صورة تخيلية للأمير محمد بن عامر
أ. د. حمد بن إبراهيم بن عبدالله بن ناصر العمران
تمهيد:
قال الشاعر الأمير رميزان بن غشام في رثاء الأمير محمد بن عامر القصيدة التالية، وقد وصفه فيها بأنه أمير ذو قوة ونفوذ ومكانة رفيعة، فوصفه بقوله: «حليف الثنا المعروف سلطان عامر»، ويُفهم من ذلك أنه كان كبير آل عامر ووجههم في زمانه. كما يظهر من الأبيات وجود علاقة وثيقة بين رميزان ومحمد بن عامر؛ إذ يقول: “أخا عشت انا واياه بالعمر”، مما يدل على تقارب سنّهما وطول الصحبة بينهما، كما وصفه بالجار في قوله: “ذرى الجار عما يشتكي من هضايمه”، وهو ما يشير إلى قرب الديار والصلة الوثيقة بينهما. ووصفه كذلك بقوله: “حليف الثنا زين السجايا محمد”، وفي ذلك دلالة واضحة على ما كان يتمتع به الأمير محمد بن عامر من مكانة وهيبة بين معاصريه.
نبذة عن الشاعر الأمير رميزان بن غشام:
الأمير رميزان بن غشام بن مسلط بن رميزان بن سعيد بن مزروع بن رفيع بن حماد العنبري العمروي التميمي، من فحول شعراء نجد، ولد تقريبًا سنة 1007هـ في بلدة روضة سدير، وتولى إمارتها بدعم من زيد الشريف سنة 1057هـ بعد عزل أميرها محمد بن ماضي وقتله، واستمر أميرًا لها فترة طويلة حتى استعادها آل ماضي وأخرجوه منها. ومن أبرز أعماله سد السبعين، وتوفي سنة 1079هـ.
نبذة عن الأمير محمد بن عامر:
من صفات الأمير محمد بن عامر في القصيدة:
– شجاعته: تظهر شجاعة الأمير محمد بن عامر في عدد من أبيات القصيدة: إذ يقول الأمير رميزان: “يعد عن الفٍ بالملاقا”، كما يقول: “وياما وطا راس المعادي بصارمه”، ويقول أيضًا: “وتدراه أرباب العلا خوف باسه”، وكذلك قوله: “وكم من عدوٍّ جا إله مخافه … ومن خاضعٍ مستبطنٍ داه كاتمه”. وتدل هذه الأبيات على ما كان يتمتع به الأمير محمد بن عامر من قوة وهيبة وشهرة بالشجاعة بين أهل زمانه.
– كرمه وسخاؤه: كما أشارت القصيدة إلى كرم الأمير محمد بن عامر وسخائه، وذلك في قول الأمير رميزان: “قرى الألف في عسرٍ من الدهر زاحمه”، وهو وصف يدل على كثرة إكرامه للضيوف حتى في أوقات الشدة والضيق.
– حكمته ورجاحة رأيه: ومن الصفات التي أبرزتها القصيدة أيضًا حكمة الأمير محمد بن عامر ورجاحة رأيه، إذ يقول الأمير رميزان: “صديقٍ لمن لي من صديقٍ وناصح”، كما يقول: “فلا واعضيدي بالملا واي ناصح”. وتشير هذه الأبيات إلى أنه كان موضع مشورة وثقة واعتماد عند أصحابه ومن حوله.
– سماحته وعفوه: وقد أشار الشاعر إلى موقفٍ يبدو أنه كان موضع تقديرٍ وإعجابٍ في محيطه، حين ذكر عفو محمد بن عامر وتسامحه عمّن نزلوا عليه أو استجاروا به، رغم ما قد يقع منهم من خطأ أو زلل، فقال: “فياما عفا زلات من جاه مجرم”، في دلالةٍ على ما عُرف به من حلمٍ وصفح، وحسن معاملة لمن قصده أو احتمى بجواره.
ما تشير إليه القصيدة من أحوال عصرها:
كما حملت القصيدة إشارات إلى ما كان يحيط بالأمير رميزان من عداوات وصراعات في بلدته، إذ يقول: “فلكنني من خوف رمّاقة العدا”، ويقول: “مكفيني اشيا لو تقاسي أمورها”، وكذلك قوله: “ألى واعضيدي بالليالي الى بدى …. من الحرب ما يبحث كدا من يغارمه”.
وفاة الأمير محمد بن عامر:
كما توضح القصيدة أن الأمير محمد بن عامر توفي في طريق عودته من الحج، حيث يقول الأمير رميزان: “بعد ما سعى بالبيت واطّاف وادّعى … وأخلص بنيّاتٍ به الحج لازمه”، وهو ما عدّه رميزان من حسن الخاتمة.
دلالات القصيدة التاريخية:
تُعد هذه القصيدة من النصوص التاريخية المهمة؛ لكونها صادرة من الأمير رميزان بن غشام، وهو أحد أمراء سدير وشعرائها المشهورين في القرن الحادي عشر الهجري، مما يمنحها قيمة تاريخية كبيرة في توصيف مكانة الأمير محمد بن عامر الاجتماعية والسياسية في عصره.
فالقصيدة لم تكن مجرد رثاء عاطفي، بل تضمنت إشارات واضحة إلى نفوذ الأمير محمد بن عامر وهيبته بين أهل بلدته وما حولها، حتى وصفه رميزان بـ”سلطان عامر”، وهي عبارة تدل على تقدّمه وريادته داخل أسرة آل عامر، وما كان يتمتع به من منزلة بين معاصريه.
كما تكشف الأبيات عن طبيعة العلاقات بين أمراء بلدان سدير في تلك الفترة، وما كان يجمعهم من صلات اجتماعية وتحالفات ومجاورة ومشاركة في شؤون الحرب والسلم، وهو ما يظهر في وصف رميزان لمحمد بن عامر بالأخ والجار والعضيد والناصر، وهي أوصاف تتجاوز المجاملة الشعرية المعتادة إلى تصوير علاقة وثيقة استمرت سنوات طويلة.
وتبرز القصيدة كذلك جانب الوفاء والمحبة بين رجال ذلك العصر؛ إذ يظهر التأثر العاطفي العميق لرميزان بفقد محمد بن عامر، حتى شبّه ما أصابه من الحزن والألم بلدغة الحية فقال: “لكني نهار ألفى غدافٍ بعلمه … طعين الحشا أو عضني ناب كاظمه”، وشبّه اضطراب حاله بمن شرب سلافةً مقرقفة، فقال: “وإلا فِكِنّي شاربٍ لي سلافه … مقرقفةٍ حمرا من الخمر خاتمه” وهو تصوير بلاغي يعكس عظم مكانة الأمير محمد بن عامر في نفسه، وما كان يتمتع به من صفات جعلته محل تقدير ومحبة بين معاصريه.
تحليل الجانب العاطفي في القصيدة:
يظهر في القصيدة جانب عاطفي واضح، إذ لم يكتفِ الأمير رميزان بذكر صفات الأمير محمد بن عامر ومناقبه، بل عبّر عن حزنه العميق لفقده، حتى إن كثيرًا من الأبيات جاءت محمّلة بلوعة الفقد وألم الفراق.
ومن أبرز ذلك قوله: “يحن فؤادي كلما حل ذكره … كعجما على فقدان الاولاف هايمه”، وقوله: “واعتضت في لاماه بالهم والأسى … عليه وكبدي عن حلى الزاد واكمه”
وتعكس هذه الأبيات ما كان يسود المجتمع النجدي آنذاك من روابط قوية بين الأصدقاء والحلفاء والجيران، حتى غدت قصائد الرثاء سجلاتٍ تحفظ مشاعر الوفاء والمحبة، بقدر ما تحفظ الأخبار والأحداث التاريخية.
القيمة الاجتماعية للقصيدة:
ولا تقتصر أهمية هذه القصيدة على جانبها التاريخي فحسب، بل تمثل أيضًا صورةً من صور الوفاء والمحبة بين رجال نجد في ذلك العصر، إذ يظهر فيها أثر الجوار والصحبة والتحالف، حتى غدت سجلًا عاطفيًا يحفظ مكانة الأمير محمد بن عامر في نفوس معاصريه، إلى جانب ما تحفظه من أخبارٍ وأوصافٍ تاريخية.
