نبذة عن الرحلة:
قام الرحالة الإنجليزي وليم جيفورد بالغريف (William Gifford Palgrave) برحلة واسعة في الجزيرة العربية خلال عامي 1862 و1863م، اجتاز خلالها عددًا من مناطق شمال الجزيرة ووسطها وشرقها، مرورًا بالجوف وجبل شمر والقصيم ونجد والأحساء، وصولًا إلى عُمان.
وكان إقليم سدير من المناطق التي زارها بالغريف بنفسه، وقد نص على ذلك صراحة عند تحديد المناطق التي شاهدها خلال رحلته، فذكر أنه سلك:
“الطريق من بريدة إلى سدير، والإقليم الأخير كله تقريبًا.”
وتمنح هذه العبارة ما أورده بالغريف عن سدير أهمية خاصة؛ إذ يتضح منها أن جانبًا مهمًا من وصفه للإقليم قائم على المشاهدة المباشرة، بحسب ما يقرره هو.
وقد عرض بالغريف جانبًا من مشاهداته في بحث نشرته الجمعية الجغرافية الملكية في لندن سنة 1864م بعنوان “مشاهدات في وسط وشرق وجنوب الجزيرة العربية خلال رحلة في تلك البلاد عامي 1862 و1863م”.
ثم نشر وصفًا أكثر تفصيلًا لرحلته في كتابه “رحلة عام في وسط وشرق الجزيرة العربية”، الذي صدر سنة 1865م.
وينبغي التعامل مع رواية بالغريف بوصفها شهادة رحالة أوروبي في القرن التاسع عشر، لها قيمتها التاريخية، ولكنها تظل رواية فردية تحتاج، كغيرها من كتب الرحلات، إلى المقارنة بالمصادر المحلية والجغرافية الأخرى.
من القصيم إلى سدير:
أقام بالغريف نحو شهر في بريدة والقصيم، ثم اتجه شرقًا وعبر النفود الفاصل بين القصيم وسدير، ومر بالزلفي قبل أن يصعد إلى مرتفعات طويق.
وفي وصفه للزلفي، أشار إلى قوة صلتها بأهالي سدير، فقال إن سكانها كانوا أقرب ارتباطًا، من حيث رابطة الدم والمشاعر، بأهالي سدير من ارتباطهم بأهالي القصيم أو الوشم. كما وصف الزلفي بأنها محطة للتجارة القادمة من سدير والعارض والوشم وما جاورها.
وعندما غادرها متجهًا إلى الجنوب الشرقي، وصف المشهد أمامه فقال إن النفود كان عن يمينه، بينما كان جبل طويق وإقليم سدير عن يساره. ثم دخل ممرًا ضيقًا يصعد نحو الشمال الشرقي إلى داخل مرتفعات طويق، حتى وجد نفسه، بحسب وصفه، داخل حدود سدير.
وتساعد هذه التفاصيل على تتبع الطريق الذي سلكه بالغريف من القصيم والزلفي إلى داخل الإقليم، كما توضح العلاقة الجغرافية بين سدير والنفود ومرتفعات طويق.
سدير وجبل طويق:
أولى بالغريف جبل طويق عناية واضحة في وصفه الجغرافي لنجد، ورأى أنه يمثل الأساس الجغرافي للمنطقة.
وشبه الشكل العام لطويق بهلال ضخم، وجعل وسطه وأعرض أجزائه في العارض، بينما قال إن قرنه الشمالي الشرقي ينتمي إلى سدير، ووضع الوشم في بداية ذراعه الجنوبية.
ويقول في وصفه لارتفاعات طويق إن أكثر صخوره ارتفاعًا توجد في سدير، وإن طريقه سيمر بها بعد ذلك.
ووصف طويق بأنه كتلة واسعة من المرتفعات ذات تكوين يغلب عليه الحجر الجيري، تتعاقب فيها الحافات والمنبسطات، وقد ترتفع بعض حافاتها بصورة شديدة عن الأراضي المجاورة. كما وصف أسطح المرتفعات بأنها تضم مراعي عشبية وأشجارًا متفرقة، وذكر من نباتاتها السدر والمرخ والطلح.
