطاق؛ فما تزال في بعض المواقع المندثرة، ومنها مسافر، أساسات مبانٍ قديمة ظاهرة للعيان حتى اليوم. وهذا يفتح احتمال وجود تجمعات سكنية متقاربة أو عمران أوسع في بعض الحقب، من غير أن يعني ذلك أن جميع المواقع كانت متعاصرة أو أجزاء من قرية واحدة. وذكر المنقبون كذلك أن كثيرًا من حجارة قصر غيلان نُقل واستُعمل حواجز للسيول وفي أساسات بيوت البلدة القديمة وأسوارها.

وأما جماز فلم يُنقَّب حتى الآن فيما وقفنا عليه. ووصفه مسح 1417هـ بأنه بقايا أساسات لمبنى مربع من الحجارة المهذبة، في أركانه بقايا أبراج، وفي داخله بئر مطمورة ومنحدر لساقية، ورأى أن تسميته “قصرًا” فيها تجاوز بعد ما ناله من عبث. وقد توحي هذه السمات بمنشأة محصنة، لكنها لا تكفي وحدها لتعيين وظيفتها أو تاريخ بنائها.

وهذه قرائن تحتاج إلى قراءة حذرة. فالمقارنة قامت على ما شوهد من أساسات وملتقطات سطحية، والتشابه المعماري لا يساوي التطابق الزمني، فقد يستمر أسلوب بناء واحد قرونًا. وتقارب المواقع لا يثبت وحدة الأسرة فضلًا عن الأخوّة. ويمكن بحث ارتباط المواقع بمنظومة استيطان أوسع، دون الجزم بأنها كانت مدينة واحدة متعاصرة أو أن المبنيين أُنشئا في فترة واحدة.

وأما بئر الكنز، فقد حُفرت في ذلك الموسم إلى عمق ثمانية أمتار، فلم يظهر فيها إلا حجارة متساقطة من جدرانها وكسر فخار وحجارة من السور، ورجّح المنقبون أنها طُمرت عمدًا بعد هجر الموقع اتقاءً لسقوط المارة فيها. وهذا لا يجيز الجزم بما في الأجزاء التي لم تُفحص، لكنه يضع الكنز حيث ينبغي أن يوضع: في الموروث الشعبي، والمسح نفسه سجّله سنة 1417هـ بصيغة “ويُقال”.

رابعًا: ماذا يقول الاسمان في اللغة؟

“جمّاز” صيغة مبالغة من الجَمْز، وهو عدوٌ دون الحُضر وفوق العَنَق، يوصف به البعير السريع ومن يركبه. وقد يستعمل الاسم علمًا لشخص، لكن معناه اللغوي وحده لا يثبت أن موضع جماز سُمّي باسم رجل أو عشيرة.

وأما “غَيلان” فاسم علم مستعمل، ومادة “غيل” في المعاجم تتصل أيضًا بالماء والشجر: الغَيل الماء الجاري على وجه الأرض، والشجرة المتغيلة الملتفة الأفنان، وأم غيلان شجر السمر. وقد يُبحث احتمال صلة الاسم بوصف المكان، لكن الاشتراك في المادة اللغوية لا يثبت أصل تسمية القصر أو الوادي.

خامسًا: الاسمان خارج الموقعين

ذكر ياقوت الحموي نقلًا عن الحفصي “جزع بني حماز” واديًا باليمامة لبني تيم عدي. ورأى الجاسر أن “حماز” قد تكون تصحيف “جماز”، لا لتشابه الرسم وحده، بل لأن القوم من عدي وهم قوم ذي الرمة، وأهل جماز عند الهمداني عدوية من رهطه، ثم قال: “فالحفصي يعرف جمّازًا، وكان في عهده يُدعى الجزع، ويُنسب إلى بني جماز”. فإن صحت قراءة “بني جماز” بمقابلة النسخ، فقد تكشف عن استعمال الاسم في تسمية جماعة بشرية؛ لكنها لا تثبت أسبقية اسم الجماعة على اسم الموضع، ولا هوية جدّ بعينه أو زمنه أو صلته بالموقع الأثري الحالي. ولا يصح الآن التعامل مع “حماز” على أنه “جماز” يقينًا.

ويظهر اسم آل جماز أيضًا في تاريخ نجد المتأخر، وهم أسرة من بني العنبر بن عمرو بن تميم، من أهل القارة، لهم أخبار في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين؛ فقد قتلوا آل تميم في مسجد القارة سنة 1047هـ، واستولوا على جنوبية سدير سنة 1103هـ. ومنهم الشاعر السمين المتوفى سنة 1079هـ، الذي يقول: “من آل جماز معمّ مخوّل”.

وقد نبّه إبراهيم بن سعد الحقيل إلى خطأ نقل خبر آل جماز إلى عودة سدير؛ فالخبر سنة 1103هـ يتعلق بأسرة من أهل القارة استولت على جنوبية سدير، وهي بلدة مستقلة عن عودة سدير وتقع على مقربة منها. وهذا التمييز يوافق نص الهمداني الأقدم؛ إذ وصف جماز بأنها ربابية ملكانية عدوية من رهط ذي الرمة، ثم ذكر في السياق الجغرافي نفسه قارة بلعنبر. ومن ثم لا يصلح تشابه الاسم وحده لرد جماز المذكورة عند الهمداني أو الموقع الأثري المعروف اليوم إلى آل جماز العنبرية المتأخرين.

