البحث في حوليات نجد
243 نتيجةً
في: الغازي إزالة التصفية
القرون
المؤرخون
1343هـ 1924–1925م تقريبًا
زحف سلطان بن بجاد الملقب بسلطان الدين والشريف خالد بن منصور بن لؤي أمير الخرمة سنة 1343 إلى الطائف بجيش من الإخوان مؤلف من خمسة عشر لواءً من ألوية الغطغط والخرمة وتربة ورنية وعتيبة وقحطان وبني تميم. ولم يتجاوز هذا الجيش، مع من انضم إليه بعدُ من بدو الحجاز وأشرافه كالحرث وبني ثقيف، ثلاثة آلاف مقاتل. وخرجوا من مركز اجتماعهم في تربة، ولم تعلم الحكومة بهجومهم حتى وصلت سراياهم في اليوم الأول من صفر سنة 1343، الموافق سبتمبر سنة 1924م، إلى قرية الحوية التي تبعد بضعة أميال عن الطائف. فأمر ناظر الحربية الهاشمية أمير اللواء صبري باشا جنود النظام بالدفاع، فخرج نحو أربعمائة منهم ومعهم بعض المدافع الجبلية والرشاشة إلى الحوية، فدارت بينهم وبين سرايا الإخوان معركة دامت بضع ساعات كانت الغلبة فيها للإخوان. وتقهقر النظاميون إلى جهة الطائف، فانضم إليهم جند من البدو ورابطوا معهم في الهضاب الغربية من البلد إلى الشمال والشمال الغربي منه، وظلوا يطلقون المدافع على الإخوان ويناوشونهم ثلاثة أيام دون أن يتمكنوا من ردّهم.
سقطت الطائف في يد الإخوان يوم الجمعة 6 صفر سنة 1343. وذلك أنه لما وصلت أخبار هزيمة الجيش الهاشمي في الحوية إلى مكة أمر الملك حسين ابنه الأمير عليًّا بإنجاد الجيش، فجاء مسرعًا بسرية من الخيالة وأخرى من الهجانة، ووصل يوم الخميس 5 صفر فدخل الطائف ثم خرج منها عصر ذلك اليوم ليعسكر في الهدا، أما النجدة التي سارت في طريق السيل فلم تصل إلا بعد سقوط الطائف. وكان جيش الإخوان يزداد عددًا وقوة، فاضطر الجند النظاميون إلى التقهقر إلى داخل مدينة الطائف. وفي صباح الجمعة 6 صفر تقدم الإخوان حتى صار رصاصهم قرب الظهر يقع داخل السور، فاستولى الذعر على الأهالي، وخرج في أصيل ذلك اليوم أمير الطائف الشريف شرف بن راجح ووزير الحربية وجنوده النظاميون وسائر الأمراء والموظفين. وبعد خروجهم بساعة أو ساعتين، في غسق يوم 6 صفر الموافق 7 سبتمبر، دخل الإخوان الطائف يطلقون بنادقهم في الأسواق فقتلوا أناسًا كثيرين. وفي صباح السبت دخل سلطان بن بجاد ببقية الجيش فكفّ الجنود عن القتل، لكنه أمر بجمع السلاح وتفتيش البيوت، فسيق الأهالي نساءً ورجالًا إلى حديقة شبرا وحُبسوا فيها ثلاثة أيام ثم أُطلقوا. وأُمر أهل مكة الذين كانوا في الطائف بالرحيل إلى مكة مشاة، فخرجوا من طريق كرا جياعًا عطاشًا حتى أدركهم أهلهم وأصحابهم بالركائب والزاد، وتعب من لم يكن له منهم أقارب ولا أصحاب غاية التعب. واحتجز الإخوان سبعة من أهل مكة هم عبدالقادر الشيبي وإسماعيل الدهلوي وقازي إسحاق وصادق المجددي وبكر البوقري وأحمد عدس ومحمد نور ملائكة، وأودعوهم القشلة حتى يدفعوا سبعة آلاف جنيه. ونُهب أهل الطائف فذهب بعضهم إلى الحجاز وبعضهم إلى مكة. وأقام الأمير علي معسكره في الهدا، ثم تقهقر بعد أيام إلى البازان بين عرفة والمزدلفة فأقام هناك بعسكره.
أمر الملك الشريف الحسين سنة 1343، لما وصلته أخبار سقوط الطائف، بجمع الناس في المسجد الحرام، فخطب فيهم عمر شاكر محرر جريدة «الفلاح» من المنبر الموضوع عند باب المحكمة، وأخبرهم بما وقع في الطائف من النهب والقتل، وحرّضهم على الخروج لمدافعة الإخوان ومنعهم من دخول مكة. فتطوع أناس من جميع الحارات وجماعة من المغاربة والتكارنة وأُعطوا السلاح، واجتمع كثير من البدو. ولما اكتمل الجيش تقدم الأمير علي إلى الطائف من طريق كرا بالمشاة من الجنود النظاميين والمتطوعين وأقام معسكره في الهدا، وتقدم صبري باشا من طريق اليمانية بالقوى الراكبة من الخيل والهجانة، وتقدمت طلائع الأمير علي بقيادة الشريف هزاع إلى وادي محرم على نحو ساعة ونصف من الطائف. فاقتتل الفريقان في وادي محرم، ووقعت الهزيمة أولًا على الإخوان حتى كاد الجيش يدخل الطائف، ثم انقضت قبيلة بني سفيان وقبيلة أخرى معها من بين الجبال على العساكر وأحاطت بهم. ويقال إن القبائل التي كانت في وسط الصف غدرت فرمت من أمامها من العساكر، فقُتل كثير من العساكر والأهالي وجُرح كثيرون وهرب الباقون. وأما جيش صبري باشا فقاتل بقوة وكاد ينتصر، فغدرت به قبيلة طويرق وغيرها، فرجع الجميع منكسرين. فضعفت معنويات الحجازيين وكثر المنضمون إلى السعوديين، ومنهم بعض الأشراف وعلى رأسهم أشراف الحرث.
جمع الملك حسين الأشراف سنة 1343 بعد هزيمة جيشه أمام الإخوان قرب الطائف، وسألهم عن رأيهم، فقرروا الانسحاب إلى جدة، وبدأوا بإرسال النساء والأطفال ومنهم عائلة الحسين نفسه. واجتمع الشريف عبدالله باشا بن محمد وقاضي القضاة الشيخ عبدالله سراج ورئيس الديوان العالي السيد أحمد السقاف، وقرروا أن يقترحوا على الحسين إرسال برقية إلى الحكومة البريطانية خلاصتها أن الدولة الهاشمية هوجمت من السعوديين على غير استعداد، وأنهم يرجون باسم الصداقة القديمة أن تتدخل الحكومة البريطانية لكف الأذى. فكُتبت البرقية ووُقِّعت وأُرسلت إلى مكتب البرق، لكن الحسين أوقفها ومنع إرسالها.
انتقل جيش الأمير علي في 4 ربيع الأول سنة 1343 من البازان وأقام معسكره في الأبطح. فلما رأى أهل مكة زحف العساكر وشاع أن الإخوان خرجوا من الطائف قاصدين مكة، خرج الناس إلى جدة أفواجًا رجالًا ونساءً، ركبانًا ومشاة، ليلًا ونهارًا، وكان قد خرج قبلهم عند سماع خبر الطائف كثير من مشاهير التجار والعلماء والأئمة والخطباء والمطوفين. ولقي الذين خرجوا مشاة أخيرًا تعبًا شديدًا من المشي وحرّ الشمس وقلة الماء حتى مات بعضهم في الطريق من الظمأ. ولما وصل نحو ألف منهم إلى بحرة أبرق مدير البرق بخبرهم إلى جدة، فأرسل أهل الخير من أهالي جدة المراكب والطعام والشراب حتى أوصلوهم إلى جدة وأنزلوهم في مكان واسع. وفي أوائل ربيع الأول خرج كبار الموظفين إلى جدة، مثل الشريف عبدالله باشا وقاضي القضاة الشيخ عبدالله سراج ويوسف القطان وناناجه وعبدالوهاب قزاز وموظفي الحميدية ومحرري الجريدة وغيرهم.
قدم الشريف عبدالله باشا صهر الملك حسين القاهرة في 7 ربيع الأول سنة 1343، وروى لأحد زائريه حوادث الطائف. فذكر أن الوهابيين اجتازوا حدود الحجاز بما لا يقل عن خمسة آلاف مقاتل، وأن عدم استعداد الحجاز نشأ عن اعتقاد الملك حسين أن سلطان نجد لا يهاجمه إلا بمن انضم إليه من الحجازيين، وأن حامية الطائف تكفي لصد الغارات. وذكر أن الوهابيين تجنبوا مركز وادي كليخ شرقي الطائف، وهاجموا المراكز الثانوية في وادي جليل ووادي الأخيضر ووادي مسرة واستولوا عليها، ثم احتلوا شويحط والحوية، فلجأ كثير من أهل الطائف إلى القرى. وخرج صبري باشا وزير الحربية والشريف شرف قائمقام الطائف بمائتي جندي إلى شويحط ثم عادا، وجُنّد متطوعون وسُلّح الأهالي. ولما سقط جبل شرقرق الذي رابطت فيه قبيلة الطلحات من هذيل وجبل المدهون، أمر وزير الحربية بالجلاء عن المراكز إلى داخل الأسوار، فاضطربت المدينة وانهارت المعنويات. وكان الأمير علي قد وصل بقوة من الفرسان تاركًا المدفعية والمشاة في الطريق، فأرسل رشدي بك الصفدي ليأتي بها، ثم اضطر إلى الجلاء عن الطائف بحماية قوة من بني سفيان إلى الهدا. ففتح فريق من السكان الباب الشمالي للغزاة، وسادت الفوضى الليل كله لأن قادة الوهابيين كانوا في مكان يقال له دما، فسُلبت المدينة ونُهبت، وجُمع أهلها في قصر شبرا، ثم أعيدت الحال إلى مجراها. وذكر أن الأمير عليًّا أقام في الهدا أربعة أيام وطلب العودة إلى مكة فرفض والده، فانتقل إلى البازان نحو أسبوعين يعدّ للدفاع، ثم عاد إلى الهدا فدارت معركة شديدة كثر فيها القتلى والجرحى، وبلغ الوهابيون معسكره بحركات التفاف أوقعت الرعب في الجيش، فرجع إلى البازان. وبدأت الهجرة بشدة، وساءت الحال في مكة وجدة، فجعل الناس يفكرون في حمل الملك حسين على التخلي عن العرش.
تنازل الملك الشريف حسين بن علي عن عرش الحجاز في 4 ربيع الأول سنة 1343. وذلك أن مائة وأربعين من الأعيان والعلماء والتجار الحجازيين في جدة أبرقوا إليه بأن البلاد وقعت في الفوضى بعد فناء الجيش وعجز الحكومة عن صون الأرواح والأموال، وأن الأمة قررت نهائيًا طلب تنازله وتنصيب ابنه الأمير علي ملكًا دستوريًا على الحجاز فقط، على أن ينزل على رأي المسلمين وأهل الحجاز، وأن يكون للبلاد مجلسان: مجلس نيابي وطني، ومجلس شورى من أعضاء منتخبين من المسلمين على اختلاف بلادهم. فأجابهم الحسين بأنه مستعد للتنازل بكل ارتياح إن عيّنوا غير علي. ولما كلّمه الشيخ طاهر الدباغ بالهاتف رفض التنازل لابنه علي قائلًا إنه وابنه شيء واحد، واقترح عليهم أن يختاروا الشريف علي أمير مكة السابق أو أخا الحسين ناصرًا أو خديوي مصر عباس حلمي أو غيرهم من الأشراف. فأرسلوا إليه برقية أخيرة بأن الحال حرجة، وأنه إن لم يتنازل للأمير علي فليتنازل لتتمكن الأمة من تشكيل حكومة مؤقتة، وإلا فدماء المسلمين على عاتقه. فأجاب في الساعة الرابعة من الليل بأنه قبل التنازل بكل ارتياح، وطلب أن يعيّنوا مأمورين يتسلمون البلاد.
تأسس الحزب الوطني الحجازي في جدة في ربيع الأول سنة 1343. وذلك أنه لما رأت الأمة امتناع الشريف حسين عن التنازل وعدم قبول ابنه علي الملك، اجتمع الأعيان في دار الشيخ محمد نصيف ودعوا الأهالي إلى انتخاب حزب يمثلهم. فانتُخب بأغلبية الأصوات اثنا عشر عضوًا: من أهل جدة محمد طويل ومحمد طاهر الدباغ وسليمان قابل وقاسم زينل وعبدالله رضا ومحمد نصيف ومحمد صالح نصيف، ومن أهل مكة صالح شطا وعبدالرؤوف الصبان ومحمود شلهوب وشرف بن راجح وماجد كردي، ورئيسه محمد طويل. ولما جاء الخبر بأن الأمير عليًّا قبل الملك رأى الحزب أنه يكفي لإدارة الأمور، لكن محمد طويل حذّرهم من الفوضى، فذهبوا إلى دار الحكومة وبايعوا الأمير عليًّا ملكًا. وألقى سكرتير الحزب طاهر الدباغ خطبة البيعة على أن يكون ملكًا دستوريًا على الحجاز فقط، ينزل على رأي الأمة، ويكون للبلاد مجلس نيابي وطني تنتخبه الأقطار الحجازية بموجب قانون أساسي تضعه جمعية تأسيسية، وأن تدار الشؤون الداخلية والخارجية بوزارة دستورية مسؤولة أمام المجلس، وعلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله. وأبرقت الهيئة في 5 ربيع الأول إلى الشريف حسين بأن البيعة تمت لابنه وأن المنتظر منه مغادرة البلاد. وتوجه الملك علي بعد العصر من يوم البيعة إلى مكة بالسيارة ومعه ثمانية أنفار، وبقي الحزب يوالي جلساته ويعمل بما يراه صالحًا.
نادى المنادي في مكة بعد صلاة الظهر في 5 ربيع الأول سنة 1343 بأن الملك الشريف حسين تنازل عن الإمارة، وأن الأمة انتخبت ابنه علي بن الحسين ملكًا.
أرسل الملك علي بن الحسين سنة 1343، بعد أن بويع بالملك، برقية عن طريق البحرين إلى السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود يعرض فيها السلم، ويقترح عقد مؤتمر لإتمام المفاوضات التي بدأت في مؤتمر الكويت وإزالة بواعث الخلاف، واشترط لعقده جلاء الجنود النجدية عن الحجاز. فأجابه السلطان بأن شرطه الأخير ألا صلح ما دام أبناء الحسين يتوارثون الملك في الحجاز، وأن الحجاز للعالم الإسلامي فلا ميزة فيه لطائفة من المسلمين على أخرى.
كتب الحزب الوطني الحجازي في ربيع الأول سنة 1343 إلى السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود سلطان نجد، يذكر أن الخلاف بينه وبين الشريف حسين كان لأسباب تعود إلى شخص الحسين لا إلى الأمة، وأن الحجازيين المجتمعين في جدة من أهلها وأهل مكة والطائف والأشراف والبدو حملوا الحسين على التنازل، وبايعوا ابنه الأمير عليًّا ملكًا على الحجاز فقط بشرط أن ينزل على رأي الأمة الإسلامية. ورجا الحزب من السلطان إيقاف الجيوش عند آخر نقطة وصلت إليها، والموافقة على إرسال مندوبين للمفاوضة فيما يجب لحفظ الأرواح والأموال في البلاد المقدسة. ولما أبطأ الجواب أبرق الحزب في 15 أكتوبر عن طريق البحرين إلى القصيبي وكيل سلطان نجد، بتوقيع السكرتير العام طاهر الدباغ، بأن الحجازيين خلعوا الحسين وبايعوا الأمير عليًّا ملكًا على الحجاز فقط، وطلبوا إرسال مندوب سريعًا للمفاوضة. فأجابت حكومة نجد في 17 ربيع الأول بأن الرسالة الرسمية الخاصة بالصلح لم تصل، وأنه لا يمكن نشر روح السلام في الجزيرة ما دام الحسين وأنجاله حكامًا على الحجاز، وأن نجدًا لا تطمع في الحجاز وتترك للعالم الإسلامي وضع نظامه، فإذا خرج الحسين وأولاده منه فأهله آمنون، وأنها أرسلت التعليمات اللازمة بذلك إلى رؤساء الجيش.
أبرق شوكت علي رئيس جمعية الخلافة في دهلي بالهند سنة 1343، في 17 أكتوبر، إلى سلطان نجد عن طريق البحرين، يخبره أن أهل الحجاز أبلغوا الجمعية بخلعهم الشريف حسين وإقامة ابنه الأمير علي ملكًا على الحجاز فقط، وطلبوا تدخلها. وذكر أن الجمعية أجابتهم بأن مسلمي الهند وسائر الشعوب الإسلامية لا يوافقون على بقاء الحسين ولا أبنائه في الحجاز بسبب أعمالهم مدة ثماني سنوات، وأن حكومة الحجاز يجب أن تكون حرة خاضعة لرأي العالم الإسلامي، وأن الجمعية لا تعترف بإمارة الشريف علي وقررت إرسال مندوبين من قبلها إلى الحجاز. فأجابه السلطان عبدالعزيز شاكرًا، وقال إنه ما دام الحسين أو أحد أولاده حاكمًا على مكة فلا أمل في نشر السلام، وإن تبعة ما وقع تقع على الحسين وحده وأهل الحجاز براء منها، وإن الكلمة الأخيرة للعالم الإسلامي.
غادر الشريف حسين بن علي مكة بعد صلاة الصبح في 10 ربيع الأول سنة 1343 متوجهًا إلى جدة، فأقام فيها ستة أيام لم يقابل فيها أحدًا من الناس. وأعلن قبل سفره منها أنه لم يستنجد بالإنكليز ولم يطلب مساعدتهم في القتال الدائر بينه وبين ابن سعود، وأن كل ما في الأمر أنه كلّف وكيله في لندن أن يلفت نظر ولاة الأمور البريطانيين إلى أعمال ابن سعود. ثم توجه على يخته «الرقمتين» إلى العقبة فأقام بها.
أخلى الملك علي بن الحسين مكة ليلة السادس عشر من ربيع الأول سنة 1343. وذلك أنه أقام فيها أسبوعًا بعد البيعة، ثم رأى أن قوة الدفاع لديه لا تكفي لرد جيش نجد، وأن جنوده تشتتوا ولم يبق منهم إلا مائتان مترددون، وكان الإخوان قد وصلوا في 15 ربيع الأول إلى قرية الزيمة مصممين على الحصار، فأمر بإخلاء المراكز. ففي الساعة السابعة من ليلة السادس عشر أُخليت جميع المراكز من العساكر والسلاح، وأُذن لمن أراد الذهاب إلى جدة، ونُزع السلاح ممن بقي، وأُخليت الحميدية والقشلة وتُركت أبوابها مفتوحة. وخرج الملك علي في الساعة الثامنة من الليل موصيًا الناس ألا يطلق أحد منهم البنادق، وفي الساعة التاسعة نهب أهل جياد والمسفلة الحميدية ونهب أهل جرول القشلة.
