alomran alomran alomran
أخر الإضافات:
ملامح التحضر في نجد قبل 1139هـ (سدير نموذجًا) شعيب الجوفاء ومشروع الدواجن النصرانية في نجد قبل الإسلام في ملحمة الدرعية: واجه السعوديون إرهاب الأتراك العثمانيين قرابة 6 أشهر لويس بيلي وتقرير رحلته إلى الرياض: وقفة مع ترجمات التقرير مشاركة أهل سدير في حرب الدرعية ما لم يذكره التاريخ عن حرب الدرعية بعض أشكال وسوم الإبل وأسماؤها وصفاتها وسوم الأبل لأهالي عودة سدير قصر المصمك: معلم تاريخي يجسد حقبة محورية في تاريخ المملكة الدرعية: أرض عاصمة التأسيس الهجر: مشروع الملك عبدالعزيز لتوطين البادية قضاة أئمة الدولة السعودية الأولى أمراء البلدات في عهد الدولة السعودية الأولى تاريخ العملة السعودية الشيخ عيسى بن عبدالعزيز بن خريف قصر العوجا: رمز التراث والهوية التاريخية السعودية مراحل تطور علم المملكة العربية السعودية الدولة السعودية في مراحلها الثلاث قاضي المجمعة الشيخ محمد بن عبدالله آل سلطان العوسجي البدراني الشاعر عبدالله بن محمد بن شويش الأمير علي بن سعود بن شويش الأمير عبدالله بن تركي بن عبدالله السديري نسب آل ناصر من آل حماد من آل شبانة الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن حمود السميط رحمه الله أختام علماء ومشايخ وشخصيات نجدية مهرت بها بعض وثائق أسرة العمران تراجم قضاة نجد المعروفين منذ القرن العاشر حتى النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري معجم مصطلحات البناء النجدية صور قديمة لمباني في نجد من دراسة بعنوان: العمارة المدنية في نجد لجيفري كينغ (1982م) رسالة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله إلى أهل سدير الزخارف النجدية : مثال بيت العم عبدالرحمن بن إبراهيم العمران في عودة سدير شما بنت عبدالله بن عمران بن محمد بن عامر المجمعة في قاموس الأعلام رسالة من أبناء حمد بن عمران إلى أبناء عبدالله بن عمران موقف الملك عبدالعزيز من اعتذار أمراء سدير وجباة زكاتها عن دفع زكاة العروض ودفع ما تيسر
ملامح التحضر في نجد قبل 1139هـ (سدير نموذجًا)
ملامح التحضر في نجد قبل 1139هـ (سدير نموذجًا)

الاستقرار الاجتماعي يمهد لمرحلة التأسيس السياسي في نجد

الكاتبة: سارة بنت عبدالعزيز الصبيحي

“باحثة ماجستير في التاريخ النجدي”

تمهيد:

شهدت نجد قبل عام 1139هـ مرحلة من الاستقرار والتحوّل الاجتماعي، تمثّلت في نشوء عدد من البلدان والحواضر التي اتخذت طابعًا حضريًا واضحًا، بعيدًا عن صورة التنقّل المؤقت. وقد أسهمت العوامل البيئية والاقتصادية في ترسيخ هذا الاستقرار، حيث انتشرت الزراعة المعتمدة على الأودية والعيون، ونشطت حركة التبادل التجاري بين مناطق نجد ومحيطها، إلى جانب بروز ملامح للرحلات العلمية المحدودة.

ورغم ما اتّسمت به نجد قبل التأسيس من غيابٍ للأمن العام وتعدّد مراكز النفوذ، وما صاحب ذلك من صراعات على السلطة بين القوى المحلية، فإن هذه الأوضاع لم تُفضِ إلى انهيار الحياة المستقرة، ولم تمنع استمرار النشاطين الاقتصادي والاجتماعي. فقد واصل السكان ممارسة الزراعة، وتنشيط حركة التبادل التجاري، والمحافظة على الأسواق المحلية، في ظل أنماط من التكيّف الاجتماعي والتنظيم الأهلي.

وقد أسهم هذا التوازن بين الاضطراب السياسي من جهة، والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي من جهة أخرى، في تهيئة البيئة التي شهدت لاحقًا مرحلة التأسيس، حيث جاءت الدولة امتدادًا لتنظيمات اجتماعية واقتصادية قائمة.