وكذلك فإن اقتراح عبدالعزيز الفيصل أن الاسم قد يكون من جماز بن العنبر يحتاج إلى شاهد يربط الشخص بالموضع. وغاية ما تفيده أخبار آل جماز المتأخرين أن الاسم كان مستعملًا بين تميم في سدير، أما خبر جنوبية سدير فلا يثبت صلة الأسرة بجماز في عودة سدير أو بتسميته. وتقدم وثيقة وقف عامر شاهدًا مستقلًا؛ وهي إحدى وثائق أسرة العمران المحفوظة بأصلها لديهم. ولم يؤرخ أصل الوثيقة، إلا أن كاتب هذه السطور رجّح في دراسة سابقة نُشرت في صحيفة “الجزيرة” سنة 1443هـ أن أصلها كتب في أواخر القرن الحادي عشر أو مطلع القرن الثاني عشر الهجري، بالمقارنة بين زمن محررها الشيخ محمد بن ربيعة العوسجي ووفاة عثمان بن سعدون بن عامر. وفيها وصف عامر بأنه “رئيس العودة” وذكر “بلد العودة”، وهي بذلك تثبت استعمال اسم العودة في الفترة المقاربة لأخبار آل جماز، من غير أن تقدم أي صلة بينهم وبين جماز الأثرية.

أما اسم غيلان فيتكرر في مواضع أخرى، أشهرها “صندوق غيلان” شمال أشيقر، وهو تكوين صخري فوقه رجم من صنع البشر، وصفه عبدالرحمن السنيدي في مقال بصحيفة الجزيرة سنة 1423هـ ورجّح نسبته إلى ذي الرمة. ويستند مقاله إلى أن الشاعر “مسكنه قرب العودة بسدير”، مع أن نسبة قصر العودة إليه نفسها محل خلاف؛ فلا تصلح النسبة المختلف فيها وحدها دليلًا مستقلًا على نسبة موضع ثانٍ إليه. ويذكر السنيدي قرابة الوهبة بالشاعر في سياق تفسير النسبة، وهي مسألة ينبغي تمييزها عن الشاهد التاريخي المباشر.

سادسًا: مقارنة الشواهد

وجه المقارنة جماز غيلان
أقدم شاهد نص الهمداني في القرن الرابع: عدّ جماز من قرى الفقي، ثم قال “جماز سوق في قرية عظيمة”؛ والسياق يرجح أنها القرية نفسها، مع بقاء احتمال القراءة الأخرى. الأثر القائم؛ ولا نص قديم يسمّي صاحب القصر.
ما يدل عليه الاسم لغةً صفة قد تستعمل اسمًا لشخص؛ لا تثبت أصل تسمية الموضع. اسم علم، وله مادة لغوية تتصل بالماء والشجر؛ ولا تثبت أصل التسمية.
الصلة بشخص “بنو جماز” قراءة محتملة إن صح تصحيف “حماز”؛ ولا تُعرف صلتهم بالموقع. ذو الرمة شخصية ثابتة، لكن نسبة القصر إليه محل خلاف.
الأخوّة والحرب لا شاهد. لا شاهد.
وثيقة وقف عامر تثبت استعمال اسم “العودة” في الفترة المقاربة لأخبار آل جماز، ولا تربط الأسرة بجماز الأثرية. —

 

سابعًا: أسئلة العلاقة بين الموقعين وأصل الاسمين

هل كان الموقعان من عمران واحد؟ تقترح المقارنة الأثرية بين غيلان وجماز ومسافر والقرناء وقارة الزبير ارتباط هذه المواقع بمنظومة استيطان في وادي سدير؛ وقد عبّر المنقبون عن ذلك بقولهم: “وربما هي أحياء لمدينة في وادي سدير”. وقد سبقت الإشارة إلى بقايا الاستيطان الظاهرة في مسافر وغيرها. ومن ثم يمكن بحث احتمال وجود تجمعات سكنية متقاربة أو عمران أوسع في بعض الحقب. وهذه الفرضية تقوم أساسًا على الشواهد الأثرية وتوزع المواقع، ولا تتوقف على تفسير عبارة الهمداني، كما لا تعني بالضرورة أن المواقع كانت جميعًا متعاصرة أو أجزاء من قرية واحدة.

هل يعود الاسمان إلى شخصين أو جماعتين؟ يظل هذا سؤالًا مفتوحًا. فقد يكون جماز اسم شخص أو جماعة انتقل إلى الموضع، ولا سيما إن ثبتت قراءة “بني جماز” عند الحفصي، وقد يكون غيلان اسم رجل آخر غير ذي الرمة ارتبط بالقصر، أو اسمًا للمكان سبق نسبة القصر إلى الشاعر. ولا تعيّن الشواهد الحالية صاحب أي من الموقعين.