جبل عتالة:
ذكر بالغريف في بحثه الجغرافي موضعًا سماه “جبل عتالة”، وعدّه أعلى نقطة في طويق، ووضعه بالقرب من ملتقى سدير والعارض وقرب وادي حنيفة، عند نحو خط عرض 25 درجة شمالًا.
ويتفق ذلك مع وصفه التفصيلي لطويق في كتاب الرحلة؛ إذ ذكر أن أعلى صخور الجبل تقع في سدير، وأن طريقه سيمر بهذه المرتفعات.
ويرد اسم “عتالة” كذلك في “معجم وسط الجزيرة العربية” الصادر سنة 1904م، في مدخل مستقل بعنوان “عتالة: الجبل والثنية”، حيث وصفها بأنها سلسلة جبلية تقع شرقي أعلى هضبة سدير، وذكر أن الطريق من المجمعة إلى الدرعية يعبر هذه المرتفعات من خلال “ثنية عتالة”، وأن أعلى نقطة فيها تقع على مسافة تتراوح بين 15 و20 ميلًا جنوب شرقي تمير.
وبذلك لا يبدو “جبل عتالة” اسمًا عارضًا أو خطأ في رواية بالغريف، بل اسمًا جغرافيًا سجلته المصادر الأجنبية في وصف مرتفعات سدير وطويق خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
الغاط: بداية الدخول إلى سدير:
بعد صعود بالغريف من الطريق القادم من الزلفي عبر أحد ممرات طويق، ذكر صراحة أنه أصبح “داخل حدود محافظة سدير”، ثم كانت الغاط أول موضع وصفه بعد ذلك.
وقد قدم وصفًا تفصيليًا للغاط، فذكر أنها تقع عند طرف الوادي أسفل الجرف، وأن اختيار موضع المنازل على جوانب الوادي كان يحميها من أضرار السيول التي تنحدر في وسطه خلال موسم الأمطار.
ولفت نظره ما شاهده من آثار المياه، وذكر أن بعض المنازل المنخفضة كانت قد تعرضت للدمار بفعل السيول.
أما الآبار فوصفها بأنها غزيرة المياه حتى في الفصل الجاف، وأن الماء المتدفق منها كان يملأ خزانًا كبيرًا تتفرع منه مجارٍ صغيرة بين الأشجار والزروع. وذكر التين والرمان والنخيل، ولاحظ ارتفاع نخيل الغاط مقارنة بما شاهده في القصيم.
كما وصف المنازل والحدائق بأنها تتدرج في صفوف على جانب المرتفع الجبلي.
وتقدم هذه المشاهدة صورة مباشرة للغاط كما رآها بالغريف في أثناء دخوله إلى سدير في ستينيات القرن التاسع عشر.
المياه والزراعة في سدير:
ميز بالغريف بين ندرة المياه الجارية فوق سطح الأرض وبين وفرة المياه الجوفية في مرتفعات نجد.
فقد ذكر أن المياه السطحية كانت قليلة، ولا سيما في الفصل الجاف، لكنه رأى أن المياه الجوفية كانت مستديمة ووفيرة، وهو ما جعل الأودية خصبة وأتاح الزراعة فيها.
ويظهر ذلك بصورة واضحة في وصفه للغاط، حيث سجل وفرة مياه الآبار وانتشار الحدائق والنخيل والأشجار.
وترد جلاجل كذلك في ملاحظة جغرافية لافتة عند حديثه عن ندرة المياه الجارية في داخل نجد. فقد ذكر أنه لم يشاهد منذ الجوف وحتى أقصى نجد وجبل طويق مجرى ماء جاريًا فوق سطح الأرض، ثم استثنى:
“مجرى صغير جدًا لا أهمية له بين جلاجل والرويضة في سدير.”