دخل الإخوان مكة يوم السادس عشر من ربيع الأول سنة 1343. وكان بعض العتبان قد أرادوا عند شروق الشمس نهب بيت الشريف فمنعهم أهل الشعب، فلما أصروا قاتلوهم بالبنادق وقتلوا منهم ستة أو سبعة فهرب الباقون، فامتنعت بقية القبائل عن نهب البلد. وفي الساعة الرابعة من النهار نادى المنادي بأن أهل مكة ومجاوريها في أمان الله ورسوله وأمان إمامهم عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وأن وكيله إلى حين مجيئه الشريف حمزة الفعر، وحذّر من التعدي. وفي الساعة الثامنة دخلت خيالة الإخوان مكة محرمين فطافوا وسعوا حاملين السلاح. وبعد صلاة العصر صعد رجل منهم المنبر فأعلن أن أهل مكة والمجاورين والوافدين آمنون على أموالهم ودمائهم وأعراضهم، وأن مفتاح البيت يبقى على ما هو عليه، وأن مصابيح الحرم توقد كما كانت، وأن على أصحاب الدكاكين أن يفتحوها، وأن من كانت له شكوى فليأتِ أمير الجيش في بيت الشريف.
وصلت إلى مكة في الساعة السادسة من ليلة السابع عشر من ربيع الأول سنة 1343 عساكر كثيرة من الإخوان ومعهم الأسرى الذين احتُجزوا في الطائف، ومنهم الشيخ عبدالقادر الشيبي وإسماعيل الدهلوي وغيرهما. فلما وصلوا مكة أُطلقوا وعُفي عنهم مما طُلب منهم في الطائف، وهو سبعة آلاف جنيه.
قرأ الشيخ عبدالقادر الشيبي في المسجد الحرام بعد صلاة الصبح من يوم 17 ربيع الأول سنة 1343، وقد وقف في المقام الحنبلي والناس مجتمعون في المطاف، منشورًا من الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل إلى أهالي مكة وجدة وتوابعهما من الأشراف والأعيان والمجاورين والسكان، أرسله مع الأمراء الذين جاءوا من عنده إلى الطائف. وذكر فيه أنه كرر النصح للحسين بن علي ليجمع شمل العرب فلم يقبل، وأن الحسين جعل همه منذ دخل الحجاز الإيقاع بنجد والنجديين، ومنع أهل نجد قاطبة من الحج، فضلًا عما يأتيه هو وعماله من المظالم بحجاج بيت الله. وذكر أن نوايا الحسين بانت في سفره إلى الأردن، وأنه، أي الإمام عبدالعزيز، لا يقصد ملكًا ولا خلافة بل أن تكون كلمة الله هي العليا ويُحمى الحرم، وأنه أرسل سرية لاحتلال الطائف لقربها، وذلك للتفاهم مع أهل الحجاز. وأعطى أهل مكة وتوابعها من الأشراف والأهالي والمجاورين والملتجئين عهد الله وميثاقه على أموالهم ودمائهم، وألا يُعاملوا بما يكرهون، وألا يُمضى فيهم أمر دقيق أو جليل إلا بحكم الشرع، وأن يبذل جهده في تأمين الحرم وسكانه وطرق الوافدين إليه.
أصدر الأمير خالد بن منصور بن لؤي في مكة، في ربيع الأول سنة 1343 بعد يومين أو ثلاثة من قراءة منشور الإمام عبدالعزيز، أمرًا نادى به المنادي في الأسواق بأن تجري المعاملة على أن يكون الريال المجيدي بعشرين قرشًا صغيرًا من الفضة، والقرش الصغير بقرش، والقرش الكبير بقرشين، والقرش المعدن الكبير الأبيض بهللة واحدة، وأن ما عدا ذلك من أنواع النقود الصغيرة باطل.
نُهبت بيوت الشريف حسين وولده الشريف علي، وبيت الشريف محسن بن منصور قائمقام الإمارة سابقًا، ودكان عبدالوهاب قزاز، بعد دخول الإخوان مكة في ربيع الأول.
مُنع الترحيم والتذكير والتصلية التي تكون بعد الأذان في مكة بعد دخول الإخوان إليها في ربيع الأول. وكان الإخوان يصلون جماعةً في المطاف وإمامهم منهم، ولا يصلون مع الجماعة في المسجد.