القصيدة:
ومما قاله الأمير رميزان بن غشام في رثاء الأمير محمد بن عامر:
| يد البين بالدنيا على الناس غاشمه | ولا هي لحيٍّ من فراقه بحاشمه |
| وعمر الفتى حصنٍ حصينٍ عماره | منيع القوى ما يشتفي منه رايمه |
| وله عدّةٍ ما يقتصر من حسابها | ولا زال عنها في مواذين حاكمه |
| ولا يدفع الماذون حيلٍ وحيله | ولا يقربه لقواك هولٍ تصادمه |
| فكم من مقيمٍ راحلٍ عن محله | وكاس المنايا شربةٍ منه لازمه |
| ودنياك يالمخلوق أسباب مكرها | نوايب ما هي للبرايا مسالمه |
| ولكن في بعض المصيبات هيّن | وفيها أمورٍ تقصم العظم قاصمه |
| واشد مصيبات البرايا مصيبتي | وأعظم أمرٍ قد جرى من عظايمه |
| حليف الثنا المعروف سلطان عامر | ذرى الجار عما يشتكي من هضايمه |
| حليف الثنا زين السجايا محمد | ومن شب زينات المعاني قسايمه |
| أخا عشت انا وايّاه بالعمر لو زرى | عليه لْساني فى القصا غير عازمه |
| شفيقي على عصر التصابي وشملنا | دماجٍ على طيب الليالي ملايمه |
| شعب لامنا البين المفاجي بغاره | أصاويبها في لاجي الروح واجمه |
| لكني نهار ألفى غدافٍ بعلمه | طعين الحشا أو عضني ناب كاظمه |
| من اعظم حيّاتٍ جرت في زماننا | لجى سمّها في واهج القلب ساعمه |
| وإلا فِكِنّي شاربٍ لي سلافه | مقرقفةٍ حمرا من الخمر خاتمه |
| واعتضت في لاماه بالهم والأسى | عليه وكبدي عن حلى الزاد واكمه |
| يحن فؤادي كلما حل ذكره | كعجما على فقدان الاولاف هايمه |
| فلكنني من خوف رمّاقة العدا | أكن الذي بالصدر وابات كاتمه |
| مخافة أمرٍ يطرب الواش ذكره | ولكن ذا أمرٍ من الله قاسمه |
| ألى واعضيدي بالليالي الى بدى | من الحرب ما يبحث كدا من يغارمه |
| أخا العون جالي كل همٍّ وحادث | وعني محا من صرف الايام آزمه |
| صديقٍ لمن لي من صديقٍ وناصح | ومن لي عدوٍّ بالبرايا مناقمه |
| مكفيني اشيا لو تقاسي أمورها | هل الأرض ملّوها هل الارض عامه |
| فلا واعضيدي بالملا واي ناصح | إلى قام من حرب المعادين قايمه |
| وتدراه أرباب العلا خوف باسه | كما خوفة المولى يداريه خادمه |
| وكم من عدوٍّ جا إله مخافه | ومن خاضعٍ مستبطنٍ داه كاتمه |
| فياما عفا زلات من جاه مجرم | وياما وطا راس المعادي بصارمه |
| أخا العون جا لي كل هم من اجله | صروف الليالي عن عقيل يوالمه |
| ذرى الجار والجانين عن كل مشكل | والاضداد تسعى خوفةٍ منه خادمه |
| فقلت ولو كان التمني سماجه | وكثر التمني للفتى ما يوالمه |
| بمن عشت انا واياه بالعمر مدّه | على طيب عيشٍ بالليالي ملايمه |
| فأمضى له الباري بماذون حكمه | وأمر القضا يجري بما راد حاكمه |
| فمن عاش بالدنيا ولو أدرك المنى | فصيّور ما يبقى له الموت خاتمه |
| فلا واذرى خيله إلى فضّ منعها | وعادت باهلها هشّة الروس عازمه |
| وهو منات الضيف لى نوّش الحيا | وحق الغلا واستلزم القحط لازمه |
| وقلته على بيت الجميلي فيصل | والامثال يرثاها من الناس فاهمه |
| يعد عن الفٍ بالملاقا وكم وكم | قرى الألف في عسرٍ من الدهر زاحمه |
| فلا والذي حج الحجيج لبيته | وله جملة الإسلام بالدين قايمه |
| ذكرته الا داخل القلب هاجس | مدى العمر ما تبرى جوارح هضايمه |
| عفى عنه غفار الخطايا ذنوبه | وعنه محى زلات ما كان عالمه |
| وانا أحمد الباري كما صار موته | بدرب الهدى لا في خطايا مظالمه |
| بعد ما سعى بالبيت واطّاف وادّعى | وأخلص بنيّاتٍ به الحج لازمه |
| فليته إلى جاني حمامي ومنيتي | وحق على روحي من الموت صارمه |
| يكون مماتي أطلب الله مثله | فالاقدام ما دام الجديدين قادمه |
| وصلوا على خير البرايا محمد | عدد ما لعى في كل غصن حمايمه |