وتنفرد هذه الإشارة بأنها تتحدث عن مجرى ماء ظاهر وجارٍ بين جلاجل والرويضة، لا عن الآبار والمياه الجوفية التي تحدث عنها في مواضع أخرى.
سدير إقليم واسع كثير البلدان:
قدم بالغريف وصفًا مباشرًا لسدير فقال:
“سدير إقليم مرتفع واسع، يضم أكثر من ثلاثين بلدة أو قرية.”
وذكر أن بعض هذه البلدان يرجع إلى تاريخ قديم جدًا، وضرب مثالًا بجلاجل وحريملاء.
ويكشف هذا الوصف عن تصور بالغريف لسدير بوصفها إقليمًا واسعًا مستقرًا كثير البلدان، لا مجرد نطاق جغرافي محدود.
أما إدخاله حريملاء ضمن سدير فيعكس التقسيم الجغرافي الذي اعتمده. وقد سجل “معجم وسط الجزيرة العربية” سنة 1904م لاحقًا اختلاف المصادر في ذلك، فذكر أن بالغريف وضع حريملاء في سدير، بينما وضعها روس في العارض، وأنها تقع تقريبًا عند الحد بين الإقليمين.
المجمعة حاضرة سدير:
عند حديث بالغريف عن مدن نجد وتحصيناتها، أورد المجمعة مثالًا واضحًا، ووصفها بأنها:
“المجمعة، حاضرة سدير.”
ويأتي هذا الوصف في سياق حديثه عن تحصينات المدن النجدية، التي ذكر أن بعضها كان محاطًا بالأسوار والأبراج والخنادق، مع وجود حصن مركزي داخل المدينة.
وتعد عبارته عن المجمعة شهادة واضحة على مكانتها بوصفها حاضرة إقليم سدير في زمن رحلته.
مناخ سدير:
من أكثر أوصاف بالغريف لفتًا للنظر حديثه عن مناخ الجزء الشمالي من جبل طويق، الذي قال إنه يتطابق مع إقليم سدير.
وقد بالغ في الثناء عليه، فوصفه بأنه ربما كان من أكثر المناخات صحة في العالم، ولم يستثن في المقارنة إلا جبل شمر.
وربط ذلك بجفاف الهواء، كما سجل ملاحظات شخصية عن الهيئة الجسمانية لأهالي سدير، وهي من الملاحظات الانطباعية التي ينبغي قراءتها في سياق أدبيات الرحلات في القرن التاسع عشر، لا بوصفها نتائج علمية.
لكن وصفه للمناخ الجاف وارتفاع الإقليم يتفق مع الصورة الجغرافية العامة التي رسمها لسدير بوصفها الجزء الشمالي المرتفع من طويق.
أهل سدير وكرم الضيافة:
خصص بالغريف جانبًا لافتًا من روايته للحديث عن أهل سدير، وخصوصًا ما شاهده من كرم الضيافة.
فبعد وصوله إلى الغاط، قال إن أهل نجد عمومًا، وأهل سدير خصوصًا، عرفوا بكرمهم تجاه ضيوفهم، وأنهم اشتهروا بذلك داخل الجزيرة العربية وخارجها.
ثم وصف استقبال أمير الغاط له ولرفاقه، وما قدم لهم من القهوة والطعام والفاكهة ومكان الإقامة.
ويعود بالغريف إلى الموضوع مرة أخرى، فيجعل حسن استقبال الضيف واللباقة في التعامل من الصفات التي رأى أنها تميز المجتمع في سدير، بل يقول إن سدير تتفوق في هذا الجانب على بقية أقاليم طويق التي عرفها.
ويختم جانبًا من هذا الوصف بقوله إن “كرم سدير” كان سخيًا، ثم يصف ما قدم لهم من ضيافة في الغاط.
