تمهيد:
تمثل القصور والمزارع والآبار المحيطة بالبلدات النجدية جزءًا مهمًا من تاريخ الاستيطان والعمران، إذ شكّلت امتدادًا طبيعيًا للنطاق السكني داخل الأسوار القديمة، وعكست طبيعة الحياة الزراعية والدفاعية في نجد.
ومن هذه الامتدادات الزراعية التي بقيت شاهدة على تاريخ الاستقرار خارج أسوار البلدة القديمة بعودة سدير: قصر العيسي، الذي يمثل نموذجًا واضحًا للعمران الزراعي النجدي المرتبط بالمزارع والآبار وأنماط الاستقرار خارج النطاق السكني الداخلي للبلدة.
ويأتي هذا المقال في إطار توثيق المواضع العمرانية والزراعية المرتبطة بتاريخ عودة سدير.
نبذة عن أسرة العيسى:
تُعد أسرة العيسى من الأسر القديمة في عودة سدير، وهم من آل محمد من الوهبة من بني تميم، وقد ارتبط اسمهم بعدد من المواضع والمزارع في البلدة. ووسمهم: البرثن، ويكون على الفخذ الأيمن من الإبل.

قصر العيسي وموقعه:
يُعد قصر العيسي أحد المواقع التاريخية في عودة سدير، ويقع خارج الحامي (السور) الداخلي للبلدة، لكنه ضمن نطاق الحامي الخارجي. ويقع تحديدًا بين قصر غيلان الأثري – الذي يُعد من أبرز المواقع الأثرية في العودة – والبلدة القديمة، وعلى بعد نحو ٥٠٠ متر منها، داخل ما يُعرف بالحامي الرابع، الذي يُعد أحد الامتدادات الدفاعية والزراعية التي أحاطت بعودة سدير قديمًا، وضمن منظومة الأسوار التاريخية التي كانت تحيط بالبلدة وامتداداتها الزراعية.
ويتكون القصر من مجموعة مبانٍ تراثية تضم ما بين ٢٠ و٣٠ منزلًا متلاصقًا، بالإضافة إلى عدد من مزارع النخيل.

الأهمية المعمارية للقصر:
يمثل قصر العيسي نموذجًا للعمران الزراعي التقليدي في بلدان سدير، ويظهر في بنائه الطابع المعماري النجدي المعتمد على المواد المحلية؛ كالطين والحجر والأخشاب، مع تقارب المباني وتلاصقها بما ينسجم مع طبيعة العمارة التقليدية في المنطقة، كما يعكس القصر نمط الاستقرار الزراعي المرتبط بالمزارع والنخيل والآبار، ومن أبرزها قليب المليحة.
العمران والحياة في القصر:
ظل القصر مأهولًا بالسكان حتى نحو ستين عامًا مضت، قبل أن يبدأ الأهالي بالانتقال إلى البلدة الحديثة، وهجرة بعضهم لمدينة الرياض، ورغم خلوه من السكان بشكل دائم، إلا أنه لا يزال يحتفظ بجاذبيته التراثية، ولا تزال بعض مبانيه تُستخدم حتى الآن في الإجازات والمناسبات، وما زالت نخيله قائمة، مما يجعله شاهدًا على نمط الحياة الزراعية التقليدية في عودة سدير.
وكان القصر يمثل مجتمعًا زراعيًا صغيرًا يعتمد على النخيل والآبار وتربية الماشية، شأنه شأن كثير من الامتدادات الزراعية المحيطة ببلدات سدير قديمًا.
ويضم القصر بئرًا مميزة تُعرف باسم (قليب المليحة)، وهي ذات طوي تقليدي فريد، وتُعد من أبرز معالم العودة وأشهر آبار إقليم سدير.
قليب المليحة:
يقع قليب (بئر) المليحة أسفل البلدة في مزارع العيسي، أو ما يُعرف بـقصر العيسي، ويبعد عن البلدة بنحو 700 متر، كما يقع أسفل قصر غيلان، ذلك الموقع التاريخي والأثري المعروف، وكانت هذه الآبار تمثل عنصرًا حيويًا لاستمرار النشاط الزراعي واستقرار السكان في الامتدادات الزراعية خارج البلدة.
تصميم القليب وطرازه المعماري:
يأتي تصميم القليب على هيئة شبه مستطيل بزوايا شبه دائرية، وهو أحد أبرز العناصر التي تميز هذا القليب في طويِه. وتُحفر الآبار عادة حتى الوصول إلى طبقة الجبل الصلبة، وقد يصل عمق بعضها إلى نحو 30 مترًا تقريبًا، ولذلك فإن الطوي لا يتأثر غالبًا بارتفاع منسوب المياه وقت الأمطار؛ لكون بنائه قائمًا على صلب الجبل وليس بناءً منفصلًا عنه.
طريقة الطوي:
تُعد عملية طوي القلبان (الآبار) من أشق الأعمال العمرانية قديمًا؛ لما تتطلبه من حفر عميق، وقطع للأحجار، ودقة في الرصف.
وتُطوى القلبان قديمًا بإنزال الأحجار أو الحصى بالحبال والخشب، وذلك بعد أن يقوم الاستاد (معلم البناء) بقطع الأحجار من الجبال المحيطة، ثم تهذيبها وتشكيلها بالمطارق والمعاول على هيئة قطع مستطيلة، مع إبقاء الزوايا شبه دائرية كما هو الحال في قليب المليحة. وبعد جلب الأحجار تُنزَّل إلى القليب، عقب تسوية الأرضية بدقة على الطبقة الصلبة أسفل البئر، ثم تُوضع الأحجار في الجهات الأربع، وتُقفل الزوايا بالأحجار الخاصة بها من خلال طرقها بالمطارق بإحكام.