وفي هذا السياق، برزت منطقة سدير بوصفها نموذجًا يبرز شواهد التحضّر والاستقرار في الفترة التي سبقت قيام الدولة، وذلك من خلال تتبّع ملامح المجتمع والأنشطة الاقتصادية والعمرانية والعلمية في تلك المرحلة.

الأوضاع الأمنية في منطقة سدير قبل التأسيس:

اتّسمت الأوضاع الأمنية في بلدان نجد، ومنها منطقة سدير، بدرجة من عدم الاستقرار نتيجة تعدّد مراكز القوة المحلية وتنافس الأسر على الإمارة. فقد وصلت الأسر المتصدّرة للزعامة إلى الحكم بطرق متباينة؛ منها ما كان قائمًا على الأسبقية في إحياء البلدة أو تأسيسها، أو من خلال شراء الموضع من مالكه الأول كما وقع في بعض بلدان نجد، وفي حالات أخرى انتقلت الإمارة عبر الاستيلاء بالقوة وانتزاع الزعامة من الأسر القائمة، وهو نمط يعكس طبيعة الصراع على السلطة في تلك المرحلة.

وكان هذا التنافس على الإمارة يفضي أحيانًا إلى صراعات داخلية داخل الأسرة الواحدة، أو إلى نزاعات بين الحواضر المجاورة. وقد أشار المنقور في تاريخه إلى كثير من النزاعات والغارات، وهو ما يعكس الوضع الأمني الهش في المنطقة.

ومع ذلك، فإن هذا الاضطراب الأمني لم يؤدِّ إلى تعطّل الحياة المستقرة في منطقة سدير، إذ حاولت القرى والبلدان النجدية ضبط أوضاعها الأمنية من خلال تنظيمات محلية، غير أنّ هذه الجهود لم تكن كافية لتحقيق أمن دائم، فظلّ الاستقرار الأمني متذبذبًا قبل مرحلة التأسيس. وعلى الرغم من ذلك، استمرت القرى في ممارسة أنشطتها الاقتصادية والزراعية، وحافظت على قدر من التنظيم الاجتماعي تمثّل في تدخل العلماء لوضع ضوابط تحدّ من آثار الفتن، كتحريم بيع السلاح في أوقات الاضطراب. وقد أسهمت هذه التنظيمات في تمكين المجتمع المحلي من الاستمرار والبقاء، بل والنمو، رغم الصراعات السياسية التي عجزت الحواضر النجدية عن حسمها قبل قيام الدولة.

الأوضاع الاقتصادية في منطقة سدير قبل التأسيس:

تعدّدت مظاهر النشاط الاقتصادي في منطقة سدير قبل قيام الدولة السعودية الأولى، ولم تكن هذه الأنشطة وليدة تلك المرحلة، بل امتدّت جذورها إلى قرون سابقة. وتشير المصادر إلى وجود أسواق محلية في عدد من بلدان وادي الفقي (وادي سدير)، وهو من أهم الأودية إذ يقع معظم بلدان المنطقة وقراها على مجراه ويتميز بتعدد شعابه، بما يعكس حراكًا اقتصاديًا قائمًا على الزراعة والتجارة.

وقد تنوّعت المهن والحِرف التي مارسها السكان، غير أنّ الزراعة والتجارة ظلّتا الدعامة الرئيسة للاقتصاد المحلي.

الزراعة:

شكّلت الزراعة الركيزة الأساسية لهذا النشاط، لما لها من أهمية في حياة السكان. ويظهر حضور الزراعة المبكر في سدير من خلال الوثائق المحلية التي تعود إلى ما قبل التأسيس، ومن ذلك وثيقة وقف مؤرخة عام 1080هـ لمانع بن إسماعيل المدلجي في بلدة حرمة، والتي تضمّنت وقف عدد من العقارات الزراعية والعمرانية، إلى جانب دار ومخزن داخل البلدة. وتكشف هذه الوثيقة عن وجود ملكيات زراعية مستقرة، وتنظيم اقتصادي قائم على الوقف وتداول المنافع داخل المجتمع المحلي.

وتتصدر زراعة النخيل النشاط الزراعي في منطقة سدير، إذ مثّلت الشجرة الأكثر انتشارًا والأشد ارتباطًا بحياة السكان ومعاشهم، لتعدد منافعها. فلم يكن التمر موردًا أساسيًا فحسب، بل دخلت أجزاء النخلة المختلفة في تفاصيل الحياة اليومية من بناء وأدوات وصناعات منزلية، الأمر الذي منحها منزلة خاصة لدى السكان النجديين.

