العثيمين، 1347هـ
1928–1929م تقريبًاالمصدر: عبد الله بن صالح العثيمين: تاريخ المملكة العربية السعودية
لقد رأى الملك من الحكمة أن يطمئن إلى موقف أتباعه لمناصرته في أية خطوة يمكن أن يقدم عليها ؛ خاصة أن المعارضين له يعلنون أنهم ينطلقون من المبادئ التي نادى بها هو منذ بداية مسيرته لتوحيد البلاد وهي الجهاد في سبيل الله ، وأن يبرهن للجميع بأنه لم يترك فرصة إلا انتهزها لحل ما نشأ من خلاف بينه وبين أولئك المعارضين بطريقة سلمية . فدعا إلى مؤتمر يعقد في الرياض ويكون في طليعة من يحضره العلماء وأمراء الحاضرة وزعماء الإخوان والقبائل . وكان حريصاً كل الحرص على أن يحضر قادة المعارضين له بالذات؛ أملاً في إقامة الحجة عليهم أمام المؤتمرين والحصول على بيعتهم مجددة لتقوية موقفه في أي إجراء يتخذه ضدهم إن لم يعدلوا عن معارضتهم. ولقيت دعوة الملك تجاوباً كبيراً. فوصل إلى الرياض كثير من المدعوين، لكن الدويش لم يحضر. بل أرسل ابنه عبدالعزيز نائباً عنه . ولم يحضر، أيضاً، ابن بجاد . أما ابن حثلين فتوجه إلى الرياض، لكنه علم وهو في الطريق أن الزعيمين السابقين لن يحضرا، فعاد إلى شرقي البلاد . وأجل الملك انعقاد المؤتمر قليلاً أملاً في حضورهم، فلم يقدموا . وفي الثاني والعشرين من جمادى الأولى بدأ ذلك المؤتمر، الذي عُرف باسم الجمعية العمومية . وحضره عدة مئات من الشخصيات المختارة الممثلة للآلاف التي أجابت الدعوة. ونظم جلوس الجميع بـدقـة بحيث كان أفراد الأسرة الحاكمة عن يمين الملك وشماله والعلماء أمامه في الصف الأول، ثم أمراء الحاضرة خلفهم يميناً وشمالاً، وزعماء الإخوان والقبائل في الوسط بين أولئك الأمراء . افتتح الملك المؤتمر بإيضاح سبب انعقاده، ثم تساءل عما إذا كانت لدى أي إنسان من الحاضرين شكوى ضده أو ضد أحد عماله . وبعد ذلك أبان ما قام به من أعمال. ثم عرض عليهم أن يتنازل عن الحكم ليختاروا غيره من آل سعود . وكان هذا العرض فكرة بارعة ألهبت حماسهم، وجعلتهم يصوتون بأنهم لا يرضون به بديلاً. وعندئذ وجه كلامه إلى العلماء متسائلاً عما إذا كانوا يرونــه مخالفاً للشرع في أي أمر من الأمور؟ فأجابوا بأنهم لم يروا منه إلا الالتزام بذلك الشرع المطهر. ثم تكلم بعض زعماء الإخوان والقبائل مؤيدين لـه إلا أنهم أثاروا مسائل لا يزال في نفوسهم منها شيء. ومن تلك المسائل البرقيات أهي سحر أم غير سحر؟ والمخافر (القصور) التي بنيت على أمكنة كانت مراعي «اللمسلمين أيجوز شرعاً السكوت عنها؟ والجهاد في سبيل الله أيحل توقفه ؟ فأفتى العلماء بإعادة ما سبق أن قالوه عن البرقيات ؛ وهو التوقف . أما المخافر فضرر واضح يجب على الملك أن يسعى لإزالته ديناً ،وحميَّة، لكن الأمر متروك له ليعالجه بالطريقة التي يراها . وأما الجهاد فواجب . غير أن إعلانه شأن من شؤون وليّ الأمر . وبدا وكأن الحاضرين قد اقتنعوا بتلك الفتوى . وكانت نهاية ذلك المؤتمر ، أو الجمعية العمومية، أن جدد الجميع للملك البيعة . وكان ذلك مما أعطاه الضوء الأخضر في اتخاذ ما يراه من إجراءات ضد المعارضين له .