الخصائص الهندسية:
يمنح هذا الأسلوب في البناء الطويَ قوةً ومتانة؛ إذ لا يتأثر كثيرًا بارتفاع منسوب المياه، حتى مع عدم استخدام الطين في الربط بين الأحجار، إلا أن هذا النوع من البناء يُعد أعلى كلفةً من غيره؛ لما يتطلبه من دقة وعناية في القطع والتركيب.
ويُعد قليب المليحة من أشهر الآبار في إقليم سدير، ومن أمتنها بناءً بحسب ما يظهر من دقة وإجادة الطوي، وتم بناءه بالحجر الجيري الأبيض (صخر رسوبي غني بكربونات الكالسيوم) الذي تشتهر به المنطقة. كما يعكس هذا النوع من الطوي خبرة البنّائين المتخصصين في مثل هذه العمارة، ويكشف عن مستوى متقدم من الحرفة المحلية في رصف الأحجار وإحكامها.
ويُلاحظ شدة إحكام رصف الأحجار وتقاربها في قليب المليحة إلى درجة يصعب معها وجود فراغات تنفذ منها الزواحف الصغيرة، وهو ما يدل على دقة البناء وجودة التنفيذ.

تاريخ البناء:
يبدو – بحسب الطراز المعماري المتبع في الطوي، وطبيعة الأحجار المستخدمة، والروايات المتناقلة – أن بناء هذه البئر يعود إلى منتصف القرن الثاني عشر الهجري تقريبًا.
محمد بن حفير ودوره في الطوي:
يُضرب المثل في دقة طوي قليب المليحة بمن قام بطويها، وهو الاستاد محمد بن حفير، وكان لقب “الاستاد” يُطلق قديمًا على معلم البناء المتمكن في فنون العمارة التقليدية. وقد اشتهر محمد بن حفير بإتقان طوي الآبار، وكان من البنّائين المتخصصين في هذا النوع من العمارة، وطوى عددًا من الآبار في إقليم سدير، حتى ارتبط اسمه بطوي قليب المليحة، وغدا مضربًا للمثل في دقة الطوي وإحكامه.
وذكر حمد بن عيسى بن حمد العيسي – رحمه الله – أن محمد بن حفير جاء إلى عودة سدير، وعمل في طوي بئر المليحة، وكان من الأساتذة المميزين في هذا النوع من البناء.
وعندما قارب العمل في قليب المليحة على الانتهاء، طُلب منه الذهاب إلى الدرعية لطوي بعض الآبار هناك، فغادر إليها بعد إكمال طوي القليب، ويبدو أن الزرانيق بُنيت لاحقًا على يد غيره، وهو ما يظهر في اختلاف نمط بنائها.
والزرانيق: جداران متقابلان يُبنيان على جانبي فوهة القليب من الطين والحجر، توضع فوقهما خشبة من الأثل أو جذع نخلة، وتثبت عليهما المحّالة والدراج المستخدمان في استخراج الماء.

القيمة التراثية:
ويمثل القصر والقليب اليوم جزءًا من التراث العمراني في عودة سدير، اللذين يعكسان أنماط الاستقرار الزراعي في سدير، كما يُعدان من الشواهد الباقية على تقنيات البناء التقليدي في المنطقة، الأمر الذي يجعل توثيقهما والمحافظة عليهما ذا أهمية تاريخية ومعمارية.
خاتمة:
يُعد قصر العيسي وقليب المليحة من المعالم التراثية التي تعكس جانبًا من تاريخ الاستقرار والزراعة في عودة سدير، كما يبرزان مهارة البنّائين التقليديين ودقة أساليب طوي الآبار في المنطقة. وتمثل هذه المواضع مادة مهمة لدراسة العمارة التقليدية وتقنيات إدارة المياه في إقليم سدير.
تنويه:
اللقطات القديمة من تصوير خالد بن حمد العيسى، وأخيه عثمان، وابن عمهم محمد بن إبراهيم العيسى رحمه الله، وقد جرت معالجتها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بهدف تحسين الدقة ورفع مستوى الوضوح، مع المحافظة على محتواها الأصلي قدر الإمكان.
صور منوعة لقصر العيسى ومزارعه:
