أخبار الغازي
إفادة الأنام بذكر أخبار بلد الله الحرام
المؤلف: عبدالله بن محمد الغازي
«إفادة الأنام بذكر أخبار بلد الله الحرام»، تأليف عبدالله بن محمد الغازي. مصدر في أخبار مكة المكرمة وتاريخها؛ يعرض الموقع ما استُخرج منه من أخبار تتصل بنجد وعلاقاتها بالحجاز.
تُرتب الأخبار المتاحة من هذا المصدر بحسب تأريخها، ويمكن الرجوع من كل خبر إلى موضع توثيقه ومقارنة الروايات المتاحة.
تصفية الأخبار والبحث فيها
243 نتيجةً
في: الغازي إزالة التصفية
القرون
المؤرخون
1344هـ 1925–1926م تقريبًا
أصدر السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود في 8 محرم بلاغًا إلى سكان مكة بحل المجلس الأهلي السابق وتشكيل مجلس أهلي جديد بالانتخاب، رغبةً في إشراك الأمة في الأمور اشتراكًا فعليًّا. ونص البلاغ على أن تنتخب كل حارة مندوبًا عنها من أهل الخبرة والمعرفة، وأن ينتخب العلماء اثنين من كبارهم، وأن ينتخب التجار مندوبًا عنهم، وأن تُقدَّم أوراق الانتخاب يوم الاثنين إلى دائرة الحكومة بالحميدية، وأن تكون الانتخابات حرة يُجازى من يتلاعب بأوراقها أشد الجزاء، وأن تُلقى مسؤولية إدارة البلاد على المندوبين المنتخبين. ثم وزعت إدارة البلدية بيانًا في كيفية ترتيب الانتخاب. فانتُخب من العلماء الشيخ عباس مالكي والشيخ محمد المرزوقي، ومن التجار عبدالله الدهلوي فاعتذر فحلّ محله محمد نور ملائكة، ومن الأحياء عبدالفتاح فدا وعبدالقادر الشيبي وعلي الكتبي وعلوي تونس وسليمان أزهر وجمال مشرفة وعبدالله مخلص ومحمد سرور الصبان وحمزة البركاتي وإبراهيم مطر وعبدالله الزواوي وصالح قطب. وعيّن السلطان ثلاثة من أعيان البلد أعضاء في المجلس، هم الشريف شرف باشا عدنان والشريف حمزة الفعر والشريف هزاع. وانتُخب الشيخ محمد المرزوقي قاضي مكة رئيسًا للمجلس، والشيخ عبدالقادر الشيبي نائبًا للرئيس، والشيخ محمد سرور الصبان كاتبًا للمجلس وأمينًا للسر.
ألّف المجلس الأهلي في مكة لجنة للنظر في ترتيب القضاء الشرعي والأوقاف، تتألف من رئيس المجلس الشيخ محمد المرزوقي والشريف شرف عدنان والشيخ عباس مالكي والشريف حمزة البركاتي والشيخ محمد جمال شرف، وعهد إليها أيضًا بالنظر في أمر التعليم والتربية. وألّف المجلس كذلك، بأمر السلطان عبدالعزيز، لجنة للنظر في المسائل التي تعود إلى العرف مما لا يخالف نصًّا شرعيًّا، قوامها الشريف حمزة والشيخ محمد بن حسن اللحياني والشيخ عبدالله المخلص. وبدأت اللجنة المخصصة لتنظيم أمر الشرطة تعقد اجتماعاتها لترتيب ذلك.
كتب السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود في شهر ربيع الثاني كتابًا يدعو فيه إلى عقد مؤتمر إسلامي، ووجّهه إلى ملك مصر وأمير الأفغان وحكومتي إيران والعراق وجمعية الخلافة وجماعة أهل الحديث وجمعية العلماء في الهند والمجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين والشيخ بدر الدين المحدث في دمشق وبعض ملوك المغرب وأمرائه، وإلى جميع من يعنيهم أمر الديار المقدسة من علماء المسلمين وأمرائهم وزعمائهم. وذكر فيه أن الأشراف أجبروه على الحرب، وأنه لا يريد التسلط على الحجاز ولا تملكه، وإنما هو وديعة في يده حتى يختار الحجازيون واليًا منهم. وبيّن خطته: أن الحجاز للحجازيين من جهة الحكم وللعالم الإسلامي من جهة حقوقه فيه، وأن يجري استفتاء تام لاختيار حاكم الحجاز تحت إشراف مندوبي العالم الإسلامي، وأن تكون الشريعة الإسلامية المرجع الأول. واشترط أن تكون حكومة الحجاز مستقلة في شؤونها الداخلية، لا تعلن الحرب على أحد، ولا تعقد اتفاقات سياسية مع أي دولة، ولا اتفاقات اقتصادية مع دولة غير إسلامية، وأن يُوكل تحديد حدود الحجاز ووضع نظمه المالية والقضائية والإدارية إلى مندوبي الأمم الإسلامية ومندوبي جمعية الخلافة وجمعية العلماء في الهند والجمعيات الممثلة للمسلمين في البلاد التي ليس فيها حكومة إسلامية. وطلب منهم الإسراع في إرسال مندوبيهم وتحديد الوقت المناسب لعقد المؤتمر.