وتبقى هذه الأحكام انطباعات شخصية لرحالة عن المجتمع الذي استضافه، لكنها تسجل جانبًا اجتماعيًا مختلفًا عن المعلومات الجغرافية والسياسية التي يغلب ورودها في المصادر الأجنبية عن نجد.
الفحم في سدير:
ومن المعلومات اللافتة التي سجلها بالغريف ما ذكره أثناء حديثه عن نجد، إذ قال:
“يوجد الفحم بالفعل في سدير وفي جنوب طويق، لكن السكان لا يعرفون استعماله.”
وهي إشارة تستحق الاهتمام، لكن بالغريف لم يقدم تفاصيل عن موضع هذه المادة أو طبيعتها، ولذلك لا تكفي عبارته وحدها لتحديد المقصود بـ”الفحم” وفق المفهوم الجيولوجي الحديث، وتحتاج المسألة إلى المقارنة بالمصادر الجيولوجية المتخصصة.
سدير ضمن نجد العليا:
عد بالغريف سدير واحدًا من أقاليم ما سماه “نجد العليا”، وذكر تحت هذا المسمى خمسة أقاليم هي: سدير، والعارض، والوشم، والأفلاج، واليمامة.
ويكشف هذا التقسيم عن تصوره الجغرافي لسدير بوصفها جزءًا من مرتفعات نجد المرتبطة بطويق.
كما ذكر سدير ضمن الأقاليم التي كانت داخلة في حكم الإمام فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود وقت رحلته، إلى جانب القصيم والوشم والعارض واليمامة والحريق والأفلاج وغيرها.
وبذلك يظهر اسم سدير في وصف بالغريف بوصفه إقليمًا جغرافيًا وإداريًا قائمًا بذاته في نجد في منتصف القرن التاسع عشر.
صورة سدير في رحلة بالغريف:
تقدم رحلة بالغريف صورة واسعة نسبيًا لسدير في ستينيات القرن التاسع عشر. فهي عنده إقليم مرتفع واسع يشكل الطرف الشمالي الشرقي من جبل طويق، ويضم أكثر من ثلاثين بلدة وقرية، وتتصل طرقه بالقصيم والزلفي والوشم والعارض.
ولا يقتصر وصفه على تحديد الحدود والبلدان؛ فقد سجل طبيعة المرتفعات والأودية والنبات، ووصف المياه الجوفية والزراعة في الغاط، وأشار إلى الماء الجاري بين جلاجل والرويضة، وذكر المجمعة بوصفها حاضرة الإقليم، وتحدث عن مناخ سدير وكرم أهلها وحسن استقبالهم للضيف.
كما تكشف روايته التفصيلية عن انتقاله الفعلي من الزلفي إلى مرتفعات طويق ودخوله سدير من جهة الغاط، وهو ما يضيف إلى عبارته العامة بأنه زار “الإقليم كله تقريبًا” تفاصيل ميدانية عن الطريق والمواضع التي شاهدها.
وتبقى رواية بالغريف شهادة رحالة أجنبي لها حدودها وملاحظاتها الشخصية، وتحتاج بعض أحكامها إلى المقارنة بالمصادر الأخرى، لكنها تظل من الأوصاف الأوروبية المبكرة والمفصلة لسدير في القرن التاسع عشر.
المصادر:
William Gifford Palgrave, “Observations made in Central, Eastern, and Southern Arabia during a Journey through that Country in 1862 and 1863,” Journal of the Royal Geographical Society of London, Vol. 34, 1864.
William Gifford Palgrave, “Narrative of a Year’s Journey through Central and Eastern Arabia”, London, 1865.
وليم جيفورد بالغريف، “رحلة في وسط وشرق الجزيرة العربية”، الجزء المتعلق بسدير، تقديم وترجمة د. محمد بن عبدالله آل زلفة، صحيفة الجزيرة، 2000م.
John Gordon Lorimer, “Persian Gulf Gazetteer, Part II: Geographical and Descriptive Materials, Section III: Central Arabia”, Simla: Government Central Press, 1904.