وانعكس هذا الحضور على اهتمام علماء منطقة سدير بها، حيث تناولوا ما يتصل بها من مسائل في مصنفاتهم الفقهية، فبحثوا في أحكام بيع التمر وما يعتريه من عيوب وآفات. وقد تناول الشيخ أحمد المنقور في كتابه “الفواكه العديدة” حكم بيع التمر إذا كان حشفًا أو أصابه الغبير، وميّز بين أصنافه، فعدّ الخضري من أجود أنواع تمر سدير، وأدنى مراتب التمر الدَّقَل.

كما تسجّل المصادر شواهد على وفرة الإنتاج الزراعي في بعض السنوات، إذ ورد في أحداث سنة 1099هـ كثرة الكمأة والعشب والجراد، ورخص الطعام رخصًا عظيمًا في ناحية سدير، حتى بلغ سعر التمر عشرين وزنة بالمحمدية — وهي عملة عثمانية متداولة في نجد في تلك الفترة — وبلغ سعر البر خمسة أصواع بالمحمدية، والصاع وحدة كيل مصنوعة من الخشب. ويعكس ذلك أثر العوامل الطبيعية في وفرة المحاصيل وتراجع الأسعار.

ومع ما مثّلته الزراعة، ولا سيما النخيل، من ركيزة أساسية في اقتصاد منطقة سدير، فإن الأحوال المعيشية لم تكن مستقرة على وتيرة واحدة، إذ كانت عرضة للتأثر بعوامل طبيعية وبشرية متعددة. فقد يفقد السكان هذا المورد، وينعكس ذلك مباشرة على مستوى معيشتهم، خصوصًا لدى من اعتمدوا على الزراعة وحدها. ومن أبرز تلك العوامل انقطاع الأمطار وجفاف مياه الآبار لسنوات متتابعة، كما حدث سنة 1136هـ حين اضطر أهل سدير إلى النزوح نحو الأحساء والعراق.

التجارة:

ارتبط النشاط التجاري في منطقة سدير بعلاقات واسعة مع أقاليم شرق شبه الجزيرة العربية وجنوب العراق، التي مثّلت أسواقًا رئيسة لتجارها. فكانت القوافل تسلك الطرق بين هذه الجهات، حاملة ما يحتاجه السكان من سلع وبضائع متنوعة.

وتشير الروايات إلى ما شهدته المنطقة من اضطراب أمني أثّر في حركة القوافل والتجارة، ومن ذلك ما ذُكر في أحداث سنة 980هـ من الاستيلاء على قافلة كبيرة لأهل الوشم وسدير بالقرب من سدير، كانت قادمة من البصرة وتحمل أموالًا ومتاعًا كثيرًا. ويبيّن هذا الحدث تداخل النشاط الاقتصادي مع الأوضاع الأمنية، دون أن يؤدي ذلك إلى توقف الحياة الاقتصادية في المنطقة.

وتكشف الروايات التاريخية أن منطقة سدير مثّلت سوقًا مهمًا للبادية، إذ كانت القبائل تفد إليها في المواسم لشراء حاجاتها المختلفة، حتى غدت هذه الحركة الموسمية حدثًا اقتصاديًا لافتًا. وقد كان لتردد البادية على أسواق سدير أثر مباشر في حركة الأسعار؛ ففي سنة 1115هـ أدّى إقبالهم على شراء كميات كبيرة من القمح والتمر إلى ارتفاع ثمنها، في حين انخفضت أسعار الإبل نتيجة عرض أعداد كبيرة منها للبيع في السوق.

ولم يقتصر دور سدير على تموين البادية، فقد كانت في بعض الفترات مصدرًا لإمداد عدد من البلدان النجدية المجاورة بالغذاء، ويتضح ذلك في عام 1111هـ حين قدم أهل العيينة إلى سدير لشراء الطعام، الأمر الذي أسهم في ارتفاع الأسعار داخل المنطقة.

الأوضاع العمرانية في منطقة سدير قبل التأسيس:

أما من الناحية العمرانية، التي تعكس مستوى من التنظيم والاستقرار قبل قيام الدولة السعودية الأولى، فكان من أبرزها الاهتمام بإدارة الموارد المائية وتطوير المنشآت المرتبطة بالزراعة. ويُعد ما قام به رميزان بن غشام (ت 1079هـ) أمير بلدة روضة سدير مثالًا واضحًا على ذلك، إذ أنشأ سدًا لحجز مياه وادي سدير عُرف بسد السبعين، بهدف تنظيم توزيع المياه على المزارع والانتفاع بها داخل البلدة.