وصل إلى جدة في أوائل شهر ربيع الثاني الوفد الإيراني الذي أرسلته الحكومة الإيرانية لزيارة الأماكن المقدسة والنظر في شؤون البلاد المقدسة، برئاسة غفار خان سفير إيران المفوض في مصر، ومعه حبيب الله خان قنصل إيران العام في سوريا ولبنان، ومحمد رضا أفندي سكرتير الوفد. ولما قصد الوفد مكة أرسل السلطان عبدالعزيز صباح الأربعاء 3 ربيع الثاني قسمًا من رجال حرسه الخاص لاستقباله، فوصل أعضاؤه إلى المقر السلطاني محرمين بالعمرة، وأبدى رئيس الوفد الغاية من قدومه. ثم سافر الوفد بعد العصر بالسيارات إلى مكة المكرمة يرافقه عبدالله الفضل، الذي أرسله السلطان لتسهيل راحتهم فيها.
وصلت إلى مكة المكرمة في الساعة الثانية العربية من صباح الخميس 10 جمادى الأولى طائرة أرسلها الشريف علي وفيها ضباط من غير المسلمين، فدارت حول مكة ثم خرجت من جهة جبل أبي قبيس ومرت في خط مستقيم فوق سطح الكعبة المشرفة، وألقت أوراقًا تخاطب الأهالي بأن حكومة جدة منصورة في جميع ساحات الحرب. وفي اليوم نفسه أصدر وفد جمعية الخلافة الهندية (ظفر علي خان وأبو المعارف محمد عرفان وشعيب القرشي) احتجاجًا بالنيابة عن مسلمي الهند، عدّ فيه تحليق الطائرة فوق الكعبة انتهاكًا لحرمة بيت الله وعملًا غير جائز يجرح قلوب المسلمين، وأعلن فيه سخطه على الشريفين لإرسالهما هذه الطائرة.
سُلّمت المدينة المنورة إلى السلطان عبدالعزيز بعد أن حاصرتها قواته بقيادة القائد العام صالح بن عدل، وقطعت السكة الحديدية بين معان والمدينة، ونزل فيصل الدويش بجيشه العوالي بغير قتال، فاشتد الضيق على أهلها وخرج كثير منهم إلى الجيش السلطاني وإلى مكة. وكان قد قدم إلى بحرة، والسلطان فيها، رجل من تجار المدينة يُدعى مصطفى عبد العال، يحمل رسالة من رجال حكومة المدينة وأهلها يعرضون فيها تسليمها بشرط الأمان على أرواحهم وأموالهم، وإعطاء الموظفين بعض الأمور الخاصة، وأن يتولى استلامها أحد أفراد الأسرة السعودية، فأجابهم السلطان إلى طلبهم. ولما عاد السلطان إلى مكة أمر نجله الأمير محمدًا بالتوجه لاستلامها، فسار من مكة مساء الاثنين 23 ربيع الثاني في عدد غير قليل من الجند. ومنح السلطان الأمان لجميع أهل المدينة وموظفيها، وبعث إلى فقرائها بألف كيس من الأرز. فلما وصل الأمير محمد إلى أسوار المدينة أبت قيادة الحامية التسليم انتظارًا للمدد من جدة، وأبرقت في 5 جمادى الأولى إلى الملك علي تطلب المال والأرزاق. ثم أبرقت في 13 منه أن الأرزاق لا تكفي الجنود إلا ثلاثة أيام، وأنها ستفاوض إن لم تصل الطائرة، فجاء الجواب باستحالة إرسالها قبل عشرة أيام لعدم وجود البنزين. فلما نفدت مؤونة الحامية كتب القائد عزت ورئيس ديوان الإمارة عبدالله عمير يوم الجمعة إلى الأمير محمد بن عبدالعزيز يطلبان مقابلته، وفاوضاه على التسليم بشرط الأمان للجنود والضباط والأهالي وإعلان العفو العام. وفي صباح السبت 19 جمادى الأولى دخل الأمير ناصر بن سعود وعبدالله الفضل وعزت قائد الخط المدينةَ مع فريق من الجنود، فاستلموا قلعة سلع وما فيها من ذخائر وعتاد، ثم جميع المراكز العسكرية والمدنية للحكومة، ووضعوا فيها قوات من الجيش النجدي، وأمِن الناس جميعًا. وفي صباح الأحد دخل الأمير محمد المدينة بجنوده وراياته، وأمر بمواساة الأهالي، واستحضر من رابغ ثلاثة آلاف كيس من الدقيق والأرز لتوزع عليهم.
أصدر السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل في أول ربيع الأول بلاغًا بالعفو العام، أكد فيه الأمان الذي منحه لأهل مكة منذ دخول جنوده إليها، وأعلن أن كل من كان في خدمة الحسين وتحت طاعته آمن ومعفو عنه متى عاد إلى البلد وأخلد إلى السكون. وحذّر في البلاغ من القيام بأي دعاية لمن أفسدوا في البلاد، متوعدًا من يفعل ذلك بأشد الجزاء.
أمر السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود في جمادى الأولى بنشر بلاغ مؤرخ في 5 جمادى الأولى موجّه إلى الضباط والجنود الذين في جدة، وقد وُزّع عليهم في حينه. وأمّن السلطان في البلاغ كل من يخرج منهم من جدة للانضمام إليه أو للعودة إلى دياره على نفسه ومتاعه وسلاحه وماله، وتعهد بإيصال الحجازيين منهم إلى أهلهم، وبإعطاء غيرهم ممن يريد اللحاق بأهله مالًا يوصله إليهم مع إكراميات أخرى، ورحّب بمن أراد البقاء عنده. وأخبرهم أنه أمر جنده في الخطوط الأمامية بقبول كل قادم منهم وتسهيل أمره، وأنذرهم بقرب اليوم الموعود.
اشتد الضيق على أهل جدة في أثناء حصارها بسبب تشديد الحكومة الحجازية عليهم وانقطاع الحاجات اللازمة عنهم، إذ امتنع التجار من جلب الأرزاق والبضائع لأن الشريف علي كان يقاسمهم نصف بضائعهم، يأخذ قسمًا منها باسم الرسوم الجمركية والقسم الآخر باسم التكاليف الحربية. ووردت قطعان من الغنم من جهة ينبع فخففت بعض العسرة في اللحم، ثم منعت كثرة الضرائب قدومها، فصار أكثر ما يأكله الناس لحوم الجمال الضعيفة التي حُبست في جدة. واشتدت أزمة الماء حتى صار لا يقدر على شراء صفيحة (تنكة) الماء من الكنداسة بستة قروش إلا صاحب النفوذ القوي، ولا سيما بعد أن احتل جند الإخوان أطراف الماء في الحوض الواقع وراء النزلة اليمانية. ورحل كثير من الأغنياء منذ أول يوم أحاطت فيه مدفعية الإخوان بالبلدة وأخذت تقصفها، وبقي فيها الضعفاء والفقراء، وطلب من بقي من الأهالي أن يأذن لهم الشريف بالقدوم إلى مكة فأبى إلا من طريق البحر. واحتلت الحكومة كثيرًا من البيوت رغمًا عن أصحابها، وأخذت تفرض على الأهالي ضرائب جديدة تحصّلها بالجبر، آخرها ثلاثة آلاف ليرة باسم تكاليف عسكرية، فامتنع الناس عن دفعها. وأصاب رجلًا من الفضل منها خمسمائة ليرة، وأصاب رجلًا يُدعى توفيق خمسمائة ليرة فامتنع عن الدفع فزُجّ في السجن، ومن الأهالي من سُجن ومنهم من فرّ، وقليل منهم من دفع.
باع الشريف علي، لسد حاجته في الحرب، البيوت التي يملكها أبوه على الشارع الجديد الذي فُتح من قبل، بأبخس الأثمان، فبلغ مجموع ثمنها خمسة آلاف جنيه.
أعلن الجنود اليمانيون في جدة العصيان، وخرجوا بجمعهم يطوفون أحياء جدة ويطلقون النار في الأسواق، حتى إذا بلغوا بيت الشريف علي داوموا إطلاق بنادقهم. ففزع الشريف علي وأرسل من يسألهم عن أمرهم، فخرج إليهم رئيس الوزراء عبدالله باشا فعرف أنهم يشكون الجوع وانقطاع رواتبهم. فاعترف لهم بأن الحكومة كذبت عليهم طوال المدة الماضية، ورجاهم أن يصبروا عشرة أيام فقط، فإن أُجيب طلبهم وإلا فهم أحرار فيما يفعلون، فقبلوا ذلك بشرط أن يُعزل تحسين باشا من القيادة.
بلغت الحال في جدة أشدها في منتصف جمادى الأولى، فنفد المال والزاد ونفر الجنود، فسرّحت القيادة الهاشمية عددًا كبيرًا من الجنود الفلسطينيين الذين سافروا على الباخرة «الطويل».
سافر من جدة إلى مصر في جمادى الأولى الشيخ عبدالله سراج رئيس وزارة جدة، والسيد أحمد السقاف رئيس الديوان، ومحمد علي الكاتب الخاص لعبدالله سراج، وأربعة وعشرون ضابطًا.
باعت حكومة جدة في أثناء ضائقتها قهوة المنتزه بخمسمائة جنيه دفعتها للجنود الذين سافروا إلى سوريا، وصادرت أربعمائة كيس من الأرز لإعطائها للجنود اليمانيين، فأخذ اليمانيون يبيعون هذا الأرز بنصف قيمته.
نقلت جريدة «أم القرى» عن برقية لجريدة «الأهرام» من مراسلها في لندن أن جريدة «ديلي كرونيكل» نشرت برقية من مراسلها في جدة، جاء فيها أن الخطط التي وضعها الملك علي لاسترداد مكة بواسطة الطائرات والدبابات قد أخفقت تمامًا. وذكرت البرقية أن القوة الجوية الحجازية تتألف من ثلاثة طيارين وستة مهندسي طيران كلهم من الروس أنصار الملكية ما عدا إنكليزيًّا واحدًا مهمته المحافظة على الطائرات الثلاث التي استُجلبت أخيرًا، وأن للحجاز ست طائرات سقطت منها ثلاث وجميعها غير صالحة لعمل عسكري. وذكرت أن مساعي الحصول على قنابل جوية من إنكلترا وفرنسا وإيطاليا ومصر ثم من برلين بستة آلاف جنيه لم تنجح، فبقيت القوة الجوية بلا ذخيرة. ولما تعذر الحصول على دبابة أو سيارة مدرعة صنع القائد تحسين باشا شبه سيارة مدرعة بمحرك قديم مصفحة بالتنك ولها فوهات للمدافع الرشاشة، فلم تصلح للسير فجُرّت بجمل إلى مرآب السيارات.
سلّم الشريف علي جدة إلى السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود سلطان نجد صلحًا، بعد أن يئس وطلب من المعتمد البريطاني في جدة أن يتوسط في الصلح ويعرض شروط التسليم. فقبل المعتمد المهمة بعد إذن حكومته، وأرسل المنشئ إحسان الله بكتاب إلى السلطان يطلب مقابلته في الرغامة، فأجابه السلطان بكتاب مؤرخ في الرغامة 30 جمادى الأولى بالموافقة. وفي الساعة الرابعة من نهار الخميس وصل المعتمد البريطاني جوردن إلى مقر السلطان وأبلغه أن حكومته باقية على حيادها، وأنه تقدم بشروط التسليم بناءً على طلب الشريف علي وحكومته لغاية إنسانية، فقبلها السلطان مبدئيًّا بعد إدخال شيء من التعديل. ونصت الاتفاقية على تنازل الملك علي ومغادرته الحجاز قبل يوم الثلاثاء التالي وتسليم جدة، مقابل ضمان السلطان سلامة جميع الموظفين المدنيين والعسكريين والأشراف وأهالي جدة والقبائل وأموالهم ومنحهم العفو العام. ونصت كذلك على تسليم أسرى الحرب، وتسليم الضباط والجنود جميع أسلحتهم وطائراتهم ومهماتهم الحربية دون إتلاف، وترحيل من يرغب منهم إلى وطنه على نفقة السلطان، وتوزيع خمسة آلاف جنيه عليهم، وإبقاء الموظفين الأكفاء في مراكزهم. ومن بنودها أيضًا السماح للملك علي بأخذ أمتعته الشخصية، ومنح عائلة الحسين ممتلكاتهم الشخصية دون أملاك الأوقاف والمباني التي بُنيت في أثناء ملكه، واعتبار بواخر الحجاز (الطويل ورشدي ورقمتين ورضوى) ملكًا للسلطان، وشمول العفو أشخاصًا سُمّوا فيها، منهم أبناء يحيى فواز وآل قزاز وآل بتاوي ويوسف خشيرم والسيد أحمد السقاف، وكفّ الطرفين عن أي عمل عدائي في أثناء المفاوضة. وأمضى السلطان الاتفاقية عصر الخميس أول جمادى الآخرة، وأمضاها الشريف علي في الساعة السادسة ليلًا من ذلك المساء، واعتُبرت نافذة منذ ذلك الوقت.