هل اجتمعت في الحكاية مراحل زمنية مختلفة؟ هذا احتمال ممكن؛ فقد يكون أحد الموقعين أقدم من الآخر، أو أعيد بناء منشأة فوق أثر سابق، ثم جمعت الرواية بينهما في قصة واحدة. ولا يتيح التأريخ الأثري المتاح حتى الآن حسم هذا الاحتمال.

ثامنًا: كيف نشأت حكاية الأخوين؟

تقوم الرواية المحلية على اقتران أثرين متقاربين باسمَي جماز وغيلان، ثم تفسر العلاقة بينهما بالأخوّة والخصومة والحرب، وتضيف إلى غيلان الكنز والبئر المحروسة بالجن. ولا تتوافر في المادة المدونة حتى الآن صيغ شفوية متعددة مؤرخة تسمح بتتبع تطور الحكاية؛ لذلك ينبغي فصل عناصرها المروية عما تثبته النصوص والآثار. ومن الاحتمالات أن تكون القصة قد صاغت تفسيرًا شعبيًا لاقتران الأثرين وخرابهما، لكن هذا يظل احتمالًا يحتاج إلى جمع روايات أهل العودة ومقارنتها بحسب الرواة والأجيال.

كما أن الخراب لا يدل بذاته على حرب؛ فالهجر والسيول ونقل مواد البناء أسباب معروفة، وقد وثّق المنقبون نقل حجارة من قصر غيلان إلى بيوت البلدة. ومن هنا ستكون الخطوة الأهم في دراسة الرواية الشعبية توثيق صيغها الشفهية المختلفة: من رواها، وما سبب الخصومة فيها، ومن انتصر، وهل تسمي غيلان بذي الرمة صراحة أم أن هذه النسبة أضيفت إلى الحكاية في مرحلة لاحقة.

تاسعًا: تشابه الأسماء وإشكالية النسبة:

وتكشف قصة جماز وغيلان عن إشكالية أوسع تتكرر في قراءة التاريخ المحلي، وهي بناء الصلات على مجرد تشابه الأسماء. فوجود موضع يسمى “غيلان” لا يسوغ أن نبحث في كتب التاريخ عن شخصية تحمل هذا الاسم ثم ننسب الموضع إليها لمجرد اتفاق الاسمين، كما أن تكرر اسم أسرة في بلدات أو أزمنة مختلفة لا يثبت بالضرورة وجود صلة بينها. فالاسم قرينة تستحق البحث، لكنه ليس دليلًا بذاته على النسبة أو القرابة أو الاتصال التاريخي ما لم تؤيده شواهد أخرى مستقلة.

وتزداد المشكلة حين يبدأ الباحث بتفسير افترض صحته سلفًا، ثم يحاول تطويع النصوص والوثائق لتوافقه، أو حين تنتقل فرضية محتملة، بتكرارها في الكتابات اللاحقة، من دائرة الاحتمال إلى دائرة الحقيقة، ثم يُبنى عليها وكأنها أمر ثابت. والأولى في قراءة التاريخ أن يبقى كل تفسير في المرتبة التي تسمح بها شواهده؛ فالاحتمال يظل احتمالًا، والقرينة تظل قرينة، ولا تتحول أي منهما إلى حقيقة تاريخية إلا إذا قام عليها دليل مستقل يؤيدها.

خاتمة:

تكشف هذه القراءة أن الإشكال في قصة جماز وغيلان لم يكن في ندرة الشواهد بقدر ما كان في جمع شواهد مختلفة الطبيعة في رواية واحدة؛ فثبوت الاسم في مصدر قديم لا يثبت بالضرورة أن الموقع القائم اليوم هو الموضع نفسه، وثبوت الأثر لا يثبت اسم صاحبه، كما أن تشابه الأسماء لا يكفي لربط أشخاص أو أسر أو مواضع تفصل بينها الأزمنة والأمكنة.

والذي يمكن الاطمئنان إليه أن “جماز” اسم قديم في وادي الفقي، وأن موضع جماز وموضع غيلان في عودة سدير يمثلان جزءًا من مشهد أثري أوسع يستحق أن يُدرس مجتمعًا. أما نسبة قصر غيلان إلى الشاعر ذي الرمة، وربط جماز بآل جماز العنبرية، وقصة الأخوين والحرب والكنز، فتبقى روايات أو فرضيات لم يقم حتى الآن ما يكفي لإثباتها.

ولعل القيمة الأهم لهذه الرواية أنها حفظت أسماء مواضع وآثار بقيت حاضرة في ذاكرة أهل عودة سدير، ودفعت إلى السؤال عن تاريخها. ومن هنا فإن الطريق إلى فهم جماز وغيلان لا يكون بمحاولة إثبات الرواية الشعبية أو نفيها ابتداءً، بل بجمع رواياتها، ودراسة المواقع الأثرية المتقاربة، ومقارنة نتائج ذلك بالنصوص والوثائق؛ فهناك، في المسافة بين الذاكرة والمكان والوثيقة، قد تتضح صورة أقدم لعمران وادي سدير وتاريخه.

 

شارك هذا المقال مع المهتمين