وقد تميّز السد ببنائه المحكم من الحجارة، واحتوائه على عدد من العبارات التي تنظّم جريان المياه، وجُعل لكل مزرعة مسيل خاص بها، وهو ما يدل على وعي بأهمية التخطيط العمراني المرتبط بالنشاط الزراعي. كما تعكس النزاعات التي وقعت بين أهل الروضة وبعض البلدان الواقعة على الوادي حول هذا السد قيمة الموارد المائية وأثرها في الاستقرار والنمو العمراني في المنطقة.

الأوضاع العلمية في منطقة سدير قبل التأسيس:

شهدت منطقة سدير نشاطًا علميًا ملحوظًا قبل قيام الدولة السعودية الأولى، تجلّى في انتشار حلقات العلم، وتنقّل طلاب العلم بين بلدان نجد وخارجها، وظهور عدد من العلماء الذين تلقّوا العلم في سدير وأسهموا في الحركة العلمية في نجد عمومًا. ولم تكن هذه الحركة معزولة، بل ارتبطت بالاستقرار السكاني وتوفر بيئة تسمح بطلب العلم والتدريس والتأليف.

غير أن التعليم لم يكن متاحًا للجميع، فقد كانت لقمة العيش صعبة، مما أدى إلى انشغال الناس بالعمل، إذ احتاج الأهالي إلى أبنائهم للعمل في الزراعة أو التجارة أو غيرها من الحِرف، ولذلك لم يكن بمقدور الغالبية العظمى التعلّم بسبب المعوقات الاقتصادية. ويتضح من ذلك أن الأسر الميسورة الحال آنذاك هي التي استطاعت تعليم أبنائها.

وتنوّعت أساليب طلب العلم في منطقة سدير وفي نجد عمومًا بين التعليم المحلي، والرحلات إلى الحواضر النجدية، والرحلات إلى خارج شبه الجزيرة العربية، وهو ما يعكس حيوية الحركة العلمية واتصالها بالمراكز الإسلامية الكبرى.

الخاتمة:

يتضح من خلال استعراض الملامح الحضارية ذات الأبعاد الاقتصادية والعلمية والعمرانية في نجد قبل عام 1139هـ أن قيام الدولة السعودية الأولى لم يكن حدثًا عارضًا أو وليد ظرف طارئ، بل جاء نتيجة تراكم تاريخي طويل من الاستقرار النسبي والتنظيم الاجتماعي والحراك الاقتصادي والرقي العلمي.

وقد شهدت مناطق نجد، ومن بينها سدير، جذورًا متأصلة للتحضّر تمثّلت في الزراعة المنظمة، والتجارة النشطة، وظهور العلماء، وتشييد المنشآت العمرانية التي عززت الاستقرار المجتمعي. ومن ثمّ فإن التأسيس يُعد تتويجًا لمسار تاريخي سبقته مراحل من التكوّن والنمو، نهضت بها الحواضر النجدية في بناء مجتمع قادر على الانتقال إلى مرحلة الدولة، مستندًا في ذلك إلى إرث علمي واجتماعي راسخ شكّل قاعدة صلبة لنشأة الدولة السعودية الأولى.

المراجع:

التركي، عبدالله بن إبراهيم، منطقة سدير في عهد الدولة السعودية الأولى (دراسة تاريخية)، ط1، الرياض: دارة الملك عبدالعزيز، 1425هـ / 2004م.
العثيمين، عبدالله الصالح، نجد قبيل ظهور الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ط1، الرياض: مكتبة الرشد، 1431هـ / 2010م.
المنقور، أحمد بن محمد، تاريخ الشيخ أحمد بن محمد المنقور (1125هـ)، تحقيق عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر، ط2، الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية، 1419هـ / 1999م.
المنقور، أحمد بن محمد التميمي، الفواكه العديدة في المسائل المفيدة، ط5، طبع على نفقة عبدالعزيز عبدالعزيز المنقور، 1407هـ / 1987م.
البسام، عبدالله بن عبدالرحمن، علماء نجد خلال ثمانية قرون، ط2، الرياض: دار العاصمة، 1419هـ / 1999م.

المصدر:
الصبيحي، سارة بنت عبدالعزيز، «ملامح التحضّر في نجد قبل 1139هـ (سدير نموذجًا)»، إعداد للنشر: نوال الجبر، جريدة الرياض، العدد (21015)، الجمعة والسبت 10 / 11 رمضان 1447هـ الموافق 27 / 28 فبراير 2026م، الرياض: مؤسسة اليمامة الصحفية.