غادر الملك علي بن الحسين الحجاز بعد تسليم جدة. فكتب في 3 جمادى الآخرة إلى معتمدي بريطانيا والسوفييت وقناصل إيطاليا وفرنسا وهولندا وإيران ومصر يخبرهم أنه رجّح الانسحاب حبًّا للإسلام وصيانةً للأموال والأرواح وحقنًا للدماء وقرر السفر، وأنه شكّل حكومة مؤقتة أهلية برئاسة قائم مقام جدة الشيخ عبدالله علي رضا مع بقاء كبار الموظفين الأهليين. ونشر على الأهالي عند سفره منشورًا يودعهم فيه، ذكر فيه ما بذله في الحرب منذ تولى الأمر بعد تنازل والده، ونفاد ما في يده من المال وعدم وجود من يساعده، وأنه رجّح الانسحاب من الحرب ودخل في مفاوضة تضمن السلام وتصون الحقوق، وطلب منهم تنفيذ ما تقرر حفظًا للسكينة والحقوق العامة والخاصة. وفي صباح الأحد 4 جمادى الآخرة ركب زورقًا إلى البارجة البريطانية «كان فلاور»، وهي التي أقلّت والده من العقبة إلى قبرص. وفي مساء الأحد عاد القنصل الإنكليزي إلى السلطان عبدالعزيز وأخبره أن الشريف علي صعد إلى الباخرة وسافر إلى العراق، وأن مهمته الإنسانية انتهت.
قدم المعتمد البريطاني في جدة صباح يوم الاثنين التالي لسفر الملك علي بن الحسين من جدة في جمادى الآخرة إلى مقر السلطان عبدالعزيز، ومعه رئيس الإدارة المدنية ورئيس الإدارة العسكرية لحكومة جدة. فأعلن انتهاء مهمته الإنسانية في التوسط لحقن الدماء، وقدّم الرئيسين رسميًّا ليكونا مسؤولين أمام السلطان، فشكره السلطان على مسعاه. ثم رجع المعتمد إلى جدة، وبقي الرئيسان يتذاكران مع السلطان في ترتيب ضبط ممتلكات الحكومة وما يتبعها. وقضى السلطان بقية النهار في استقبال الوفود التي قدمت من جدة لتهنئته، وكان فيهم الأشراف والعلماء والأعيان وبعض رجال ديوان الشريف علي وكبار موظفيه.
أمر السلطان عبدالعزيز صباح يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة خالد بن الحكيم وحسن بك وقفي وعبدالعزيز العتيقي ويوسف ياسين بالدخول إلى جدة والمباشرة باستلام المهمات العسكرية، وترتيب تنفيذ الاتفاقية التي وُضعت من أجل الجنود وضباطهم، والنظر في الحالة العامة.
دخل السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود جدة بعد تسليمها؛ ففي صباح الأربعاء 7 جمادى الآخرة سار بموكبه إلى جدة حتى بلغ الكندرة، فنزل في سرادق خاص أُعد لاستقباله، ورُفع العلم النجدي وأُطلقت مائة مدفع ومدفع، واستقبله الأهالي وقناصل الدول والجاليات الأجنبية. وفي صباح الخميس 8 جمادى الآخرة دخل البلدة ونزل في دار الشيخ محمد نصيف، وأقبل عليه الأهالي أفواجًا لمقابلته، وأُلقيت أمامه الخطب والأناشيد، فتحدث عن آرائه في شأن البلاد ودعا الناس إلى الوئام.